مقدمة

أرض الصومال أو صومال لاند، دولة غير معترف بها رسميًّا، لكنها دولة الأمر الواقع، تمارس سيادة كاملة على الحدود التي ورثتها من الاستعمار البريطاني، ولها علم، ونشيد وطني، وعملة، وجيش، وحكومة، وجواز سفر تتعامل معه بعض الدول الأوروبية والإفريقية.

تاريخيًّا: محمية بريطانية نالت استقلالها عام 1960، وبقيت دولة مستقلة معترفًا بها خمسة أيام قبل أن تنضم إلى الجنوب، لتكون ما سمي بجمهورية الصومال، وهو الأساس القانوني الذي عليه تبنى قضية البحث عن الاعتراف.

المشهد السياسي في هذا البلد المعزول، يستحق التأمل والدراسة؛ لتميزه عما حوله من فوضى واستبداد سياسي، فهو يعطي صورة مغايرة للصورة النمطية التي تنقلها وسائل الإعلام عن المنطقة. الاستقرار والتداول السلمي للسلطة وحرية التعبير، تشكل أهم ركائز هذا التميز. مما يؤهلها لأن تكون نموذجًا ليس للقرن الإفريقي فحسب؛ بل -ومن غير مبالغة- لإفريقيا وللعالم العربي.

الرئيس الخامس.. الانتخابات الخامسة خلال 27 عامًا

يعود تاريخ أول انتخابات في أرض الصومال إلى فبراير (شباط) عام 1960، عندما انتخب المجلس التشريعي تحت إدارة الاستعمار البريطاني، وهو المجلس الذي اتخذ قرار الانضمام إلى الجنوب.

في مؤتمر برعوا الذي شهد إعلان الانفصال عام 1991 أعطيت إدارة البلاد للحركة الوطنية، على أن تهيئ البلاد لانتخابات بعد سنتين، في مهمة كان إنجازها أقرب إلى المستحيل لمقاتلين يفتقرون إلى الخبرة والمال والعلاقات الدولية، وسط انتشار الفوضى في الجنوب، والترقب الحذر في الإقليم مما ستؤول إليه أحوال البلاد. فشلت الحركة في نزع السلاح من المليشيات التابعة للقبائل، وانزلقت في حروب أهلية كلما نشبت أطفأها شيوخ القبائل.

عام 1993 في مؤتمر بورما، عُين محمد إبراهيم عجال، الذي قاد وفد الانضمام إلى الجنوب عام 1960رئيسًا، فكانت هذه نقلة نوعية لبناء دولة حقيقية. تعهد شيوخ القبائل بنزع سلاح المليشيات التابعة لهم، ودمج أفرادها في الجيش والشرطة الوطنية. بدأ الرئيس الجديد بناء حكومة وزعت حقائبها على أساس القبائل، ولم تسلم هي الأخرى من خوض حرب في سبيل فرض النظام، وبسط هيبة الدولة.

في تاريخ ما بعد سقوط سياد بري وإعلان الانفصال، الانتقال من النظام العشائري إلى النظام الديمقراطي مرَ بمراحل عدة، كانت الخطوة الأولى إجازة الدستور في استفتاء عام، عام 2001 شكل الإطار القانوني للنظام السياسي الديمقراطي. تلتها انتخابات المجالس البلدية في ديسمبر (كانون الأول) عام 2002 نتجت منها ثلاثة أحزاب وطنية، هي كل ما يسمح بها الدستور. الانتخابات الرئاسية 2003، والبرلمانية 2005، والرئاسية الثانية 2010، ثم الرئاسية الأخيرة عام 2017، وصفت من قبل المراقبين الدوليين بأنها كانت حرة ونزيهة.

ديمقراطية أرض الصومال هجين بين النظام التقليدي العشائري، والنظام الحديث، إذ يعد مجلس الشيوخ أعلى سلطة في الدولة، وهو مجلس غير منتخب يتكون من شيوخ القبائل.

من هو الرئيس الجديد؟

موسى بيحي عبدي ضابط سابق في القوات الجوية الصومالية، ولد عام 1948، درس الابتدائية والثانوية في هرجيسا، وعمود في أرض الصومال. ابتعثته الحكومة الصومالية إلى الاتحاد السوفييتي ليتدرب في أكاديمية القوات الجوية غاغارين. ثم درس مرة أخرى في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حصل على الماجستير في العلوم العسكرية. شارك في الحروب التي خاضتها الصومال ضد إثيوبيا. ثم انشق معارضًا محاربًا للحكومة الصومالية، إذ انضم إلى الحركة الوطنية الصومالية التي شنت حربًا مسلحة ضد الحكومة التي كان يرأسها محمد سياد برى، حتى أطاحت به مع الحركات المسلحة الأخرى عام 1991. وبعد الانفصال عرف الكولونيل موسي بيحي عبدي بنشاطاته في المصالحة بين العشائر والقبائل في برعو وبربرة وشيخ وبوراما. شغل موسى بيحي منصب وزير الداخلية والأمن القومي في حكومة الرئيس الراحل محمد إبراهيم عجال. يقول منتقدوه إنه لم يتردد يومًا في استخدام القوة لفرض سيطرة الدولة. يصفه مقربوه بأنه قومي متعصب أحيانًا، متمسك بشدة بالانفصال.

ما المتوقع من الرئيس الجديد؟

يرث الرئيس الجديد مجتمعًا منقسمًا، مزقته الحملات الانتخابية المشحونة بالنعرات القبلية، وأول ما ينتظر منه المجتمع أن يقوم بخطوات لرأب الصدع وبناء الثقة. لكن، ومن حسن حظ الرئيس الجديد، وخلافًا لكل الرؤساء السابقين، أنه يأتي إلى سدة الحكومة وقد بسطت الدولة سيطرتها على كامل البلاد، حيث يوجد الجيش على الحدود التي ترك عليها الاستعمار البريطاني قبل الانضمام إلى الصومال.

أكبر التحديات هو بناء اقتصاد قوي يضمن الأمن والاستقرار التي تعيشها البلاد. يعتمد الاقتصاد في أرض الصومال على تصدير المواشي، والحوالات القادمة من المهجر. غير أن الجفاف المتكرر الذي أصاب البلاد أدى إلى نفوق عدد كبير من المواشي.

بلغت ميزانية أرض الصومال عام 2017 ، 362 مليون دولار، ذهبت معظمها إلى الأمن، وهو ما يحد من الإنفاق على التعليم والصحة والبنية التحتية.

من التحديات الأخرى: بناء مؤسسات فاعلة، يصف العالم السياسي الأمريكي كينث مينخاوس حالة أرض الصومال بأنها دولة «عاملة فاشلة»، وذلك لأنها تقوم بوظائف محدودة للغاية، تتمثل في حفظ الأمن والنظام العام، وقدر ضعيف من النمو الاقتصادي، ويبدو أن هذا الأمر ربما كان مقبولاً في السابق، لكن الشعب يطلب من الحكومة الجديدة مزيدًا من النمو.

من التحديات الجديدة التي تواجه الرئيس الجديد إدارة التحالفات التي بنتها الحكومة السابقة طوعًا أو كرهًا. فقد أبرمت الحكومة السابقة صفقة مع شركة موانئ دبي العالمية لتشغيل ميناء بربرا. وكذلك وقعت اتفاقًا يسمح للإمارات ببناء قاعدة عسكرية في بربرا، ومن شأن هذ الاتفاق أن يخلق لأرض الصومال أعداء كثيرين في الإقليم. غير أن الحكومة السابقة بررت هذه الاتفاقيات بأنها كانت مضطرة ولم يكن لديها خيار آخر، مما يعني أنها تلقت ضغوطًا من بعض دول الخليج، كما صرح به غير واحد من مسؤولي الحكومة السابقة. اللافت للانتباه أن المرشحين الآخرين أيدا موقف الحكومة الداعم للسعودية والإمارات ضد قطر محتجين بأن مصالح البلاد مرتبطة أكثر بالسعودية والإمارات، وأن هذين البلدين يمكنهما الإضرار باقتصاد البلاد وأمنها، وهذا ما كانا سيفعلانه حسب كثير من المراقبين.

البحث عن الاعتراف تحد قديم جديد: فسبعة وعشرون عامًا من الاستقرار وبناء دولة عاملة لم يكسب أرض الصومال سوى المديح وقليل من الاعتبار بأنها تستحق الاعتراف بها دولة مستقلة. تحاول أرض الصومال بيع موقعها الاستراتيجي وأهميتها الجيوسياسية للفت نظر العالم، لكنها تفتقد إلى استراتيجية واضحة لتسويق فكرة الانفصال. وتتباين مواقف الدول منها حسب المصالح والتأثيرات المتوقعة على المنطقة في حال الاعتراف بها.