تتعرّض السعودية والبحرين والكويت، من وقت إلى آخر، لحوادث إرهابية ذات طبيعة طائفية، موجهة من الخارج في أغلب الأحيان، وتشير أصابع الاتهام إلى إيران. وهناك أيضا دول أوروبية تعرّضت لعمليات إرهابية، قام بها متطرّفون من أصول عربية، يرفعون شعاراتٍ إسلامية.

تسود العالم العربي حالة غير مسبوقة من حمى الحرب على الإرهاب، تختلف أعراض تلك الحمى، ومساراتها، من دولة إلى أخرى، طبقاً لاختلاف شكل النشاط الإرهابى الذى يستهدف كل دولة وطبيعته وأغراضه، وطبيعة الوسائل والأساليب التى تتبعها كل دولة في مواجهة تلك التهديدات الإرهابية التي تتعرّض لها. ولعل أوضح الأمثلة التي توضح تلك الاختلافات هي التباين بين الذي جرى ويجري في عدد من الدول العربية التي تعلن أنها في حالة حرب مع الإرهاب، فهناك الحالة العراقية، ومشهد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على الموصل ومناطق شاسعة من محافظة نينوى، والتي تمثل نحو ثلث مساحة العراق، وبلغ الأمر حد إعلان ذلك التنظيم قيام “الدولة الإسلامية فى العراق وسورية“، وهو ما تطلب تدخلاً دوليا وإقليميا تحت ستار تشكيل تحالف دولي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، للحرب على التنظيم في العراق وسورية، ضم أكثر من عشر دول، بالإضافة إلى القوة المتيسرة لدى العراق، والدعم الإيرانى لها؟ وإلى جوار العراق هناك سورية، وهي حالة ذات طبيعة خاصة، حيث اختلطت فيها الأمور ما بين قوات الثورة السورية التي تواجه عنف نظام بشار الأسد ودخول جماعات مسلحة متطرفة، لا شأن لها بالثورة السورية، أبرزها “داعش” وتنظيمات تنتمي إلى “القاعدة” وغيرها، وهو ما أحدث الذريعة لقوى إقليمية، أبرزها إيران وحليفها حزب الله اللبناني، وتركيا، وقوى دولية أبرزها روسيا، إضافة إلى قوى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وإذا تركنا العراق وسورية، باعتبارهما حالتين لكل منهما طبيعة خاصة، واتجهنا إلى دول أخرى دخلت فى دائرة الإرهاب، نجد نماذج أخرى.
بالنسبة لمصر، أعلنت حربها على الإرهاب في أعقاب حدثي 30 يونيو/ حزيران 2013 
“إرهاب الجماعات أو التنظيمات المتطرّفة موجه إلى الدولة بشكل خاص”

و3 يوليو/ تموز 2013، عندما طلب القائد العام للقوات المسلحة، في حينه، الفريق أول عبد الفتاح السيسي، من جماهير الشعب النزول إلى الميادين، لإعطائه تفويضا بمحاربة العنف والإرهاب “المحتمل”، الذي سرعان ما تحول إلى واقع، وأخذ يتصاعد بسرعة، وخصوصا في منطقة شمال سيناء، وأبرز تنظيماته ما عرف بتنظيم ولاية سيناء، وتركزت عمليات التنظيم ضد عناصر القوات المسلحة وعناصر الشرطة المدنية في مواجهات مسلحة؟ وآخر العمليات الإرهابية هي العملية غير المسبوقة التي استهدفت مسجدا في منطقة الروضة في مدينة بئر العبد شمال سيناء في وقت صلاة الجمعة، وقد راح ضحيتها 309 من المدنيين الأبرياء، ونحتسبهم شهداء، وأكثر من 120 مصابا، وهو الحدث الذي هز مشاعر الشعب المصري بعنف.
وتتعرّض السعودية والبحرين والكويت، من وقت إلى آخر، لحوادث إرهابية ذات طبيعة طائفية، موجهة من الخارج في أغلب الأحيان، وتشير أصابع الاتهام إلى إيران. وهناك أيضا دول أوروبية تعرّضت لعمليات إرهابية، قام بها متطرّفون من أصول عربية، يرفعون شعاراتٍ إسلامية، مثل فرنسا وإنكلترا وإسبانيا وهناك دول عربية وإقليمية تعرّضت لعمليات إرهابية لأهداف مختلفة، مثل تونس وتركيا.
هذا عن الإرهاب الذي ترتكبه جماعات أو تنظيمات متطرّفة، وهو إرهاب موجه إلى الدولة بشكل خاص، عن طريق ترويع المجتمعات، وخلخلة الأمن واستنزاف عناصره، بغرض تصدّع الدول، وإثارة الفوضى التي تمهد لإسقاط نُظم الحكم. ولهذا، فإن الدول التي تواجه ذلك الإرهاب تنتابها “حمى الحرب” على الإرهاب، وتسعى إلى تكوين تحالفات إقليمية ودولية لمحاربة الإرهاب، والانضمام إليها، فنشأ تحالف دولي لمحاربة “داعش”، وتحالف إسلامي لمحاربة الإرهاب، يضم أكثر من 40 دولة، وتجمعات إقليمية محدودة، كما الحال بالنسبة لمجموعة الأربعة المناهضة للإرهاب، كما أطلقت على نفسها، وهي السعودية والإمارات العربية والبحرين، ومعهم مصر، بغرض فرض مقاطعة شاملة على دولة قطر، بما يشبه الحصار، بدعوى أنها تدعم الإرهاب، وحدّدت 13 مطلباً على قطر تنفيذها إذا أرادت إنهاء المقاطعة، وهو ما رفضته قطر. وأعطت الدول الأربع لنفسها الحق فى إعداد قوائم تضم كياناتٍ وأفرادا من مختلف الدول، وصنفتها إرهابية.
إلى جانب ذلك الإرهاب، هناك مستوى آخر، وهو ما يعرف بإرهاب الدولة، وأوضح أمثلته ما تقوم به دولة العدو الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطينى المحتل من ترويع وامتهان، وانتهاك 

“نوع آخر من الإرهاب هو إرهاب الجماعات أو الأحزاب السياسية المسلحة”

الحرمات والمقدسات وسلب للأرض والمقدّرات. ونوع آخر من الإرهاب هو إرهاب الجماعات أو الأحزاب السياسية المسلحة، والمثل الواضح له جماعة أنصار الله الحوثية في اليمن، والتي استولت على الدولة بقوة السلاح، وطاردت الحكومة الشرعية، وهو ما دفع دولة الجوار، العربية السعودية، بعد استشعار الخطر، إلى تشكيل تحالف خليجي لمحاربة الحوثي واستعادة الشرعية، وهو ما أدى إلى تحالف الحوثي مع الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، وهو التحالف الذي انتهى بخلاف حاد أدى إلى مقتل صالح على يد الحوثيين، وما زال الصراع مستمرا.
يبقى السؤال المهم: ماذا بعد، وماذا علينا أن نفعل؟ حشدت دول المنطقة، خصوصا المشار إليها، كل قوتها وإمكاناتها العسكرية في “الحرب على الإرهاب”، وتتعاون بشكل وثيق، بينما على الجانب الآخر، مجرد مجموعات من المليشيات غير النظامية، تُمارس نوعا من حروب العصابات غير النظامية، وتضرب أهدافاً غير متوقعة من المدنيين، أو النقاط العسكرية المنعزلة، فتحدث خسائر ملموسة ومؤثرة. تعيش المجتمعات حالة من القلق، والشعور بالخطر، ونُظم الحكم تشدّد قبضتها الأمنية، وتفرض حالات الطوارئ، متجاوزة كثيرا من حقوق الإنسان، وتُزيد من موازنات الدفاع والأمن، على حساب الخدمات، وترفع شعار “لا صوت يعلو على صوت المعركة” .. والمثير أن النتيجة، في ظل تلك الإجراءات، هي تصاعد العمليات الإرهابية، وزيادة حدّتها.
ولأنه لا أحد يملك إجابة ناجعة لذلك السؤال، علينا أن نتجه إلى الدول التي لا تعاني من الإرهاب، إلا في القليل النادر، وفي إطار المعدلات العادية للجريمة، لنعرف كيف تمكّنت من ذلك؟ سنجدها ببساطة دولا ديمقراطية بحق، يتمتع فيها المواطن بالحرية، وبحقوق الإنسان، تسود فيها قيم العدل والحق وتكافؤ الفرص، مجتمعات متصالحة مع نفسها، لا تسمح بأن يكون فيها أي نوع من الملاذات الآمنة لأعداء الحياة. ولن يتحقق ذلك كله بالتمني، ولكن بأن تفرض الشعوب إرادتها الحرّة، مهما كلفها ذلك.