«أنا مؤمنة أوي بالدافع الي جوة كل واحد فينا، كل واحد فينا عنده حب لحاجة أو دافع لحاجة، أنا مؤمنه ان مهما كانت الظروف نمشي في الي احنا حابّينه».

هكذا قالت لنا دينا المفتي أثناء حوارنا معها في البودكاست الذي نقدّمه. دينا هي المدير التنفيذي لشركة إنجاز، وتُمثّل شخصًا شغوفًا جدًا بما يفعل وشغفها هو دافع عظيم يحرّكها دائمًا للأمام.

كثيرًا ما نسمع عن هذا الموضوع، موضوع الشغف. الشغف الذي يجعلني أقْضي وقتًا طويلًا أقوم بمهام معيّنة دون أن أشعر بمرور الوقت. الشغف الذي يدفعني إلى العمل كلّ صباح وأنا أشعر بسعادة عارمة. فنبحث دائبين – نحن الشباب البادئين حديثًا في حياتنا العمليّة – عن هذا الشغف. وربما يتساءل الكثيرون من طلبة الجامعات هل هذه الكليّة هي الطريق المناسب لي حقًا؟ هل هذا هو شغفي؟

مفهوم خاطئ عن الشغف

كثيرًا ما نظنّ، خطئًا، أنّ الشغف هو شئ نستطيع اكتشافه فجأة! سوف نبحث عنه اليوم وسنُسائل أنفسنا عن ماذا تحبّين يا نفسي؟ فيم تقضين الوقت وأنتِ سعيدة؟ ما هو الشيء الذي يمكنني القيام به مجّانًا مدى الحياة؟

وإجابة هذه الأسئلة ستكون لافتات على طريق اكتشافنا لما نحن شغوفون به حقًا.

يؤسفني أن أخبرك أنّ كلّ هذا ليس صحيحًا. الشغف ليس شيئًا تكتشفه في بضع ساعات، بل شيئًا تبنيه في سنوات.

ربّما تكون إجابة الأسئلة السّابقة هي بداية البداية في طريق اكتشاف شغفك. أي أنّ بداية الطريق أكبر من مجرد الإجابة على هذه الأسئلة. وفيما يلي سنعرض المحاور النّفسية الأربعة التي نمرّ بها في مرحلة بناء الشغف الخاص بنا، معتمدين على الأبحاث التي نشرتها أنجيلا دكوورث في كتابها الشهير Grit.

محاور الشغف:

  • الاهتمام والميول الشخصية.
  • الممارسة والتدريب لإصقال الشغف.
  • الغرض والمعنى.
  • الرجاء (عقلية النمو).

الاهتمام

المهندس هشام الجمل هو مؤسِس شركة Quest للتدريب، وهو من أهمّ العاملين في مجال التدريب في مصر والوطن العربي. قد تتعجّب إن أخبرتك أنه في بداية حياته كان يحبّ الغناء والشِّعر، وكان يحبّ أن يكون مغنّيًا أو شاعرًا. ولكنه اكتشف بعد قليل أنه ليس مستعدًّا لدفع الثمن من التدريب والممارسة. فخمدت هذه المحبّة لهذا المجال.

ستندهش أيضًا إن أخبرتك أنّ المهندس هشام لم يبدأ العمل في مجال التدريب إلّا بعد ١٦ سنة من بداية حياته العملية! فقد عمل مهندسًا لمدّة ٨ سنوات، ثم في مجال المبيعات لمدّة ٨ سنوات أخرى، وأخيرًا توصّل إلى حبّه في مجال التدريب! بعد ١٦ سنة من الحياة العملية في مجالات أخرى.

الممارسة والتدريب

لقد مارس المهندس هشام ما يقرب من مهنة التدريب أثناء عمله في مجال المبيعات. فقد كان جزءٌ من عمله أن يشرح للعملاء مزايا البرامج التي يعرضها للبيع. وهذه الممارسة والتدريب المستمرّ لمدّة سنوات طويلة أدرك المهندس هشام حبّه لهذا المجال، وحبّه للوقوف أمام النّاس وإضافة معاني جديدة إلى حياتهم.

الغرض والمعنى

في كلّ مرّة كان المهندس هشام يرى في نفسه حبًّا أكبر للشرح أمام الجمهور. والأمر ليس هوايةً فقط كما كان في أيّام حبّه للموسيقى والشِّعر؛ فهو على استعداد تام لدفع الثمن هذه المرّة. كما يظهر من أدائه الرائع كرجل مبيعات وتفوّقه في عملِه على مدار سنوات.

هذا بالإضافة إلى المعنى الجديد الذي اكتشفه المهندس هشام من هذا النوع من العمل، وهو أنّه في هذا المجال يستطيع الوقوف أمام النّاس والتعبير عن قيَم تلمس عواطفهم وتؤثر في دواخلهم ويرى تأثير ذلك المباشر عليهم وعلى نتائجهم.

هذا المعنى العميق يراه المهندس هشام دائمًا في عمله فيساعده ذلك على الاستمرار والتغلّب على أيّ من التحديات التي قد تواجهه. وفي هذه المرحلة يتحوّل الحبّ العاديّ إلى شغف.

الرجاء

المقصود بالرجاء هنا هو دافع للمثابرة. ويظهر جليًّا في أبحاث كارول دويك في كتاب العقلية والتي بيّنت لنا فيه أن الأشخاص الذين يتمتعون بعقلية النمو يستمرّون في المحاولة حتّى لو لم يكن لديهم بعدُ المهارات اللازمة لاجتياز التحديات. ويؤمنون أنّ هذه المهارات يمكن اكتسابها ببذل المجهود الكافي وبطرق أذكى.

النصيحة الأولى

بعد فهمنا لمحاور الشغف الأربعة، أحب أن أقول لك أنّ المعنى أهمّ من الحبّ. أي أنّك إن كنت تدرك قيمة ما تعمله، فهذا أهم من أن تحبّ ما تعمل، دون أن تعرف له غرضًا أو معنى.

وهذا يفسّر لنا حال الكثير من الأشخاص الذين يعملون في مجال لا يحبّونه، ولكنّهم مع ذلك سعداء. وربّما يتحول هذا العمل إلى شغف بسبب معناه والقيمة من ورائه. فابحث عن المعنى فيمَ تفعل.

النصيحة الثانية

لن تتفتح لك الفرص الجديدة، إلّا إذا بذلت أكبر مجهود ممكن في مكانك الحالي. لا تقُل: أنا لن أعمل جيّدًا إلا حينما أكتشف ما أحبّ. هذا تفكير خاطئ تمامًا، بل مناقض لقوانين الكون. عليك أن تبذل الجهد الكامل أولًا، أن تدفع الثمن كاملًا، ثمّ بعد ذلك تحصد نتيجة هذا التعب.

إذا كنت ترغب في الاطلاع على المزيد في هذا الموضوع، فيمكنك أن تستمع لهذا المقطع الصوتي بعنوان: الشغف والمثابرة.