آهٍ يا أبا عبيدة، لقد كنا أذلَّ قوم حتى أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله.

كلمات ينبغي أن تُسطَّر بمداد من نور، لما فيها من دلالة على عظمة الإسلام وسموق المسلمين حال تمسكهم واعتزازهم بعقيدتهم. إنها كلمات الخليفة الراشد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- بعد أن خرج من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، متوجهًا إلى بيت المقدس، ليتسلم مفاتيح مدينة القدس، وليخط العهدة العمرية، بعد أن استسلم الروم لجيش المسلمين، بقيادة أبي عبيدة الجراح – رضي الله عنه- في العام السابع عشر من الهجرة النبوية الشريفة.

ومنذ ذلك التاريخ، صارت القدس «إلياء» تحت إمرة المسلمين، ينعم فيها غير المسلمين إلى جوار المسلمين، بالعدل والأمان. ظلت القدس تحت إمرة المسلمين قرونًا طويلة، حتى انطلقت شرارة العدوان الصليبي الغاشم، عام 1099، والذي أسفر عن مقتل ما يقارب الثمانين ألفًا من المسلمين، ممن هُّبوا لمقاومة العدوان الصليبي.

على إثر هذا العدوان، وقعت القدس تحت الحكم الصليبي الذي استمر قرابة التسعين عامًا. حتى مَنَّ الله على الأمة بصلاح الدين، الذي حارب الصليبيين وانتصر عليهم، ليسترد القدس مرة أخرى عام 1187.

في عام 1228، تقع القدس مرة أخرى في أيدي الصليبيين، بعد أن تنازل عنها السلطان الأيوبي الملك الكامل.

في عام 1244، استطاع السلطان الأيوبي الملك الصالح، أن يسترد القدس مرة أخرى من أيدي الصليبيين، لتظل بعدها في كنف العرب حتى أصدرت بريطانيا، وعدها الجائر، وعد بلفور 1917، والذي يقضي بإنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين. وبالفعل، دخل اليهود أرض فلسطين عام 1948.

محمد مات خلف بنات، بهذه الكلمات استهل اليهود عهدهم في الأرض المقدسة، بعد جملة من الخيانات العربية والعالمية توالت الأحداث، وبدأ تأسيس دولة إسرائيل، وعاصمتها تل أبيب، ولقد فعَّلوا واحدًا من أهم بروتوكولاتهم، «الحق مع القوة»، بهذه القوة توالت عمليات الاستيطان والاعتداءات الوحشية، لم تجد هذه القوة من الدول العربية سوى عقد المؤتمرات، وإصدار بيانات الشجب والإدانة والاستنكار، وأيضًا توالت الشعارات وتطورت، ومنها على سبيل المثال «خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود، خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد بدأ يعود، خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد هنا موجود» مرت السنون، ولمْ يعُدْ ذلك الجيش، ومازلنا في انتظاره؛ بل إن هناك جيوشًا عربية دُمرت، ومنها ما قد دُمر بعد أن أعلن الحرب على شعبه.

– في عام 1995، أصدر الكونجرس الأمريكي قرارًا بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، لكن القرار تضمن ما يسمح للرئيس الأمريكي بتأجيل التنفيذ مدة ستة أشهر، وقرار التأجيل كان دأب كل الرؤساء الأمريكيين منذ ذلك التاريخ.

– وها هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يتحدى العالم أجمع، ليتخذ خطوة لم يجرؤ على اتخاذها رئيس أمريكي من قبل، فيعلن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، لتصير القدس عاصمة لإسرائيل، لتصير القدس، بشطريها الغربي والشرقي، خاضعة للاحتلال، لتصير كل المقدسات الإسلامية وغيرها تحت سيطرتهم، وهذا ما وعد به اليهود أنفسهم منذ سنين، بأنه ينبغي أن تكون القدس بشطريها عاصمة أبدية لإسرائيل.

محمد مات خلف بنات، قالوها يوم أن دخلوها، وحُقّ لهم أن يكرروها اليوم، لتصيب آذان المليار بالصَّمَم، حُقّ لهم أن يكرروها لأنهم لم يجدوا رجالًا كعمر بن الخطاب، ولا أبي عبيد، ولا صلاح الدين.

أتصور حديثًا دار بين ترامب ونتياهو، بشأن ردة الفعل العربية. أتصور أن أحدهم قال للآخر: لا ينبغي لنا أن نضع غضبة العرب في الحسبان، فكلهم منكبٌّ على الشأن الداخلي البائس، فالمغرب مشغول بزلزال التغيرات السياسية الداخلية وتوابعه، التي ما زالت سارية حتى الآن. أما الجزائر، فمشغول بالتوترات الداخلية، وبالحرب الباردة مع المغرب، حول النفوذ في إفريقيا.

أما تونس، فمشغولة بتبديل شرع الله، مع قضايا البطالة والحرية. أما ليبيا فمشغولة بالحرب الداخلية الأهلية. ومصر مشغولة بالحرب على الإرهاب، وحرب جنون الأسعار، والجدال الساري حول الانتخابات الرئاسية.

والسودان منخرطٌ في أزماته وصراعاته الداخلية، أما السعودية، فيكفيها المعاناة في اليمن وسوريا، إضافة إلى الصراع الداخلي الذي صاحب مرحلة الحداثة.

أما العراق وسوريا ولبنان واليمن، فلقد سيطرت عليهن إيران، وما زال الصراع الداخلي على أشده.

أما الكويت والبحرين وعمان، فتلك دول ذات تأثير محدود على المشهد السياسي العالمي؟

أما بقية الدول، كقطر وتركيا والأردن، فليس أمامهما سوى السير في طريق الإجراءات وعقد المؤتمرات. هذا هو حال الأنظمة العربية والإسلامية، فلا ينبغي أن نخشاها، ولكن الخوف كل الخوف، من الشعوب العربية والمسلمة، ورغم ذلك لا ينبغي لنا أن نخاف، فإن لنا في كل دولة من هذه الدول رجالًا يحولون بين الشعوب وبيننا.

هذا الكلام وإن كان تصورًا، ولكنه يتوافق مع ما صرح به رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو منذ أسابيع قليلة، بأنهم ما كانوا يحلمون أن يحرزوا هذا التقدم غير المسبوق، في العلاقات الإيجابية ما بين إسرائيل والأنظمة العربية. وقال أيضًا، إنما الخوف فقط، يكمن في الصورة التي رُسِمت عنا في أذهان الشعوب.

فيا ألف مليون، هل يكون هذا اليوم يومًا من أيام العرب؟ هل ستنتفض الشعوب متحدية الحكام والطواغيت لتحُول بين اليهود وبين القدس؟

هل نثبت لهم أن محمدًا ما مات وما خلف محمد بنات؟

هذا وإلا فإلى لقاء مع إعلان صفقة القرن وإتمامها.