يقرأ الباحث مهند مبيضين في كتاب “يوميات أبو عودة.. 1970 – 1988″، الصادر أخيراً عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ويجول في تفاصيل وفيرة فيه تتعلق بوقائع أردنية ومحطات مهمة في العلاقات الأردنية الفلسطينية، وفي الحال العربي في زمن اليوميات.

تنقلنا “يوميات أبو عودة.. 1970 – 1988″ (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات/ 2017) من حيز التاريخ، إلى حيز إثبات الوقائع، وقد نشرت حسب السنوات، بما يجعلها أقرب إلى الحوليات، التي لم يبحث خلالها صاحبها، السياسي الأردني عدنان أبو عودة، عن موقعٍ لاحق يعيش منه، بل إنه عاش معها لاحقاً، بعد أن ترك المواقع متكئاً على رصيده المودع فيها، ثقة واحتراماً، وأحياناً شكاً واتهاماً من قبل خصومه.
اكتفى أبو عودة من خبرته وخدمته الطويله مع الملك الحسين رحمه الله، لكنه ظلّ فطنا. وفي سِفره الوظيفي كثير مما لا يقال، ومما قد يظلُّ وديعة لتاريخ مؤجل برسم تدوين الحكاية والتوثيق كونه صمت عنه، فأين كان في أحداث أيلول/ سبتمبر 1970 وما دوره فيها (الحوار في مقدمة الكتاب الذي أجراه معين الطاهر ومعن البياري يغطي ذلك الجانب)، ولماذا تجاوز عن قضية بنك البتراء وفساد شركة عاليه المكتشف في 1985، وأحداث 1989، كلها تظل أسئلة مفتوحة.

التوثيق ورجال الملك
سِمة اليوميات هي التقييم للمواقف والتوثيق المشدّد، لكلامٍ على شرفةٍ أو مجلس عابر، أو دعوة عشاء، أو بانتظار هبوط طائرة الملك أو أي ضيف قادم، ما يحلينا إلى السؤال: هل الكتابة نشاط أم ممارسة أم طقس، أم وظيفة، أم هي ذلك كله، حتى يوم عيد ميلاده سنة 1985: “ينهض فيعدُّ صباحاً رسالةً كي يرسلها الملك (رسالة قاسية)” (ص 829)، مفادها الرغبة بقطع العلاقة مع ياسر عرفات، وتوفير حشد من معاني اللوم لأميركا. فوق هذا، ينتهي النهار بتقييم مقتضب الوصف لسياسة الحسين، “تراه يتقدم بخط معين تقدماً ملحوظاً، حتى تكاد تظن أنه على وشك الوصول إلى خط النهاية وقطف الثمار. لكن قبل النهاية يفاجئك بالتفافه نحو اليسار أو اليمين وبشكل مفاجئ، يتحرّك الملك في دوائر ولا يتحرك في خطوط مستقيمة. دائرته مع المنظمة انتهت، ليبدأ بخط دائرته مع سورية، لأنها تضمن له التهديد الأمني المحتمل، على الوطن وفق حساباته، وتركه لحليف وتحالفه مع آخر جديد يتمّان بالسرعة نفسها التي يقوم فيها بعزل أحد روساء حكومته أو تعيين جديد، دائماً ينظر إلى الأيام المقبلة المباشرة، وينسى ما وراءه، فترة مثيرة يتعلم فيها المرء الكثير عن كيفية إدارة السياسة من قائد كبير..” (ص، 830).
غير أن هذه الصفة للتعلم، وتوثيق الوقائع وضبطها تضطرب، في سياقٍ غير التعلم، إلى سياق الدفاع والبقاء وسط رجال الملك. شاب من عائلة بسيطة وسط ما لا يُمكن وصفه مطلقاً بمطبخ القرار، بل رجال حكم من أبناء ذوات، وبقايا النخب الانتدابية، وأبناء شيوخ قبائل، وقيادات 

“المقولات الشخصية أكثر انسجاماً والتصاقاً بالكاتب في اليوميات، والأحكام على الأشخاص، والنقل المتفرّد للأحداث الوثيقة تطفئ الشك التاريخي”

عسكرية، ومن محيط عائلة الملك بعض أمراء وأشراف لم يكن الملك يأخذ بكل ما يقولونه، لا بل أحيانا يتجاهلهم ويُبسط طروحاتهم. ووسط هذا الواقع، كان على عدنان أبو عودة الحفاظ على تأثيره وحضوره الذي فقدَ بغياب الشهيد وصفي التل (رئيس الوزراء الأردني في 1970)، ما يمكن أن يكون حليفاً، يستطيعان، من خلال توافقهما وتأثيرهما على الملك، تحقيق التحديث المطلوب بالمجيء بالنخب الشابة من المستوى الاجتماعي نفسه، والقادرة على القيادة والوفاء للدولة والحكم، والبعد عن الفساد في آن، وهو ما تعذّر أن يحدث، وفق كلام الحسين عن قياداته وتقييمه لرؤساء حكوماته في 8/1/1984.
تظل المقولات الشخصية أكثر انسجاماً والتصاقاً به في هذه اليوميات، أما الأحكام على الأشخاص، والنقل المتفرّد للأحداث الوثيقة فهو الذي يطفئ الشك التاريخي، ويبعد هواجس اختبار الصدق عند أبو عودة، فهو ممارسٌ وموثّق. لا اختبارات ولا نقد باطنيا سلبيا أو إيجابيا لمحاضر إدارة قصر الحكم، وكشفت أن لا مطبخ سياسيا حرفيا، بل لقاءات على غداء مبرمج في قصر الندوة كل أسبوع تقريباً، وتقارير تُعد، وتقديرات محدودة بخبرات قليلة، كان هو بحكم انتمائه الأيدولوجي وثقافته واطلاعة الأوسع من الأكثر تأثيرا على السامعين وعلى الملك. وكان قادرا على ممارسة الجرأة في التحليل وإبداء الرأي أمام ملكٍ كانت علاقاته وسمعته وأدواره تجعل العمل معه يتطلب الإطلالة على كل ما يكتب وينشر في الغرب عن المنطقة.

أوقات مضبوطة
ليست يوميات عدنان أبو عودة مدخلاً لتاريخ جديد. تبدأ ببلاغ تشكيل حكومة عسكرية في 1970، وحيدة ونادرة الحدوث وسريعة في تاريخ الأردن، كان الرائد عدنان أبو عودة وزيرا للإعلام والسياحة والآثار والثقافة، وسط زعماء وجنرلات، وانتهت الحكومة بأن لجأ أو أبقي رئيسها محمد داود في مصر في يومه الثامن.
الصفة المركزية لعدنان أبو عودة أنه سياسي. ومن مزايا أخرى في شخصيته أنه محلل موثق وخبير، وهذه صفات لم ينفك يؤكدها في ظهوره الدائم، فلديه شهية للكلام والحديث، ويعيد تأكيدها بالرواية، كتابةً وشفاهةً، ويسحبها على كل الحوادث، إلا أن أحبّ الصفات إليه هي التي يكون فيها الشاهد والراوي والفاعل في صناعة الواقعه. حدث هذا مع روايته سردية قرار فك الارتباط ثم تحسبّه من نتائجه، أو في دفاعه عن منظمة التحرير والشعب الفلسطيني أمام الجميع، على الرغم من وفائه لأردنيته ومهماته الوطنية.

a2121204-f377-466a-80dc-a97ade40acf8
الملك حسين بين عدنان أبو عودة وخالد محادين

يحسم هذا الالتباس اعتباره “بطل” الحدث الأوحد، أو “مصدره” الأوحد، حين يكون القلق على مصير الفلسطينيين في الجيش الأردني (ص 291)، أو اختراع مكرمة أبناء الجيش لأجل الجامعة (ص 608). (وهنا يجب مقاربة روايته مع رواية رئيس الوزراء الأسبق، عبد السلام المجالي، أو أحداث الأزمة المالية العامة 1989 ومقاربتها مع رأي محافظ البنك المركزي محمد سعيد النابلسي)، وفي مواقف دول الخليج تجاه الأردن، ولقاءت الحسين السرية وزياراته، هذا الحدث الفردي والفريد والمنعزل ربّما، يغدو حدثاً “تاريخياً” بتأمينه شرطين كان يحوزهما: شرط نفسي “أخلاقي”، يقوم على الذاكرة القوية الصادقة، وموقف فكري يقوم على أن الفردي هو إحدى مزايا الاجتماعي لديه. والشاهد هنا يتكئ على ذاكرة “منظّمة” نادرة لا تشيخ فيها التواريخ، ولا تتداخل الأزمنة، ولا تبهت الوقائع الصغرى والأمكنة وأسماء الأعلام، المعروفة وغير المعروفة… فبغير هذه الذاكرة المتينة، تتقلّص “اليوميات” السياسية، إلى حدودها النفسية الفردية، وتفقد صفة “الحدث” التاريخي الجدير بالرواية، إلى صفة الواقعة التي لا تجد إلا راوٍ واحد، وهو أمر شبيهٌ بالبحث عن تثبيت أسماء الجناة، ومن كان واقفاً شاهداً أمام بيت عثمان، حين نهشته أيدي الصحابة. ومن يدري؟
بيد أن مدار الوقت لدى صاحب اليوميات منضبط في التحديد الدقيق، كأن يكتب: “في الواحدة والدقيقة الثلاثين وصلنا القصر الجمهوري” (ص 855)، أو محاولة بلوغ الدقة، كقوله “ذهب سيدنا إلى القيادة، ونحو الواحدة والثلاثين دقيقة، أخبرني مروان القاسم أن سيدنا ينتظرنا” (ص 935). أو بعد الغداء أو بعد العصر أو في مقدمة المقصورة. هكذا الدقة زمناً ومكاناً تحضر بوعي. لكن ثقته المبالغة بذاكرته النادرة، والقدرة على استعادة ما قرأه وما شهده عياناً، أوقعته، على عكس ما كان يرتجى، في ذاتية مجازفة بإمكانية الوصول إلى ذاكرةٍ منتهيةٍ بزمن ما هو مفتتح التسعينيات، وما دار به، إلى مفتتح زمن آخر، هو ما أعقبه وما هو مهم، وما كان شاهداً عليه وما شارك فيه.

أربع دوائر
تتحرّك يوميات عدنان أبو عودة في دوائر أربع: الأولى محلية أردنية وطنية، تتعدّد فيها 

“تتحرّك اليوميات في دوائر أربع: الأولى محلية أردنية وطنية، فلسطينية، عربية، عالمية”

الأخبار والقضايا المحلية التي تكشف عن كيفية إدارة الحكم في الأردن لقضايا التنمية والإعلام والعلاقة مع الحكومة، والموقف من حرب الخليج الأولى، وعدم اتساق المواقف المحلية وفقدان التنسيق في أسبوع الحرب الأول، وخطبة مفتي القوات المسلحة، الشيخ نوح القضاة، الداعمة لإيران في مسجد الجامعة الأردنية، ومفاجأة الملك والجميع بها (ص 648 – 652)، وقضايا التربية والتعليم والجامعات، والنشاط الحزب الطلابي والعلاقة بين الإخوان المسلمين والقصر، وتغيير الحكومات وتبديل مدير المخابرات والعلاقة مع العشائر وشيوخها. أو اختيار سفير في عمان أو إسبانيا، ولقاء الملك الحسين بالعشائر (813).
أما الاتحاد الوطني الذي قدمه وصفي التل للمجيء بنخب غير تقليدية، فأبو عودة يقر بأنه فاعل أساسي به: “نعم الاتحاد الوطني أحد أفكار وصفي لامتصاص ما حدث في 1970.. وهي تنشئ كيانا أو شبه حزب من فلسطينيين وأردنيين، وكنت من كتب نصّ تأسيسه”. (ص 41). وفي هذا، ظل أبو عودة يطالب بدمج الشعب الأردني الفلسطيني بدولةٍ تقدم القيادات، من خلال اختيار النخب، لا الجماهير التقليدية، “فإن المطلوب هو مجتمع منتج، ينتفع الفرد فيه من خلال المنفعة التي يحققها المجتمع، وليس من خلال المنفعة الشخصية على حساب المنفعة العامة. بعبارة أخرى، المطلوب ثقافة علمية تقوم على أنقاض الثقافة الوجدانية..”. (ص 89-90).
تظل هذه الدائرة الأردنية ملازمة لفكر أبو عودة، وهو منسجم معها، فهو يريد كفاءاتٍ في الإدارات العامة، ويريد تعليما أفضل واقتصادا لا يقوم على الدعم العربي، أو الخارجي، ويريد طلابا في الجامعات منتخبين بدون غلبة تيار على آخر، بنفس إقليمي. وحين يقلق من تداعيات قرار فك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية، الذي شارك بصياغته في 1988، ويرى أن النتائج قد لا تحمد، ولم تكن مرجوةً أو متخيّلة، نجده يتقدّم في لحظة حاسمة ويوصي الملك حسين قبل تلاوة القرار أمام الشعب بنصف ساعة بالقول: “يا سيدي، إنك مقدمٌ على خطوة تاريخية وخطرة، وإذا لم نحسن تناولها، فنكون قد نقلنا المشكلة من خارج الأردن إلى داخله، وأقصد إذا لم يتماشَ هذا الموقف الجديد مع سياسة دمج الأردنيين والفلسطينيين في الأردن، فإن الانقسام والتوتر بينهما سيصبحان داخلياً حول الأردن، بدل أن يكون كما الحال حتى هذه اللحظة، خارجياً وحول الضفة الغربية، وهو الأمر الأسلم. ومن هنا إذا كان هناك أي تغييرات في الحكومة، فأرجو أن لا تكون هذه التغييرات من النوع الذي يوحي للشرق أردنيين أن الانفصال إنما يعني أن البلد بلدهم وحدهم، وأن المناصب لهم، فتساوي الفئتين في الحقوق والواجبات يعني دمج الطرفين فعلاً، وأرجو من جلالتك أن توجه الحكومة.. وبمراعاة ذلك في إجراءات التعيين للوزراء وكبار الموظفين لها..” (ص 998). بعد ذلك بأعوام، تبدأ نغمة الحقوق المنقوصة منتصف التسعينيات، ويصنف أبو السعيد أنه من دعاتها، والواضح أن سياق حديثه قبل إعلان قرار فك الارتباط مختلف عما وسم به لاحقاً من حيث الفكرة والمبدأ.
بيد أن التحذير من تيار إقليمي شرق أردني لمّح إليه مبكراً عام 1974، والذي بدأ مع ميل الأردنيين إلى الحكم والوصول إلى المواقع (ص 609). لاحقاً جاء إليه عبد الكريم غرايبه من الجامعة الأردنية، وهو في الديوان الملكي، وأخبره بأنه قابل رئيس الجامعة، وولي العهد الأمير حسن، واقترح عليه أن تقام جامعة جديدة تسمى جامعة القدس، تستضيف كلياتها الجامعة الأردنية. هنا يقول أبو عودة: “قال لي، لفت انتباهه حينما طرح الفكرة على الأمير حسن، علق الأمير لماذا لا نسميها جامعة إربد.. كما لو أن الأمير يقول ننشئها في إربد. بعد أعوام، في سنة 1976، أقيمت جامعة اليرموك، فالأمير الحسن كان يقود التنمية، وإنشاء اليرموك كان مكسباً كبيراً أكثر مما لو أنشئت جامعة للقدس، تكون ضيفة على الجامعة الأردنية”.
من شواهد النفس الإقليمي، كما يرى عدنان أبو عودة، أنه في عام 1988، خلال زيارة لسلطنة عُمان، تحدث رئيس الحكومة، زيد الرفاعي: “على صعيد آخر، يا جلالة الملك، 60 بالمئة ممن انتخبوا في الجامعة الأردنية في مجالس الطلبة من الأردنيين”. هنا يقول أبو عودة: “يا لها من مفارقة، في أنه بينما يرى جلالته ضرورة الاتصال مع المغتربين لإعطائهم الصورة الصحيحة عن البلد والثقة به، يباهي رئيس الحكومة بأن 60% من الناجحين من أهل البلد”. (ص 984).
ولم تكن الدعوة إلى الحذر من الفلسطينيين أردنية وحسب، فهو يشهد وصية من الأمير عبدالله الفيصل للملك الحسين في يوليو/ تموز 1986، وتدخل السفير السعودي ليقول للفيصل إن 

“بعد خطاب الملك عقب فشل اتفاق شباط مع منظمة التحرير في 1986 بات أبو عودة يحس أنه هدف سهل المنال”

عدنان من أصول فلسطينية، أومأ أبو السعيد للسفير “أن يترك الأمر دون توضيح… أما سيدنا فنظر إليّ مبتسماً بطريقة أعرب فيها عن اعتذاره عما قاله الضيف..” (ص 965).
الدائرة الثانية، هي فلسطين وقضيتها، وخلاصة رأي الحسين أنه لا سلام ولا دولة ستتحقق من الإسرائيليين، وأن حزب العمل أسوأ من الليكود. وتروي دائرة فلسطين في يوميات عدنان أبو عودة مسيرة العلاقات منذ الخروج من أيلول، وما تلاه، من عمل أردني عربي وفلسطيني مشترك لأجل القضية الفلسطينية، وهناك جهد موثق لبدايات السعي إلى السلام والزيارات الأميركية للمنطقة بدءاً من 1973. ويظهر هنا عدنان أبو عودة ابنا لنابلس في القصر، وهو أمر طبيعي، كما لو كانت تباهي به الكرك أو السلط لأحد أبناء كليهما، فهو يستقبل وفوداً من رجالات نابلس، مهنئين له لتوليه حقيبة وزارة البلاط عام 1984 في أثناء حكومة أحمد عبيدات. وفي هذه الدائرة، كان على الشاهد أن يُثبت، في كل مرة، دفاعه عن فلسطين والفلسطينيين كلما اتهموا أو مالت الأحكام بقسوة على تجربتهم النضالية، أو شكّكَ أحد بقدرتهم على العودة إلى المقاومة أو التبذير في حقوقهم. ومن ذلك يتحدث الرئيس السوري، حافظ الأسد، منزعجا للملك حسين من أهل الضفة الغربية يوم 30/12/1985 في زيارة للحسين إلى دمشق، وهو يقول بعد أن أجرى مقارنه بين نضال الجزائريين والفلسطينيين وبين سكان الجولان والضفة الغربية: “على أهل الضفة أن لا يضغطوا ويتسرعوا من أجل حل سلمي، وأن حججهم ليست في محلها، لأنهم لا يريدون أن يتنازلوا عن مستوى معيشتهم، وكل ما هو مطلوب أن يقاوموا ويصبروا.. تصور، يا جلالة الملك، الكلام للأسد: إن الفلسطينيين في الضفة يدخنون مارلبورو أحمر..” (ص 856). يرد زيد الرفاعي مفسراً هنا اختلاف الاحتلال الاسرائيلي عن سواه، لكن أبو عودة يرافع بوعي، ويرد مطولاً على الأسد (الصفحات 857 – 859). ويتابع: “ابتسم الملك، وبدا راضياً عما قلت”.. وفي توديع الملك والوفد الزائر في مطار دمشق، “اقترب الأسد مني، ليقول وهو يرسم ابتسامه منفعله: أخ عدنان لم يكن قصدي الإضرار بالأهل في الضفة الغربية” (ص، 860). آنذاك سأل الأسد ألا يوجد بديل عن ياسر عرفات، فرفض الملك حسين الاقتراح.

a2121204-f377-466a-80dc-a97ade40acf8
عدنان أبو عودة يصافح حافظ الأسد 

بعد أعوام وتعقيباً على توتر العلاقات مع منظمة التحرير الفلسطينية، ممثلة بقيادة عرفات، وخصوصا بعد إفشال اتفاق 11 شباط/ فبراير بين الحسين وعرفات، وهو طلاق أردني فلسطيني، طالما رغب به الأسد، وكان أحد شروطه غير المعلنة لزيارة عمّان، حين دعي إليها، بعدما زاره الحسين للحديث عن مؤتمر السلام والمحادثات والتصور السوري للذهاب، فحين دعي من الحسين بإرسال زيد الرفاعي ومروان القاسم لتوجيه الدعوة له في 9 فبراير/ شباط 1986 لزيارة عمان، اعتذر الأسد قائلاً: “لا سياسيا ولا نفسيا ولا جماهيريا، أستطيع أن أقوم بالزيارة الآن”. وسال الأسد عن نتائج مباحثات الملك مع أبو عمار (ص 935). قال مراون القاسم: بعد أن اعتذر الملك له في زيارته في ديسمبر/ كانون الأول 1985 عن قضية إخوان سورية، هو يريد بطلاقه مع أبو عمار أن ينزع عن سيدنا عوامل قوته (ص 936).
تراجعت العلاقات الأردنية مع منظمة التحرير الفلسطينية، وصعدت إلى الأسوأ، وقادت إلى لحظة القطيعة في التاسع عشر من فبراير/ شباط 1986، بعد خطاب شهير للحسين، أعدّ عدنان أبو عودة مسودته الأولى، ورفضها رئيس الحكومة، زيد الرفاعي، باعتبارها أكاديمية اللغة والتوصيف (ص 938). لاحقاً يطلق الحسين خطابه مبررا القطيعة باليأس من قيادة 

“يسم الحسين حافظ الأسد بأنه مراوغ والرئيس العراقي صدام حسين بأنه رجل ثقة وشريف”

المنظمة، والإخلال بوعودها. وتبدأ الوفود بالتـأييد والزيارات إلى القصر والديوان الملكي، فيدرك أبو عودة أن زيارات الوفود مرتب لها، حكومياً، لكن الخطأ الذي حدث سيكلف الملك حسين كثيراً، في شعبيته في الضفة الغربية، فيحث أبو عودة الحسين على ضرورة تصويب الوضع، ليُظهر أن الخلاف مع قيادة منظمة التحرير، وليس مع المنضمة نفسها “أوضحت لجلالة الملك أن المنظمة بالنسبة للشعب الفلسطيني هي الهوية، ما دام تحت الاحتلال، وهو لا يقبل أن تنزع هويته منه، أو يشكك فيها ما دام تحت الاحتلال، وشبهت له الوضع كالآتي: الفلسطينيون كاليتيم الذي ترك أمه (المنظمة) وفي ظلها ظلوا.. إلى أن عاد الأب، وهذا الأب هو الأردن الذي وحدّ العائلة.. ثم بعد أن التم الشمل، وارتفعت آمال الطفل، اطمأن لمستقبله، اختار الأب، ولأسباب واضحة، أن يطلق الزوجه (المنظمة)، فعاد الطفل إلى حالته الأولى مرتبكا وقلقا، وكان يفضل أن تترك الأمور عند هذا الحد، أما أن يعود الأب ليقول للطفل الخائف القلق إن أمك مخطئة اتركها، فإنه بالتـأكيد سيرفض، لأن أماً خاطئة خير من يُتم كامل” (ص 938).
بعد هذا الحدث، بات عدنان أبو عودة يحس بأنه هدف سهل المنال، وقال بعد فشل اتفاق شباط 1986، واغتيال ظافر المصري في نابلس، وخروج مظاهرات ضد الملك الحسين وحافظ الأسد في الضفة الغربية، يقول: “بدأت الأخبار والشائعات تكثر بأنني مسؤولٌ عن كل ما حدث، فكاتب الخطبة هو المسؤول، (…) .. على كل حال، أنا كما كنت دائما، في أثناء عملي مع النظام، هدفاً سهلاً لمن يبحث عن كبش فداء، فلكوني فلسطينياً يجد الشرق أردني من السهل اتهامي بأنني أغش الملك، ولكوني فلسطينياً أعمل مع الملك يجد الفلسطيني من السهل اتهامي بالخيانة. وهكذا بدأت الأقاويل والشائعات تتحدث عن مسؤوليتي” (ص 943)، وهو أيضاً بنظر المعكسر التقدمي الذي كان ينتمي إليه فكرياً يخدم مع ملك صنّف بأنه رأس حربة في معسكر الرجعية العربية.
الدائرة الثالثة، هي العربية بأبعادها ومحاورها، الخليجية والمشاركة العسكرية الأردنية سلطنة عمان، والتقارب العُماني الإيراني، حيث كانت رؤية السلطان قابوس: “إنه على اتصال مع إيران وأنه يستخدم علاقاته الطيبة في ترشيد الموقف الإيراني إزاء جيرانها العرب وإزاء العراق، وأن إيران لا تبدي احتراما لدبي” (ص 983). وتأتي اليوميات على ضرب المفاعل النووي العراقي عبر مرور طائرات إسرائيلية (ص 712)، ومباحثات التقارب الإيراني السعودي، وتحذير الأردن العراق منه في لقاءات هامبورغ (ص 670). ويتعلق جزء كبير من اليوميات بمواقف الخليج من دعم الأردن مالياً. ويحضر في هذه الدائرة ملف مصر منذ لقاء الملك حسين بالرئيس أنور السادات عام 1973 في القاهرة (ص 91)، وحتى استعادة العلاقات مع مصر. أما العلاقة مع سورية فهي بين قطيعة واتصال. لكن الأميز هو العلاقة مع العراق، ودعمه الأردن والموقف من حربه مع إيران. وفي النهاية، يسم الحسين حافظ الأسد بأنه مراوغ والرئيس العراقي صدام حسين بأنه رجل ثقة وشريف.
الدائرة الرابعة: هي دائرة العلاقة مع الغرب، ممثلاً على الأهمية بالولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي وفرنسا.

سياسي يخدم بلده
كان النظام في الأردن يحتاج لكي يطور البلد إلى ثقافة غير الثقافة الوجدانية، حسب رؤية صاحب اليوميات، لكنه ليس متمسكاً بذلك، فهو يخدم في وظيفته الحكم والدولة، وليس قناعاته، وهو ما يجعله يطلب من الحسين اللقاء مع الإخوان المسلمين، بعد تفاعل قضية إحالة رموز منهم إلى التقاعد في العام 1985، وصعود جدل المناهج المدرسية، وإقالة أمين عام وزارة التربية والتعليم، عبد اللطيف عربيات، وهو أمر تفاقم بعد زيارة الملك لسورية، والاعتذار للأسد عن استقبال معارضين سوريين في عمّان.
اختار الملك الاستجابة لطلب مقابلة القياديين الإخوانيين، عبد الله العكايلة ويوسف العظم، يقول أبو عودة: “نقلت انطباعي إلى الملك، وقلت: أرجو ان تعمل بسرعة لإزالة الانطباع.. كأن نؤكد على أن الإحالات على التقاعد لم تستهدف الأشخاص الذين استهدفتهم لأنهم إسلاميو النزعة، وهكذا تمت المقابلة..”. وفي ذلك اللقاء، تحدث العظم عن وقوف “الإخوان المسلمين” مع النظام منذ 1957 وفي أزمات كثيرة، وأكدّ أنهم سيبقون إلى جانبه. (ص 840).