يظهر أن الرئيس اليمني المخلوع، علي عبدالله صالح، سيسجل لدى أنصاره بطلا، وقد قتل وهو يحاول الهرب، وتحت أنظار قبائل عديدة خذلها، أو ضباط الحرس الجمهوري الذين غض النظر عن إذلال الحوثيين لهم.

انتهى علي عبدالله صالح مقتولاً على يد حليفه الحوثي، بعد أن تمرّد عليه. كان التحالف الذي أعلن في سبتمبر/ أيلول سنة 2014 صيغةً ملتبسة، لأنه قام بين طرفٍ كان هو النظام وآخر شارك في الثورة ضده. لكن، يبدو أن هوس السلطة كان هو الذي وحَّد بين الطرفين، وكلٌّ يعتقد أنه الذي سيسرق النتيجة من الآن. وواضح أن الحوثيين كانوا أذكى، على الرغم من كل الصفات التي كانت تُطلق على صالح، وسمحت لأن يستمر أكثر من ثلاثة عقودٍ رئيساً متفرّداً. وربما كان اعتقاده بذكائه هو الذي دفعه إلى التحالف مع طرفٍ ثار ضده، وكان قد قاتله أصلاً ست مرات في سنوات قليلة. وكان اعتقاده أيضاً بذكائه هو ما دفعه إلى أن ينشق الآن، بعد أن كان الحوثيون قد هيمنوا على كل شيء، ولا شك في أن هذه الهيمنة هي التي دفعته إلى التمرّد الآن، معتمداً على استعادة تحالفه القديم مع الجارة السعودية، والمستمر مع الإمارات.
لهذا قاد صالح “ثورة” ضد سلطة الحوثيين، ودعا الشعب إلى الثورة من أجل الجمهورية والوحدة والحرية. ولا شك في أن تمرداً حدث في صنعاء ومناطق أخرى، وكان يمكن أن يرفد من “الشرعية” و”التحالف العربي”، وبالتالي كان يمكن أن ينتصر. بالتالي، كان سيبدو أنه قائد الثورة، وربما كان ذلك سيصير من هزل التاريخ من سخرية الواقع، والشكل الكاريكاتوري الأكثر فظاظةً في كل ما جرى للثورات عموماً: أن يصبح من قامت الثورة ضده وطالبت برحيله هو قائد الثورة التي تعيده إلى السلطة. سوريالية فظيعة كانت ستحدث، لولا “القدر الإلهي” الذي أوقعه في يد حلفائه السابقين، خصومه الحاليين. لقد انتهى خصمه مهزلةً كانت ستسجل في التاريخ كأكثر ما صنعه من مهازل. هذا التاريخ الذي شهد مهازل كثيرة، وأوجد أبطالاً وكاريكاتور أبطال، وأقزاماً تسجّل أبطالا.
كانت ثورة فبراير/ شباط سنة 2011 كبيرة، وكانت ضد علي عبدالله صالح ونظامه، أجهضتها دول الخليج التي تكره الثورات، وترتعب منها، وعملت على تأسيس نظام مسخ، برئاسة عبد ربه منصور هادي، هو نفسه النظام القديم برأس جديد. لكن تبيّن أن صالح هو الذي يمسك بكل مفاصل السلطة: الأمن والجيش والحرس الجمهوري. لهذا لم يصبر طويلاً بعيداً عن السلطة، واحتاج إلى واجهةٍ تبرّر ما يقوم به، هذا هو أساس منظوره للتحالف مع الحوثيين الذين سيطروا، بقواته، على اليمن. لكنهم لم يكونوا سُذَّجا، وكان لهم طموحهم بالسيطرة على السلطة، وقد قاتلوا النظام من أجل ذلك، وشاركوا في الثورة من أجل ذلك. فعملوا على تفكيك قوته، والسيطرة عليها في ظل الصراع الذي خاضه الشعب ضدهم، وبتدخل التحالف العربي. لقد اشتغلوا على جبهتين: “العدو” وصالح، والواضح أنهم نجحوا.
ومع مأزقه، تقدَّم لكي يلعب دور “البطل”، قرَّر أن يقوم بهذا الدور “البطولي”: زعيم الثورة ضد الحوثيين لتأكيد قيم ثورة سبتمبر، أي قيم الجمهورية، قافزاً عن الثورة التي قامت ضده، والتي فرضت ألعابه والتدخلات الخليجية إلى إيصالها إلى مجزرة ضد الشعب اليمني. ويظهر أنه سيسجل بطلا، على الرغم من أنه قتل وهو يحاول الهرب، وتحت أنظار قبائل عديدة خذلها، أو ضباط الحرس الجمهوري الذين غض النظر عن إذلال الحوثيين لهم. لقد دعا إلى ثورة بقوى لم تعد له، وقبائل تميل إلى الأقوى، سلاح سُرق منه.
لكن، ما قام به ليس من دون جدوى، وإذا كان الحوثيون قد استطاعوا قتل “البطل”، فإن الصراع في اليمن سوف يتخذ مساراً مختلفاً، فإذا كان صالح يريد الحوثيين واجهةً تبرّر عودته إلى السلطة، فهو غطاء كان الحوثيون يحتاجونه لكي يسيطروا على اليمن. وكما أشرت، قاتلوا بقواته، لأن قواتهم لا تكفي لحربٍ ضد الشعب، ولا ضد التحالف العربي (كان واضحاً أنه لا يريد حسم الصراع، بل يريد السيطرة على مناطق في اليمن). وفي المستوى السياسي، أصبحوا في مرمى أنهم أدوات إيرانية.