يُشبه الموقف الإخواني في مصر وخارجها إلى حد كبير مشاهدين في قاعة سينمائية أو مسرحية دموية، ربما يرتدون نظارات تجعلهم يُشاهدون وفق تقنية الـ3D كي تضعهم في قلب الأحداث التي يتابعونها، وهم مطمئنون أنهم بعيدون جالسون على مقاعدهم، وأن ما يُشاهدونه لا علاقة لهم به، اللهم سوى مصمصة الشفاة، والتأثر، والانخراط في البكاء الذي تحول مع الوقت إلى مجرد أسى شديد وقذف للظلمة بالشتائم النابية أو مجرد السخرية، وعلى أكثر تقدير فبإمكان واحد من الجالسين إذا التهب الموقف، فلم يعد يتحمله، أو يطيقه، أن يكتب بيانًا، يوزعه على آخرين في صحف ومواقع تتبعه أو تتعاطف معه، ولما كثرت البيانات صارت دار العرض المُفترضة تبث الأحداث الدموية المتعاقبة.. وأمامها يتم توزيع البيانات المُتوهمة النفع لغير المشاهدين.. ربما بلغة أخرى أو في سياق اختلاف اجتماعي وسياسي، وهلم جرًا مختلف.

الصورة الماضية باختصار – للأسف الشديد – هي صورة الإخوان المسلمين خارج مصر، إذ إن القيادات التي لاكت خطاب المظلومية ووشيك النصر حتى ملها الخطاب صارت تتعمد اليوم أن تظهر بمظهر المتأثر، لكن العاجز عن فعل أي شيء لإخوانهم في مصر الذين يُسامون سوء العذاب، من قتل وتهجير وإصابة وطرد من العمل. وهي القيادات نفسها التي أخرجت هؤلاء من بيوتهم، غير مكتفية بالأخطاء والخطايا التي قادتهم إلى التهلكة، بل أكملت عليهم بإظهارهم إلى عدوهم من العسكر عقب الانقلاب؛ كي يتم اعتقالهم واستشهادهم والزج بهم في السجون وفصلهم من العمل؛ لأن القادة الذين لم يكونوا يعلمون حلًا للموقف تسببوا في اعتقال قرابة 60 ألف معتقل، إن لم يكن أكثر، وتشريد قرابة مليون مصري، بإضافة عائلاتهم، واستشهاد آلاف وإصابة آلاف آخرين.

إن الموقف اليوم يقول بأن الإخوان غير قادرين على تجاوز اللحظة، بأية حال من الأحوال، فالقادة لا يستطيعون الخروج على الصف الذي طالما عبأوه بأن النصر قادم، وأن الشرعية قادمة، وأن الأمر لا يلزمه إلا وقت قليل.. لا يستطيع هؤلاء القادة الجهر، أو حتى الهمس، بأنهم لم يدركوا مستوجبات السياسة ولا حتى مبادئها.. لم يعودوا قادرين على القول اليوم بأنهم كانوا يبثون الأوهام في نفوس الملايين، وأن الله لا ينصر العجزة والضعاف والمُستسلمين، أولئك الذين لا يملكون من أمر أنفسهم حتى مجرد التفكير.

وفي المقابل فإن العسكر الذين حكموا مصر لقرابة 65 عامًا منذ يوليو (تموز) 1952، فلم ينجحوا في مجال واحد من المجالات، بل صار اقتصاد مصر محملًا بالديون بعد أن كانت تُقرض الدول العظمى، وأصابتها الهزيمة الشديدة العسكرية في 1967 التي قادت الأمة كلها إلى موقف أشد ضعفًا وهوانًا مما كانت عليه قبل أن يحكم العسكر مصر بسقوط القدس الشرقية وأجزاء كثيرة من فلسطين، بالإضافة إلى الجولان السورية وأراض أردنية؛ وهو ما تسبب بالنهاية في الضعف الشديد الذي حل بالعرب مؤخرًا وفتح بؤرًا للظلم، بالإضافة إلى فلسطين، هذا إلى جوار تخلي العسكر عن السودان كجزء من مصر يفيدها تنمويًا ويحمي حدودها، ويعين على إيجاد نواة لوحدة الأمة، فإذا أضيف لذلك مواصلة تغلغل الجيش بقيادات غير مناسبة في مختلف مجالات الحياة المدنية بما أصاب الأخيرة بالجفاف وسحب البساط من أسفل قدرات الجيش العسكرية.

وكان العدو الصهيوني الهدف الذي يدعي الجيش أنه يقوي نفسه ليحاربه، ثم جاءت اتفاقية كامب ديفيد عام في سبتمبر (أيلول) 1978 لتساوي أن العدو صار صديقًا، بل ليمتد تغلغل أمريكا في الجيش حتى ما لا نهاية، ومباشرة عقب الانقلاب صارت عقيدة الجيش المصري هي القضاء على الإرهاب.. عقيدة داخلية تساوي أن يحارب الجيش أهل بلده في ظل كلمة فضفاضة لا يدري أحد ما معناها الحقيقي، مع عدم إنكار حقيقة وجود بعض الإرهابيين، لكن ماذا عن الجيش نفسه حينما يدعو إلى العنف بالقتل والإصابة والتشريد وسجن عشرات الآلاف من المعارضين ومطاردة أضعاف أضعافهم؟َ!

وإن جاء مخلص ليُدقق في موقف الجانبين من الإخوان والعسكر لا يبدو له في الأفق حل للموقف الراهن بينهما، مع الفارق الشديد بالطبع بينهما، فالإخوان الذين يقارب عمر جماعتهم الـ90 عامًا لم يستطيعوا عبر تاريخهم الاستمرار على النهج الذي حدده لهم الإمام حسن البنا، فضلًا عن تطويره؛ أو التعرف إلى كيفية إدارة الواقع بمهارة أو حتى بأسلوب مناسب، والنتيجة محن متجددة في حياة الملك فاروق، ثم عبد الناصر، نهاية بالسيسي، وفي المنتصف هناك محن صغرى مقارنة بالشاملة الكبرى.. وفي نهاية المطاف قاد قادة الجماعة مصر إلى هذا المُنزلق الخطير بلا فائدة، ولم يعد لديهم حل، ولم يعودوا يملكون شرف مصارحة الصف بموقفهم الحقيقي، والاعتذار منه، لعل الله يخفف عن الصف وعن القادة؛ وبالتالي إنهم شماعة عدوهم من العسكر، وأنه هو الذي اضطرهم إلى موقفهم بجبروته، أحب إليهم من مجرد مواجهة الواقع والاعتراف في الشمس بأنهم أخطأوا وأصابوا خطايا.

ومن الجانب الآخر، فإن العسكر لا يستطيعون، وفي مقدمتهم قائد الانقلاب السيسي، لا يستطيعون الاعتراف أنه بعد المجازر التي لم يشهد تاريخ مصر لها مثيلًا، على الأقل الحديث، لم يعودوا قادرين على مواجهة الأخطار العالمية، وعلى رأسها سد النهضة، بالإضافة إلى تراجع مصر في مختلف المجالات عالميًا، وعدم قدرة النظام وتهاونه في حماية جزء من المصريين في شمال سيناء، إن لم يكن متورطًا فيما هو أكثر في حقهم، فضلًا عن تراجع الأمن والأمان في الشارع وانتباه الأمن والجيش المصروف إلى الإخوان، فلا حماية لمواطنين، ولا حتى توفيرًا للقمة العيش الكافية.

ومع بقاء العسكر غير قادرين على الحل، أو توفير ما وعد به قائد الانقلاب من النعيم والرخاء للمصريين، لم يعد أمامهم إلا شماعة الإخوان ليعلقوا عليها خطاياهم من الجانب الآخر، وتفريغ قواهم لمحاربتهم.

فهل يُخلف الله الظنون، ويُقدر أن ينهض رجال من الإخوان.. فليس الأمل بمعقود على العسكر بحال من الأحوال، فهل ينهض من الإخوان صدقوا ما عاهدوا الله عليهن وهم كثيرون؟ فيعلنون إلى الصف حقيقة الموقف، ثم يعمدون إلى العالم، فيحرجون النظام المصري على نحو متصاعد أمامه، كاشفين عن رغبتهم في إنهاء المأساة في مصر، مُبطلين عمل الشماعتين، وفق آلية يجتمع عليها مفكرون غير الاعتياديين، ومن داخل الجماعة وخارجها، ويستجيب لها قادتهم.. كي تكون أول لبنة في إنهاء الصراع الكارثي الذي لا يبشر بخير للكنانة أو الأمة؟!