مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

أحمد بومعيز (المغرب)

كم من العبيد سينتج العالم؟ وكم من ليبيا ستعود مهدا جديدا وموطنا للرق؟ والمأساة تتكرر وتتناسل، وكل شروط الردة والعبودية وعواملها جاهزة، فأين ضمير العالم؟ وليبيا ليست سوى بداية لبعث العبودية.

ليس سهلا سرد حكاية العبيد والعبودية عبر تاريخ الإنسانية. وإن كانت قارة إفريقيا منعوتة به أكثر من غيرها، في تجاوز تاريخي لحقيقة الظاهرة، فهي الآن تؤكد أنها في قلب المأساة، بل أكثر، فها هي الآن تعيد تجسيدها أمام العالم، ومن ليبيا التي مزقت وتتمزق باستمرار منذ 2011، وسبق أن حكمها معمر القدافي بالحديد، ووحّدها قهرا وقسرا كي تتفتت من بعده، ويسود بعده الفراغ المؤثث بالارتجال السياسي والمؤسساتي، لتبقى هناك قبائل المليشيات، والآلاف من قطع السلاح الموزعة مشاعا أكثر من المواد الغذائية الأساسية والأدوية. هي شبه الدولة التي كانت، ولا زالت، بلا مؤسسات، فماذا ننتظر غير العبودية والرق والحاجة؟
وليس من السهل على العالم أن يرى علناً أنّ تجارة الرقيق لا زالت قابلة للترويج والاستقطاب والممارسة، ومن قلب ليبيا في شمال أفريقيا على حدود البحر الأبيض المتوسط الذي أضحى مقبرةً بلا قبور لحاملي حلم أو وهم الوصول إلى ضفة جنوب أوروبا… الجنة في أوروبا أو هكذا شبه لأكثر من 700 ألف مهاجر لا زالوا في ليبيا يبحثون عن شبه مركبٍ يوصلهم إلى هناك، أو إلى مقبرة البحر المتوسط الذي لم يعد أبيض بالمرة .
بالفعل، وصل إلى أوروبا عبر شواطئ ليبيا أكثر من 170 ألف مهاجر منذ بداية السنة، وإلى حدود شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وهو رقم أو عدد مؤشر، وإن تناقص أو تراجع بالنصف مقارنة مع أرقام السنة الماضية، يعد مغريا بالنسبة للراغبين في الهجرة. لكن مقارنته بمن وما تبقى عالقا في ليبيا يفرض إعادة ترتيب أنشطة الراغبين في الهجرة أو الموت. وبما أن الطبيعة لا تقبل الفراغ، والحاجة لا تقبل الانتظار، فقد أعد أصحاب الظرفية أنشطة موازية للأهالي وللمهاجرين، فجربوا فيهم علنا مهنة الرق مرة أخرى، في زمن العولمة وادعاء كونية حقوق الإنسان.
مبدئيا، قد لا يكفي تناول الموضوع إعلاميا، ولن يكفي. تقتضي موضوعية المقاربة الشمولية في المعالجة، والمسؤولية مشتركة وموزعة ومستعرضة بين الجميع، من الدول المصدرة للمهاجرين رغما عنها وعنهم، بفعل الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يفرض شروطه على الأهالي والمواطنين والحكام، إلى دول العبور، مثل ليبيا وغيرها، إلى دول الاستقبال ومحطاته التي ضاقت ذرعا بمواطنين بالمجاز صاروا هناك بلا وطن .فكم من العبيد سينتج العالم؟ وكم من ليبيا ستعود مهدا جديدا وموطنا للرق؟ والمأساة تتكرر وتتناسل، وكل شروط الردة والعبودية وعواملها جاهزة، فأين ضمير العالم؟ وليبيا ليست سوى بداية لبعث العبودية.

إعجاب تحميل...