مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

مصطفى العادل (المغرب)

العالم في زمن الفتنة يُبتلى لا محالة، وقد قتلوا وسجنوا، وحوصروا، وتم التضييق عليهم، ومنعهم من التعبير والتأليف، وتاريخ الأمة خير شاهد على ما تعرّض له علماء الأمة من أنواع التصفية الممنهجة، من دون أن يمنعهم ذلك من الصدع بالحق.

أشارت جماعة العدل والإحسان المغربية إلى دور العلماء في وثيقة “توضيحات”، إذ تقول وثيقة لها: “لو أخلصوا النيات، وصدقوا الله، لتخلصوا من الخوف الوهمي الذي يشل حركتهم، ومن سلطان النفعية الذي حرّف عملهم، ومسخ شخصياتهم فاصطبغت بكل لون، إلا لون الصدق والحقيقة، سايروا النظام، وسكتوا عن تعطيل الحكم بالشريعة الإسلامية”.
ننطلق من هذا النص البليغ المؤثر، لنطرح من جديد قضية دور العلماء في تجديد الدين وإحياء الأمل في الأمة، بعدما فقدت ثقتها في كل شيء، ونحن لسنا مضطرين لسرد دور العلماء على شكل خطوط أو خطوات، فلذلك رجاله: أهل التخصص من الفقهاء والعلماء والمفسرين، وإنما الهدف الذي نرنو إليه أن نثير الأمر أساسا لا يمكن للأمة أن تحقق المستقبل الذي تنشده إن لم تكن للعلماء كلمة صدق يصدعون بها، وإن كلفهم ذلك الموت والشهادة.
مما ينبغي أن يدركه العلماء: وجوب الصدع بالحق، وكشف القناع عن الحقائق التي تنخر جسد الأمة، وتوقف الدعوة التي كلفنا بتصديقها وتبليغها للعالمين، هذا واجب العلماء. كما أن لأبناء الأمة حق في معرفة ربهم، من دون أن يعترضهم حاجز من حواجز الفتن التي يصنعها أولو الأمر. من حق الانسان أن يعيش كرامته وحريته التي تقوده إلى التساؤل عن الأصل والمصير، تلك بداية الطريق إلى السعادة الدائمة.
إذا قويت همتنا اليوم ونضجت إرادتنا، وأدرك الجميع بداية الطريق الصحيح، فإنه لا بد أن نعيد إحصاء العلماء من جديد، سوف نجد أنفسنا مضطرين لعزل كثيرين من علماء اليوم، أو أن ننزع عنهم صفة العلم عن الأقل، تلك خطوة مهمة وضرورية، وقد نادينا من قبل بأن نعيد إحصاء الرجولة الحقيقية في أمتنا، حتى لا تخدعنا الأرقام الكبيرة.
لقد ضعفت الأمة، وتغمست في الذل والهوان، وتعرضت لمختلف المحن من تشريد وتفقير وتقتيل، وما تزال، والعلماء الذين عقدت عليهم الأمة آمالها (إذا جاز هذا الوصف) لا يحركون ساكنا.
بعدما انكسر تاريخ الأمة، وصارت قطعا جغرافية تفصل بينها حدود وهمية، حل الاستبداد والظلم محل الشورى والعدل، وسخر السلطان العلم والعالم لخدمة مصالحة باسم القرآن. فلان يتقن كل العلوم ويتحدث في كل الفنون إلا السياسة ووضع البلد، يدل الناس على طريق الجنة ويندر بعذاب القبر والنار، ولم يندد يوما بما يعيشه أبناء الأمة وبناتها من أصناف العذاب على أرض الدنيا. علان قلبه فارغ من ذكر الله، ذبلت روحه وتبخرت حياته، لا يفقه شيئا من كلام الله ولا من كلام رسول الله، فتقلد زمام السياسة والحكم، يعطي لمن يشاء من خيرات البلد ويمنع من يشاء من رزق الله.
رجل العلم مسؤول عن رعيته، فليس كالعامة من الناس. العالم ينهى عن المنكر وإن نشر بالمناشير. العالم لا سعادة له في وطن جريح، ولا حياة له على أرض تجري عليها دماء القهر والظلم، وإن استدعى منه الموقف أن يقطّع أشلاء، وقد سبق أن ذاق علماؤنا، رحمهم الله، مرارة التعذيب لمواقفهم المعارضة لحكام الجبر والعضّ، أولئك الذين عرفوا قيمة ما حملوه في صدورهم وعقولهم، لا المنافقين.
تخرج العلماء في الزمن القديم من مدرسة القرآن، فمارسوا السياسة، أما اليوم فقد انقلبت الموازين، حيث تخرّجوا من السياسة، ليناقشوا الدين، وفقا لما تقتضيه ظروف السياسة ومصالح السياسيين، وما من عالم فتح له المجال وفرشت طريقه بالورود في زمن الاستبداد، إلا وكان ممن يأمرون الفقراء بالزهد والجهاد وهو في جنة من جنان الدنيا، يأكل ما لذ وطاب من المأكولات، ويتنقل في أفخر ما جاد به الزمان من وسائل النقل المتطورة.
العالم في زمن الفتنة يبتلى لا محالة، وقد قتلوا وسجنوا، وحوصروا، وتم التضييق عليهم، ومنعهم من التعبير والتأليف، وتاريخ الأمة خير شاهد على ما تعرّض له علماء الأمة من أنواع التصفية الممنهجة، من دون أن يمنعهم ذلك من الصدع بالحق، وذلك مرده وعيهم بحجة المسؤولية الملقاة على أعناقهم، وحجم المشهد الذي ينتظرهم يوم يقفون بين يدي الله.

إعجاب تحميل...