يرى المغاربة موقفا عدائيا غير مفهوم في انفعال الحكم في الجزائر، كلما توسط المغرب للإسهام في حل أزمة إقليمية، كما في الأزمتين المالية والليبية، والدخول على الخط في مجموعة ملفاتٍ، يباشرها الجار الغربي، خصوصا ملف قضيته الوطنية، أي الصحراء.

“الجزائر ليست المغرب”، “الجميع يعرف ما هي المغرب، هي منطقة تبادل حر مفتوحة أمام الشركات الأجنبية لفتح مصانع وتوظيف بعض المغاربة”، “نحن بلد مستقر وآمن، ولسنا نحن من يقول هذا، بل الآخرون هم من يشهدون بذلك “دوينغ بيزنيس” اليوم في شمال أفريقيا يتحدث عن الجزائر فقط، لا مصر، ولا ليبيا، ولا تونس، ولا المغرب”، “الكثير من التقارير الدولية تصنف الجزائر دولة مستقرة، ضمن العشر دول الأكثر أمنا في العالم، إضافة إلى التقارير التي تضع الجزائر ضمن الدول الأكثر جمالا، ما يفتح آفاقا واسعة أمام قطاع السياحة”. هذه فقرات مداخلة ألقاها وزير الخارجية الجزائري، عبد القادر مساهل، في أثناء منتدى في العاصمة الجزائرية في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، اتهم فيها المغرب بتبييض أموال المخدرات عن طريق بنوكه في دول أفريقية عديدة، مضيفا أن شركة الطيران المغربية لا تنقل المسافرين فقط (في إشارة منه إلى نقلها المخدرات)، وتابع أن “هناك قادة أفارقة يعترفون بذلك”.
لم يتردد المغرب، عقب هذا الكلام، في استدعاء سفيره في العاصمة الجزائرية (عاد أخيرا). ومجددا، أظهرت هذه الخطوة وما رافقها من مطالب مغربية لتفسير اتهامات ثقيلة غير مسنودة بأدلة قطعية وقوية، حدة الأزمة في العلاقات المغربية الجزائرية. وبينت بوضوح ما اعتبره المغاربة تفكيرا استفزازيا وغير مسؤول، يسعى من يتبناه، وبشكل انفعالي، إلى تدمير أي جهد ونسف أي مبادرةٍ من شأنهما أن تحققا انفراجا، ولو تكتيكيا بين البلدين الجارين. وكان طبيعيا أن تفجر هذه الاتهامات مشاعر الغضب في الشارع المغربي، بما في ذلك وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي التي سخرت كثيرا مما نطقه مساهل. واللافت في الواقعة أن عقلاء ومنابر إعلامية في الجزائر لم يقتنعوا بما ورد في مرافعة رئيس الدبلوماسية الجزائرية، في افتعاله وقائع غير موجودة. وتهكموا عليه، وأنحوا باللائمة على سلوك غير منطقي وغير عقلاني، لأن العالم، ببساطة، يعيش على إيقاع الانفجار التكنولوجي وانتشار المعلومة وانتفاء الحواجز في الحصول عليها.
ومعروف أن المغرب حقق إنجازاتٍ مهمة في عدد من القطاعات، وتمكّن بفضل قرارات 
“يعتبر المغاربة الشعب الجزائري الأقرب إليهم رغم تحامل مسؤوليه”

استراتيجية، من تقوية بنياته التحتية، وتحديث قوانينه، وتبسيط الإجراءات من أجل إيجاد بيئة ملائمة للاستثمار، وتحسين مناخ الأعمال. وهذا ما جعل منه منطقة جذب وإغراء لمقاولات وشراكات دولية عديدة، استقرت في ما يعرف بالأقطاب الصناعية والاقتصادية الكبرى، الدار البيضاء وطنجة والقنيطرة.. إلخ. وحديث وزير الخارجية الجزائري عن عافية اقتصاد بلاده، بلغة الواثق، وبجرعة معتبرة من الابتهاج، وافتخاره بأن تقارير دولية تشيد باستقرار الجزائر وبأمنها وبجمالها، ما يؤهلها لتكون نقطة جذب سياحي، هو موضوع تهنئة ومصدر اعتزاز لكل شعوب فضاء المغرب الكبير، لأنه إذا كان الاقتصاد الجزائري في وضع جيد، وشروط الاستثمار محفزة، فسيكون هذا مفيدا أولا للشعب الجزائري الذي يطمح إلى حياة كريمة وشروط تضمن له مصادر عيش قارّة، خصوصا مع ارتفاع معدل البطالة، وتراجع عائدات المحروقات.
وليس هناك عاقل يتمنّى العكس للشعب الجزائري الذي خاض، أخيرا، سادس انتخابات محلية نظمتها السلطات، منذ الشروع في اعتماد خيار الانفتاح السياسي مطلع التسعينيات. علما أن ثبات الوقائع والأشخاص والتنظيمات يكاد يكون ميزة جزائرية، فجبهة التحرير الوطنية، مسنودة بحزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يقوده رئيس الوزراء، أحمد أويحيى، تتحرك تحت مظلة الشرعية الثورية والتاريخية، وتبقى هي القوة التقليدية التي تستثمر لإعادة إنتاج الاختيارات والبروفايلات والخطابات نفسها، فقد حصلت الجبهة على رئاسة 603 بلديات، و711 مقعدا في المجالس الولائية، فيما حلّ حزب التجمع الوطني الديمقراطي في المركز الثاني. واللافت أن جبهة التحرير الوطني تشهر ورقة هذه الشرعية في وجه كل من يطعن في مصداقيتها النضالية والوطنية، مثل ما حصل مع لويزة حنون الأمينة العامة لحزب العمال ذي التوجه التروتسكي، إذ هاجمها الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، جمال ولد عباس، على خلفية اتهامها الجبهة بالتزوير.
مؤكّد أن مسلسل البناء الديمقراطي في الجزائر ما زال يتلمس الطريق، ويصطدم بعدد من الإكراهات والمقاومات. والمسلم به أن فئاتٍ عريضةً من الشعب الجزائري ليست راضيةً على الاختيارات والسياسيات العمومية المتبعة من السلطات الحاكمة، لأن المطالب الاجتماعية والاقتصادية حقيقة ملموسة، وتطرحها الحركات الاحتجاجية، ما يجعلها مسألة لا تقبل النفي والمزايدات السياسوية. كما أن وجود هذه الحركات أمر طبيعي ومؤشر على دينامية المجتمع الجزائري ونشاطه، مثل ما هو عليه الحال في المغرب، فقد أصبحت الحركات الاحتجاجية ممارسة عادية ومألوفة، ولا ينقص الاعتراف بوجودها من هيبة الدولة، ولا يقزّم مجهودها لتحسين شروط العيش الكريم وشروطه، خصوصا بالنسبة للشرائح الاجتماعية الهشة. ولا أحد في مقدوره أن ينفي أن الحكم في الجزائر يواجه تحدياتٍ حقيقية وجدية، في مقدمتها توفير فرص الشغل، وتمكين أجيال جديدة، وقاعدتها الواسعة من الشباب، من شروط الاستقرار الاجتماعي الاقتصادي. ولم توضع هده الشريحة، كما في دول مغاربية أخرى، في صلب السياسيات العمومية، وبات مرشحا للارتماء في أحضان سلوكاتٍ لا أحد يتكهن بمآلاتها، بما في ذلك اللجوء إلى التطرّف والعنف والعدمية، لاسيما مع عجز التنظيمات الحزبية والمدنية عن تأطير هذه الشريحة التي لا تتبنى بالضرورة أطروحات الجيل الذي فجر ثورة التحرير والاستقلال.
ما تحكم في الاتهامات التي وجهها وزير الخارجية الجزائري إلى المغرب ليس وجود وقائع واضحة يمكن الاعتداد بها، والتسليم بمصداقيتها، لصياغة صك الاتهام، وإنما هي الرغبة الجامحة المسبقة التي تسكنه، كما تسكن مسؤولين جزائريين، لتشويه صورة المغرب، وتلطيخ سمعته على المستوى الدولي، وتحريض المستثمرين، لتغيير وجهتهم نحو الجزائر، علما أن هناك شعورا بعدم رضا الدائرة الضيقة لصناعة القرار السياسي والاقتصادي في الجزائر، باختيار شركات فرنسية المغرب منصة لتصنيع منتوجاتها وتصديرها. في السياسة والعلاقات الدولية، غالبا ما تقرأ الإشارات والرموز قراءة مركبة، وتؤول تأويلا خاصا. وفي هذا السياق، ربما يمكن التعاطي بالمنطق نفسه مع مصافحة رئيس الوزراء الجزائري، أحمد أويحيى، ملك المغرب محمد السادس، في افتتاح القمة الخامسة الأفريقية -الأوروبية أخيرا في أبيدجان،

“مسلسل البناء الديمقراطي في الجزائر ما زال يتلمس الطريق، ويصطدم بعدد من الإكراهات والمقاومات”

 واعتبرها متابعون للعلاقات المغربية الجزائرية إشارة إيجابية بكل المقاييس، خصوصا عندما أفصح أويحيى أنه أبلغ الملك تحيات الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة. ولوحظ أن العاهل المغربي قابل مبادرة أويحى بابتسامة ترحيب، وتجاوب معه. ولكن، هل يمكن النظر إلى هذه المصافحة الجزائرية، والتي اعتبرها أويحيى “أمرا طبيعيا بين الجيران”، خطوةً نحو تليين المواقف وتنقية الأجواء، وتعبيرا عن الرغبة في الدفع بالعلاقات نحو الانفراج لتجاوز حال الجمود، ووضع حد للقطيعة التي طالت، واحتواء تداعيات التصريحات الاستفزازية التي تصدر بين الفينة والأخرى من مسؤولين جزائريين كبار. وقد أولت الصحافة المغربية اهتماما كبيرا بواقعة المصافحة، وقرأتها من زوايا مختلفة، خصوصا أنها تأتي في ظرفٍ حقق فيه المغرب اختراقا جيو- استراتجيا واقتصاديا في دول أفريقية، كان معظمها يناصر الأطروحة الجزائرية المناهضة لحق المغرب في سيادته على الصحراء.
وعلى الرغم من كل التحامل والانزلاقات التي تطبع سلوك المسؤولين في الجزائر، فإن المغاربة يعتبرون الشعب الأقرب إليهم في كل المجالات، ويتقاسم معهم التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والهوية والمطبخ والفن واللباس والمزاج هو الشعب الجزائري، غير أنهم يرون في انفعال الحكم في الجزائر، وخروجه عن طوعه، كلما توسط المغرب للإسهام في حل أزمة إقليمية، كما كان الشأن في الأزمتين المالية والليبية، والدخول على الخط في مجموعة ملفاتٍ، يباشرها الجار الغربي، خصوصا ملف قضيته الوطنية الأولى، أي الصحراء، موقفاً عدائيّاً غير مفهوم يعكس سلوكاً لم يتخلص من سلطة المناطق المظلمة في تاريخ البلدين الجارين، وهذا ما يستدعي من كل المسؤولين والفاعلين السياسيين والنخب الثقافية والمؤسسات الإعلامية في الجزائر بذل مجهود استثنائي وتاريخي، واتخاذ مواقف جريئة تنتصر للمستقبل، بالكف عن خيار تأجيج مساحة الخلافات والاحتقانات وتوسيعها.