يزيد المصري، شخصية واقعية جدًا لكنها ولدت من خيال فريد للأديب العالمي الراحل نجيب محفوظ. رجل كتب له القدر زمانًا ومكانًا، جاء ليشهد أحداث حياته بكل ما فيها من الهناء والشقاء، كان يشتغل بالعطارة، مات أهله جميعًا في وباء قديم، استقر به الحال في بلد مجاور عند صديقه الذي اقترح عليه عروسًا مناسبة. تزوج وأنجب ذكرين اختُطف أحدهما صغيرًا من جنود الوالي لتتغير حياته رغمًا عنه، ويدخل في صراع هوية لا ينتهي وهو جدير بمقال منفصل، أو ربما أكثر.

نعود ليزيد الذي أحب زوجته وأكرمها بطريقتهما التي ارتضياها وحضر ميلاد حفيدته من ابنه الذي بقي له وتزوج ابنة صديقه، عمل عطارًا أغلب حياته وتفاعل مع محيطه، أحسن وأساء سارت به الأيام والليالي مثلنا وشهد مشاهده المُقدرة وخلالها فعل ما أتيح له وما رآه صحيحًا، ثم رأى في منامه اقتراب أجله فبنى قبره، وحفره مع العمال وأعطاهم أجورهم ولما أنتهى من البناء سلم الأمانة ومات.

ما أجمل سيناريو الكاتب محسن زايد عندما جعل كلام الرواية العبقرية، شخصيات من لحم ودم أحببناها وتفاعلنا معها، ولم تمر على مشاهد إلا أثرت فيه عظيم الأثر مع موسيقى الراحل جميل اللحن عمار الشريعي، وإخراج مبدع للمخرج أحمد صقر، وأداء تمثيلي قوي لأكثر من خمسين شخصية عبر ثلاثة أجيال تحركت أمام أعيننا بسلاسة دون ملل أو رتابة، فالشكر هنا واجب لمن أمتعونا وما زالوا.

حياة يزيد المصري هي مجرد قصة بسيطة لا تخلو من عمق وعبقرية، هي حياتنا العادية التي لمن تعد ترضينا في زمن هوس الشهرة والحيوات الافتراضية، نعم حياة ثرية مليئة بالمشاهد والدروس والعبر والفرح والحزن والهناء والشقاء والضيق والسعة، حياة حقيقية ليست مزيفة ولا قشور حياة.

تجدنا اليوم معشر الشباب نحمل تطلعات خيالية بتغيير العالم والعيش في المدينة الفاضلة حيث لا فساد، لا بطالة، لا ظلم، لا منغصات ولا تحديات، ونعيش أوهامًا تخلقها عقولنا أننا عباقرة تنقصنا الفرص وتحبطنا الظروف المحيطة، وأننا عظماء مع إيقاف التنفيذ!

ترهق أرواحنا خيبات الأمل المتكررة، ونبحث عن معنى لحيواتنا دون أن نفكر أن نصنعه بأنفسنا، نبحث عن السعادة المُتوَهمة في الملموسات، ولن نجدها إلا لذة عابرة أو نشوة مؤقتة أو شهوة سرعان ما تزول ويقتلها الملل أو العادة.

لن نرضى إلا بحياة استثنائية مليئة بالإنجازات المبهرة، يشار لها بالبنان ويعترف لنا بها الناس، وربما لن نرضى حينها لأننا وقتها نستمد ثقتنا بأنفسنا ورضانا عن ذواتنا من مدح الناس ونظرتهم وآرائهم، وعندها من الوارد أن نخسر أنفسنا ونعيش بطريقة لا تريحنا ولا تناسبنا من أجل ألا نفقد وهج وبريق ولمعان النجومية الزائفة في عيون معجبينا وجماهيرنا المخلصين!

الحياة هي الحياة

أتفقنا أم أختلفنا في التفاصيل والأدوات التي تتغير بتغير العصور ما هي إلا سلسلة متكررة من أعمال لا تستقيم الحياة بدونها، وأحداث نتفاعل معها ونتواصل ونتدافع ونتفق مرات ونختلف مرات ونحسن فيها ونسيء ونخطأ فيها ونُصيب، نأخذ أدوارًا مختلفة في حياة بعضنا البعض، وتكون بيننا حقوق وواجبات، وتكرم وتَفضُل، وإحسان ومودة أحيانًا، وتنافر وتباعد وتذمر وازدراء أحيانًا أخرى.

ذاك أننا نفوس مُلهمَة مُركَبة من فجور وتقوى، وإن كنت تؤمن أن الدنيا دار اختبار فعليك أن تركز على نموذج الأسئلة الخاص بك، والأدوات التي مُنِحتَها للإجابة عنها، وألا تطلب تغيير نموذج الأسئلة؛ لأنه ربما إن حدث فلن تستطيع الإجابة عن سؤال واحد من نموذجك الجديد!

دومًا للحديث بقية.