تزايدت في الآونة الأخيرة الحشود والتحركات العسكرية الإسرائيلية على أكثر من جبهة؛ حيث شهدت جبهة قطاع غزة حشودًا ومناورات لعدة أيام، وتواصلت هذه الحشود والمناورات في جبهة الجولان وجنوب لبنان، ففي ظل حالة السيولة السياسية العالية، والفوضى التي تنتشر في المنطقة، تتزايد احتمالات الحرب على قطاع غزة ولبنان في سيناريوهات أربعة.

على جبهة قطاع غزة، ما تزال حالة الاستنفار وارتفاع سخونة الأحداث في ظل التهديدات المتبادلة بين إسرائيل وحركة الجهاد الإسلامي، بعد استشهاد 14 مقاومًا في حادثة النفق شرق خان يونس.

ولذلك حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الفصائل الفلسطينية من شن هجمات انتقامية ردًّا على تفجير نفق ممتد من قطاع غزة إلى الدولة العبرية، وأضاف «سنرد بقوة على كل من يحاول الاعتداء علينا أو مهاجمتنا من أي موقع، ووضح  أن أي أحد تعني فصائل متمردة- منظمات، في إشارة واضحة إلى حركة الجهاد الإسلامي».

من جهته قال منسق أنشطة الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية الجنرال يواف موردخاي: «نحن نعي المؤامرة التي يخطط لها الجهاد الإسلامي الفلسطيني ضد دولة إسرائيل»، مشيرًا إلى أن الحركة تلعب بالنار على حساب سكان غزة جميعهم، وعلى حساب المصالحة الفلسطينية والمنطقة كلها. وأضاف أيضَا «من الأفضل أن يكون واضحًا أن أي ردة فعل تقوم بها الجهاد «الإسلامي»، ستقوم إسرائيل برد فعل قوي وحازم بالمقابل، ليس فقط ضد «حركة» الجهاد وإنما ضد حماس أيضًا».

من جهتها ردت حركة الجهاد الإسلامي على هذه التصريحات، وقال داوود شهاب مسؤول المكتب الإعلامي لـ«الجهاد الإسلامي»، إن حركته تأخذ التهديدات المستمرة لقياداتها وقيادة المقاومة الفلسطينية «على محمل الجد».

وأعربت عن رفضها رسالة موردخاي معتبرة أن «تهديدات العدو باستهداف قيادة الحركة هي إعلان حرب»، مؤكدة على «حقنا بالرد على أي عدوان» بما في ذلك تفجير النفق.

وأضافت أن تهديدات الاحتلال «لا تخيفنا، وتعبر عن خوف وقلق من رد فعل الجهاد والمقاومة».

في ضوء التهديدات المتبادلة قامت إسرائيل بتعزيز قواتها وحشدها على حدود القطاع، وأعربت عن استعدادها للرد في حال كان هناك أي هجوم فلسطيني، وبالتالي يبقى سيناريو اندلاع الحرب واردًا في حال قامت حركة الجهاد الإسلامي بالرد على حادثة النفق، التي أكدت أن ردها هو «حق لا يسقط»، وإذا ما قامت إسرائيل بتكرار حادثة النفق؛ أي إذا حدث وقامت إسرائيل باعتداء جديد من شأنه أن يُفجر الأوضاع وينقل القطاع إلى حالة تصعيد وحرب جديدة.

يمكن القول بأن الحالة الفلسطينية الحالية ليست في أجواء الدخول في حرب، وخاصة حركة «حماس» المعنية بشكل كبير في إصلاح الأوضاع والاستمرار في مسار المصالحة، في المقابل هذا الموقف من حركة «حماس» إن كان يعبر، إنما يعبر عن رغبة صادقة في إنجاح المصالحة والسير على طريق الوحدة الوطنية، من أجل النهوض بواقع الفلسطينيين، والغزيين على وجه الخصوص، ولكن يجب ألا نغفل أن الحركة سترد وبشكل قوي جدًا، في حال كان هناك تكرار لحادثة النفق، مع أنها لن تتنازل عن حق الرد على الحادثة، إنما هي الآن غير معنية بتصعيد الأوضاع، ولكن في حال استمرت المصالحة في مسارها الصحيح، من المؤكد أن يكون هناك رد قوي، ما لم تقم إسرائيل بتصعيد الأوضاع في الأوقات الآنية، فإن الرد حتمًا سيكون سيئًا، وستتجه الأطراف إلى حرب ضروس، قد تزعزع الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية.

لا تقتصر التهديدات الإسرائيلية بالعدوان وتصعيد الأوضاع على قطاع غزة، بل وجهت إسرائيل تهديداتها إلى لبنان؛ حيث صرحت عن رغبتها في تصعيد الأوضاع في لبنان ردًا على حزب الله؛ فقال الجنرال الإسرائيلي نيتزان نوريال، وهو ضابط سابق في الجيش، وكان نائب قائد فرقة مسؤولة عن الجبهة اللبنانية خلال حرب تموز 2006، قوله: «علينا أن نتعامل مع هذا النوع من التهديد، ويجب أن يبقى «حزب الله» متذكرًا ما حصل في حرب تموز».

قول وزير الدفاع الإسرائيلي ​أفيغدور ليبرمان​ في آخر تهديد له، إن «من يريد السلام عليه الاستعداد للحرب».

في المقابل فإن تكرار الأمين العام لحزب الله، السيد ​حسن نصر الله​، مقولة إن إسرائيل تدرك مدى الخسائر التي ستتكبدها في حال أطلقت العنان للآلة العسكرية. من جانبه، قال مسؤول عسكري من تحالف «حزب الله»- إيران- النظام السوري، «إذا كان يظن الإسرائيليون أن بإمكانهم شنّ حرب على لبنان، فهم يرتكبون خطأ كبيرًا؛ ففي سوريا تعلّمنا الهجوم».

وبالتالي يمكن تفسير الرغبة الإسرائيلية في تصعيد الأوضاع في لبنان، من أجل وقف التمدد الإيراني، الذي يعتبره الجانب الإسرائيلي الخطر الأكبر على وجودها؛ لامتلاكها السلاح النووي، ويُضاف إلى ذلك ما كشفته المصادر الصحفية الإسرائيلية عن وجود تحالف إسرائيلي- سعودي لوقف المد الشيعي، الذي يهدد الوجود السني، والوقوف بوجه إيران في المنطقة، ووقف الدعم الذي تقدمه لكل من الحركات الإسلامية داخل القطاع أو عن الدعم الذي تقدمه لحزب الله، وترى أن الحل هو إعلان الحرب على الجانبين على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية.

تُظهر الأحداث الإقليمية اليوم وجود تخوفات إسرائيلية كبيرة جدًا من إيران، ولا سيما أن إسرائيل ترى إيران العدو الأكثر خطورة لها في المنطقة، وهذا ما وضحه أحد المتحدثين الإسرائيليين بقوله إن إسرائيل لها دائمًا خطة على الطاولة مطروحة لمواجهة النفوذ الإيراني. ازدادت التخوفات الإسرائيلية بعد ما شهدته الأوضاع الدولية من تعزيز القدرة العسكرية الإيرانية ونموها في سوريا ولبنان، من خلال دعمها بشار الأسد في سوريا وتمكينه من تحقيق إنجازات أضخم من ذي قبل، أيضًا زيادة نفوذها داخل لبنان من خلال دعمها القوي والدائم لحزب الله، وبالتالي فإن تلك الأحداث زادت النفوذ الشيعي في المنطقة، هذا النفوذ الذي لم يؤثر على إسرائيل فقط، بل على السعودية أيضًا التي تُكن العداء الدائم لهم، يمكن القول بأن المحاولة الإسرائيلية في الاستفادة من العداء العربي لإيران كانت محاولة ذكية منها لكسب الدعم الذي تحتاجه في حالة انطلقت في حرب ضد لبنان، وخاصة أن السعودية تعد إيران محطمة للوجود الإسلامي السني، وباتت أكثر قوة في صراعها داخل سوريا لصالح النظام السوري، وما كشفت عنه آخر التطورات من تشكيل قاعدة عسكرية إيرانية قرب دمشق.

لذلك أبدت السعودية استعدادًا كاملًا لتطوير وتطبيع العلاقات مع الجانب الإسرائيلي؛ حيث ذكرت القناة العاشرة أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حصل على «تفويض من والده «الملك سلمان» باتخاذ قرارات دراماتيكية في إطار مواجهة إيران، على رأسها التطبيع مع إسرائيل وتوسيع التنسيق والتعاون معها».

ويمكن استنتاج أن السعودية أصبحت حاضرة بشكل قوي في الساحة السياسية الإقليمية؛ بحيث قامت بموقف فاعل في المنطقة يمكن توضيحه في البداية من خلال التحالف مع إسرائيل، ومن ثم دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى السعودية؛ حيث أوردت التحليلات توقفه عن ذكر مشروع حل الدولتين واستخدام صياغة الدولة الواحدة. ومن المؤكد رفض الأطراف الفلسطينية هذه الصياغة؛ لأنها تُطالب بكل الأرض الفلسطينية، والتي لا يمكن استردادها إلا بالمقاومة وعدم التخلي عن السلاح. ومن ثم اتجهت إلى لفت النظر إلى أنّ ابن سلمان يحاول إعداد الرأي العام السعودي، والرأي العام العربي السني بشكل عام، لتقبّل التطبيع مع إسرائيل، والتعاون العلني معها، من خلال «محاولة إقناع الجمهور العربي بأنّ إيران، وليس إسرائيل، هي من تمثّل تهديدًا لمصالح العرب السنة».

في الأوقات الحالية تشهد الساحة اللبنانية فراغًا سياسيًا كبيرًا بعد استقالة الحريري، خاصة بعد غيابه عن تولي رئاسة الوزراء في لبنان لما يزيد عن ثلاث سنوات، يرى بعضهم أن استقالة الحريري جاءت بقرار سعودي، وجاءت في سياق صراع القوى بين السعودية وإيران وعلى أثر إنجازات إيران في سورية والعراق، التي منحت إيران تفوقًا ملحوظًا في أكثر من دولة في الشرق الأوسط، ومن غير الواضح ما إذا كان هذا القرار جزءًا من استراتيجية وضعتها القيادة السعودية، والتي تشمل إدراك الخطوات القادمة التي على المملكة اتخاذها لوقف التوسع الإيراني في المنطقة.

وبالتالي يمكن القول بأن الكابوس الإيراني كان وما زال يهدد الحِلم الإسرائيلي، ولذلك شملت التهديدات الإسرائيلية إيران أيضًا، خاصة بعد أن تم كشف أن إيران تقوم بإنشاء قاعدة عسكرية ضخمة دائمة جنوبي العاصمة السورية دمشق. وهو ما اعتبرته إسرائيل تهديدًا لها، وعلى أثر ذلك تصاعدت التهديدات الإسرائيلية بإمكانية شن عمل عسكري ضد إيران وميليشياتها الشيعية في سوريا، على خلفية اقترابها من الحدود مع فلسطين المحتلة، معتبرة ذلك خطًا أحمر بالنسبة للجيش الإسرائيلي. كل ذلك يدفع إسرائيل إلى الاتجاه لاتخاذ كافة التدابير اللازمة لمواجهة إيران، ومن المؤسف بأن يتم اختيار لبنان ساحة للصراع بين إيران وإسرائيل.

في سياق الحديث عن تهديدات متبادلة بين الجبهة الإسرائيلية والجبهتين الجهاد الإسلامي ولبنان يمكن ذكر أربعة سيناريوهات متوقعة:

السيناريو الأول: استمرار التوترات على حدود غزة؛ حيث أعربت حركة الجهاد الإسلامي عن أنها على استعداد تام للرد على حادثة النفق، ولكن يمكن القول بأن الرد لن يكون في الأوقات الآنية؛ لأن الساحة الفلسطينية الآن في خضم مصالحة مصيرية، وأن الرد سيكون في حال قامت إسرائيل بحادثة اغتيال أو استهداف للأنفاق مرة أخرى، مع احتفاظها بحق الرد على حادثة استهداف النفق، وهذا ما تم تبادله من خلال التصريحات لكلا الجانبين؛ حيث نشر منسق أعمال حكومة الاحتلال الإسرائيلي في المناطق الجنرال يوآف مردخاي شريطًا قال فيه إن «الجهاد يلعب بالنار» حين يخطط للانتقام. وهدد مردخاي بأن إسرائيل سترد على كل عملية، ضد سلطة حماس في القطاع، وطالب قيادة الجهاد الإسلامي في دمشق، «بأخذ زمام الأمور»؛ أي كبح رجال الجناح العسكري في القطاع وفي الضفة الغربية. ومن جانبه حذر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو من أن «هناك من ما يزال يتلاعب بمحاولة شن هجوم جديد على إسرائيل، يمكن الإضافة بأن إسرائيل لم يكن لها أي نوايا سلبية في بداية المصالحة، ولكن حينما شهدت لها دعمًا إقليميًا واسعًا، شعرت بأنها في خطر في حالة توحدت الفصائل الفلسطينية، في حال قامت حركة الجهاد الإسلامي بالرد فسيكون الوضع وخيمًا، وسوف يساق كلا الطرفين إلى الحرب رُغمًا عنهما.

السيناريو الثاني: استمرار التوتر على الجبهة اللبنانية، وتبادل المشادات الكلامية بين حزب الله وإسرائيل؛ بحيث ينضم التوتر مع الإيرانيين إلى الأزمة المتطورة في لبنان، حول استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري؛ بحيث وجه مسؤولون لبنانيون تصريحات، من بينها الرئيس ميشال عون، قيام السعودية باحتجاز الحريري لديها رغمًا عنه، بينما ادعى حزب الله أن السعوديين يحاولون إثارة حرب بينه وبين إسرائيل. خرج الحريري من الرياض متوجهًا إلى باريس، التقى هناك الرئيس الفرنسي وأكد على عمق العلاقة الفرنسية اللبنانية قبل أن يخرج بمؤتمر صحفي ليجدد وعوده بعودته إلى لبنان الاأربعاء القادم من أجل المشاركة في عيد الاستقلال.

وبعض التحليلات تُرجع أن استقالة رئيس الحكومة تعد دليلًا على أن الحرب على لبنان أصبحت وشيكة من خلال تصريحاته التي أوحت بأنه يقدمها لأنه يرى أن لبنان دولة داخلها دولة، ويقصد حزب الله، إشارة إلى المد الإيراني أيضًا وضرورة مواجهته في المنطقة، كل ذلك يرفع من احتمالية الحرب على لبنان.

السيناريو الثالث: تنبؤات الحرب على الجانبين، ويرى مراقبون أن تهديدات الاحتلال بحرب على غزة تأتي في إطار حالة الخوف التي تعيشها القيادة الصهيونية من طبيعة رد فصائل المقاومة على هذه الجريمة، والتي أكدت أن ردها «حق لا يمكن أن يسقط»، مُعربة عن تمسكها بحق الدفاع عن شعبها ومقاومة الاحتلال ومواصلة الإعداد.

على الجبهة اللبنانية تدخل الحرب ضمن توقّعات حزب الله بشكل مستمرّ؛ فطالما كانت الحال كذلك منذ انطلقت الرصاصة الأخيرة في نهاية الحرب عام 2006، وشكّل ذلك مصدر قلق رئيسيًّا بعد أن أعلن حزب الله في مايو (أيار) من عام 2013 أنه سيقاتل إلى جانب حليفه، الرئيس السوري بشار الأسد، ضد المتمردين الذين يسعون للإطاحة به والدول المؤيّدة لهم. فقال حسن نصر الله آنذاك، إنه «إذا سقطت سوريا في يد الأمريكي والتكفيري، فستُحاصر المقاومة وتدخل إسرائيل إلى لبنان، وإذا سقطت سوريا ضاعت فلسطين. وبالتالي لا يمكن أن تتجه لبنان إلى حرب إلا إذا كان هناك هجوم من قبل القوات الإسرائيلية بدعم من السعودية، أو حتى بدعم أطراف أخرى، ويرجح بعضهم أن إسرائيل متخوفة من إعلان حربها على لبنان في الفترة الحالية.

يمكن القول بأن اندلاع العدوان على كلا الجبهتين متوقف على الرغبة الإسرائيلية في تصعيد الأوضاع، ولكن الفرق على الجبهة الفلسطينية إسرائيل ستقوم بإعلانها إذا قامت حركة الجهاد بالرد، إلا إذا كان هناك اعتبارات خفية تدفع إسرائيل إلى الاتجاه لعمليات مشابهة لعملية النفق أو الاغتيال يمكن من خلالها أن تصعد الحرب وتبدأ الرشقات الصاروخية بين الطرفين، أما على الجانب اللبناني فإن حزب الله سيستمر في المشادات الكلامية ضد إسرائيل إلى أن تعلن إسرائيل الحرب بضربات وهجمات سواء بدعم السعودية أو بدونها، وليس المعنى مهاجمة لبنان إنما إيران.

السيناريو الرابع: من الممكن أن تبقى الأمور على حالها؛ بحيث لا تتعدى الهجمات والمشادات الكلامية بين حزب الله وإسرائيل وبينها وبين حركة الجهاد الإسلامي، إلى حين حدوث مفاجأة على إحدى الجبهات، وبالتالي تصعد شرارة الحرب.