هل أحكي عما سرقته وباعته في سورية قبل 2011 مافيا الآثار المرتبطة بأجهزة الدولة السياسية والاقتصادة والأمنية؟ أم عن سرقة الآثار وتهريبها وبيعها عبر الدول الحدودية بعد 2011، على يد مرتزقةٍ وجدوا في تسليح الثورة، والفوضى الحاصلة، فرصةً لنهب الآثار؟

كنت، أوائل عام 2011، ضمن مجموعة من الكتاب المدعوين من مختلف أنحاء العالم إلى مهرجان ثقافي في مالطا، عنوانه “الثورات والتغيير في البلاد العربية“، وكان بمثابة تحية إلى الربيع العربي الذي كان مأمولا أن يكون ربيعا حقا. يومها كنا جميعا مفعمين بالأمل، خصوصا نحن المشاركين من سورية ومصر وتونس، البلاد التي كانت تنتفض بشكل مذهل بعد عقود من السكينة والرتابة والرضوخ لواقع الحال المتعسف. وكانت لنا، في برنامج المهرجان، زيارة لرؤية معالم مالطا، المدينة القديمة والحديثة والمتحف القريب من المنطقة الأثرية.
عندما أخبرنا أحد المشرفين أننا بصدد زيارة المتحف، لم يكن خافيا علينا إحساسُه بالفخر الذي ظهر على وجهه لأن بعض كتاب العالم سوف يشاهدون عراقة بلده. وصلنا إلى المتحف، بناء صغير فاخر التصميم والنظافة، وحراسة مشدّدة وتفتيش دقيق جدا، كما يليق بأي متحف تاريخي لبلد قديم. دخلنا إلى غرف المتحف الصغيرة، كان الزجاج الحامي للآثار من النوع العازل والصاد أي محاولة للسرقة. أما ما تضمه العلب الزجاجية فهو لقىً فخارية وتماثيل صغيرة الحجم وحجارة مختلفة الأشكال وحلي ذهبية ونحاسية، وباقي أسلحة صيد قديمة. وعلى كل نافذة بطاقةٌ تشرح تاريخ الأثر، وقيمته ومكان اكتشافه واسم البعثة المكتشفة له. بعد جولتنا في المتحف، سرنا في رواق طويل، ووصلنا إلى مكان خارجي، فوجئنا بأن مظلة كبيرة جدا تغطي مساحة واسعة من الأرض، وثمّة ممرات للدخول من تحتها. كانت مساحة الأرض المغطاة هي المنطقة الأثرية التي سنختتم بها زيارتنا. وجدنا بقايا مدرجات حجرية وأسوارا وطرقا ضيقة تؤدي إلى بقايا غرف. أخبرونا أن هذا بقايا معبد ومسرح بناه الفينيقون، ثم رممه الرومان لاحقا، وتعاقب عليه الزمن، حتى أصبح على ما هو عليه.
تذكّرت يومها بحزن منطقة عمريت عاصمة الفينيقيين، قرب طرطوس على الساحل السوري، حين كان ضيوفي من الشعراء الأوروبيين يطلبون زيارتها، وهم يشعرون بالرهبة من عظمة تاريخ المنطقة. وتذكّرت صدمتهم، حين نصل إلى المنطقة، ويرون الإهمال المتعمد لها. وأزعم أن زملائي العرب كانوا يشعرون بالحزن نفسه.
هل أحكي عن باقي المدن السورية التي تعج بالآثار؟ أم عما سرقته وباعته قبل 2011 مافيا الآثار المرتبطة بأجهزة الدولة السياسية والاقتصادة والأمنية؟ أم عن سرقة الآثار وتهريبها وبيعها عبر الدول الحدودية بعد 2011، على يد مرتزقةٍ وجدوا في تسليح الثورة، والفوضى الحاصلة، فرصةً لنهب الآثار والاتجار بها، وتكديس الثروات الطائلة؟ ثمّة حكايا وقصص يرويها ناشطون سوريون عن هؤلاء، وعن نهبهم الدؤوب آثار منطقة الشمال السوري، وعن ارتباطاتهم بمافيات دولية للتجارة بها، تثير القهر والحزن على تاريخ سورية وحاضرها ومستقبلها، كيف يدمّره الجميع من دون أي وازع أو ضمير وطني أو أخلاقي.
لا يبدو الحال أفضل في باقي الدول العربية ذات الحضارات القديمة. شعرت بالحزن نفسه، قبل أيام، في جولة في المتحف المصري في القاهرة، وأنا أرى الفراغ في بعض أماكن مخصصة لتماثيل ضخمة ولمومياءات تم نهبها من المتحف وبيعها أو إهداؤها لتصبح معالم مهمة في متاحف دول أخرى، لا علاقة لها بحضارتنا القديمة. حزنت من الفوضى والإهمال في منطقة الأهرامات العظيمة، والتي تمنع السياح من تكرار زيارتها، هذه الحضارة العظيمة التي مر عليها الزمن والبشر بكل قسوتهما، وبقيت عالية وحاضرة.
يُحكى عن حضارة العراق وباقي دولنا العربية ذات الحضارات القديمة الشيء نفسه، نهب وسرقة وتجارة بآثارها وفتك بتاريخها العريق. هل قدر هذه البلاد العريقة والمتأصلة في التاريخ، والتي قدمت للبشرية حضاراتٍ مذهلة أن تدمر على يد أبنائها قبل غربائها؟ هل نستحق نحن، شعوبا وحكاما، هذا التاريخ فعلا؟ هل سنصل يوما إلى الاعتزاز والفخر بقيمة تاريخنا عبر الحفاظ عليه على طريقة أهل مالطا؟ أم سنكتفي بهذه العنصرية المتكئة على تاريخنا القديم، ولا نجد أي حرج من الفتك بهذا التاريخ، أو منحه للآخرين في مقابل صفقات شخصية أو سياسية، تبيع العباد وما تبقى من البلاد.