محاولة توريث الحكم والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة التي تعرفها زيمبابوي، هي من بين أسباب إقالة الرئيس روبرت موغابي. إلا أن السؤال المطروح اليوم: من يرث السلطة؟ وما هو جواب العسكر على سؤال كهذا؟

تشهد زيمبابوي (روديسيا الجنوبية سابقاً)، منذ أيام، تطورات متسارعة خصوصاً بعد تدخل قائد الجيش لتطهير البلاد مما وصفه بالفساد والتحفظ على الرئيس روبرت موغابي (93 عاماً)، الذي ظل يحكم البلاد بصورة منفردة منذ استقلالها عام 1980، حتى أعلن استقالته، أول من أمس الثلاثاء (21/11/2017)، وكذلك زوجته غريس التي كانت مرشحة لخلافته. والغريب أن الجيش لم يفسر تدخله انقلاباً. وفيما نجح، بعد ضغوط، في أن يجبر الرئيس على الاستقالة، إلا أنه لم يحل المؤسسات السيادية في الدولة كالبرلمان، أو تعطيل العمل بالدستور، كما يحدث في انقلابات عديدة تشهدها القارة الإفريقية، وإنما فسر الجيش إجراءاته بأنها حماية لمكتسبات ثورة البلاد ضد حكم البيض الذي استمر 15 عاماً (1965-1980). وبالتالي صرنا أمام حالة جديدة ربما تستحق الدراسة في أفريقيا التي شهدت أنواعاً عديدة من الانقلابات الناعمة، أي التي لم يستخدم فيها العنف إلا بصورة محدودة، والانقلابات الخشنة العنيفة، وحتى الانقلابات التي باتت تُعرف بالديمقراطية، أي التي يقوم بها الجيش، ويؤيد (ويبارك) الشعب تدخله، كما حدث في انقلاب مصر عام 1952، في إطار ما تُعرف بثورة الضباط الأحرار.
جعل إعلان قائد الجيش في زيمبابوي، كما تم في 15 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، وربما كان مقصوداً صدوره بتلك الكيفية، الموقف الدولي في حرج بالغ فيما يتعلق بتوصيف الحدث من ناحية، فضلاً عن كيفية التعامل معه من ناحية ثانية، فالاتحاد الأفريقي، باعتباره المنظمة الإقليمية المعنية بدول القارة، وكذلك منظمة سادك (الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي) وزيمبابوي عضو فيها، لم توصف ما حدث انقلاباً، وإنما حذرت من انتهاك مبادئ عامة، تتعلق برفض الوصول إلى السلطة بوسائل غير دستورية (ديمقراطية). وذهبت جنوب أفريقيا (جارة زيمبابوي) إلى الأمر نفسه، وهي إحدى الدول المعنية بتطورات الأحداث في زيمبابوي، خصوصاً وأن العلاقات وطيدة بين موغابي ورئيس جنوب أفريقيا، جاكوب زوما، الذي صرّح، فور ذلك الإعلان من قائد الجيش، إن صديقه رهن الإقامة الجبرية، ومع ذلك لم يصف ما حدث انقلاباً، وكذلك فعل رئيس برلمان جنوب أفريقيا، والذي برّر عدم تدخل بلاده في
“اضطرابات سياسية متوقعة غذتها الأوضاع الإنسانية بالغة السوء وتدهور الحريات بصورة كبيرة”

 زيمبابوي بأن ما حدث شأنٌ داخليٌ، و”زيمبابوي ليست أحد مقاطعاتنا”، بتعبيره. وجاء رد الفعل الدولي مشابهاً تقريباً، خصوصاً في ظل رغبة دفينة في إطاحة موغابي الذي يقود “دولة مارقة” في أفريقيا، ويرفض أي إملاءات غربية، لاسيما من بريطانيا الدولة المستعمرة السابقة، ومواطنيها البيض الذين صادر، أوائل التسعينيات، أراضيهم الزراعية (خمسة آلاف مزرعة) وأعاد توزيعها على أصدقائه في النضال من المحاربين القدامى، أعضاء حزبه (حزب زانو)، فضلاً عن أراضٍ قليلة تم توزيعها على صغار الفلاحين الذين لم يجدوا التمويل اللازم بعد امتناع البنوك الموالية للبيض والغرب عن تمويلها، ما تسبب في حينه في انهيار البورصة، فيما عُرف بأحداث يوم الجمعة الأسود. ثم توالت العقوبات البريطانية والأوروبية والأميركية على موغابي الذي فتح بلاده (ملقبة بجوهرة أفريقيا، لامتلاكها كنزاً من المعادن مثل الذهب والنيكل والبلاتين والفحم)، للصين، نكاية في هؤلاء.

صراع بين الأم والتمساح
الأزمة التي استجدّت أخيراً في زيمبابوي ذات أبعاد متعدّدة، بعضها سياسي وأخرى اقتصادية، لكن لتوقيت تفجرها دلالة ترتبط بإطاحة موغابي قبلها بأسبوع نائبه المرشح لخلافته وفق الدستور، إيمرسون منانغاغوا، وهو الملقب بالتمساح، لشراسته على خلفية إدعاء زوجة الرئيس، غريس موغابي، والتي تلقب بالأم، بأنه كان يسعى إلى محاولة اغتياله. وقد تم تفسير الأمر بأن غريس تسعى إلى إطاحة أقوى خصومها السياسيين في الدولة والحزب (زانو)، إذ يشغل التمساح موقع رئيس اللجنة المركزية للحزب، في حين تشغل هي منصب رئيسة اتحاد المرأة، فضلاً عن نفوذها الكبير في أوساط الشباب، ما حدا بالجيش الذي يدين بالولاء لمنانغاغوا بالتدخل، مدعوماً من المحاربين القدامى من مؤيدي موغابي، لمنع وصولها ومؤيديها الذين لم يشارك معظمهم في ثورة البلاد ضد الاستعمار إلى الرئاسة، وهذا ما يفسر بيان قائد الجيش الذي زعم أنه تدخل “لحماية مكتسبات الثورة، ورفضه وصول أي شخص لم يشارك بها إلى الحكم”، في إشارة إلى غريس.
كانت هذه الاضطرابات السياسية متوقعة منذ فترة، وغذّتها الأوضاع الإنسانية بالغة السوء، وتدهور الحريات بصورة كبيرة، فضلاً عن الأحوال الاقتصادية السيئة (68% من السكان تحت الفقر وفق مؤشرات عام 2004)، كما ارتفعت معدلات البطالة إلى 94% في العام 2009، وفق إحصائيات الأمم المتحدة، فضلاً عن تردّي الأوضاع الصحية، على الرغم مما أثير أخيراً عن وجود نية لدى منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة لمنح موغابي شهادة فخرية (منصب سفير للنيات الحسنة) في مواجهة الأوبئة، فبين عامي 2008- 2009 انتشرت الكوليرا في البلاد بصورة كبيرة، ووصلت نسبة المصابين بها إلى مائة ألف شخص، توفي منهم نحو خمسة آلاف، بسبب عدم توفر الخدمات اللازمة للعلاج، وعجز الدولة عن تقديم أبسط الخدمات لمواطنيها. وخلال العام الماضي، شهدت البلاد حالةً من الاضطرابات والإضرابات (إضراب العاملين في التمريض)، لعدم دفع رواتبهم، وتردّي الأوضاع الصحية، على خلفية احتفالات أقامها موغابي في ذكرى ميلاده، وتكلفت عدة ملايين، حيث رفع المحاربون القدامي شعارات تطالبه بالرحيل، وتؤكد أنه لن يتمكن من الفوز في الانتخابات المقبلة. ولمع في حينها اسم نائبه، كونه يمتلك رؤية اقتصادية للخروج بالبلاد من عثرتها المالية، لاسيما الديْن الخارجي للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فضلاً عن أنه شخصية تحظى باحترام الغرب الذي يسعى إلى إطاحة موغابي (المارق) من جهة، ولا يمانع في عودة البيض، أصحاب الأراضي من جهة ثانية، لا سيما بعد جدلٍ كبير أثير بشأن العائد الاقتصادي لامتلاك المزارعين والمحاربين لهذه الأراضي، وتراجع انتاجيتها بصورة كبيرة.
وعلى الرغم من أن هذه الاضطرابات انتهت من دون مواجهات عنيفة كبيرة، إلا أنها لفتت 

“الأزمة التي استجدّت أخيراً في زيمبابوي ذات أبعاد متعدّدة، سياسية وأخرى اقتصادية”

انتباه الرئيس موغابي وزوجته غريس لخطورة نائبه، فكان لا بد من تدبير وسيلة للتخلص منه. والغريب هو موقف المحاربين القدامى (شركائه في الثورة)، على الرغم من سعيه إلى محاباتهم مراتٍ، خصوصاً بعد الاضطرابات التي قاموا بها ضد ممارساته في ثمانينات القرن الماضي، وترتب عليها إعطاؤهم حزمة من الحوافز والعطايا الاقتصادية، من قبيل توزيع أراضي البيض، وصرف مكافآت إضافية، وكذلك معاش استثنائي، على الرغم من الأوضاع الاقتصادية السيئة التي شهدتها البلاد، وساهمت في تراجع عملتها (الدولار الزيمبابوي) إلى أدنى مستوياتها في مواجهة الدولار الأميركي. لكن يبدو أن هؤلاء العسكر يرفضون خضوعهم لحاكم مدني، لا ينحدر من المؤسسة العسكرية، لاسيما إذا كان هذا الحاكم إمرأة، فكانت النتيجة الخروج عليه، لاسيما بعد بروز فكرة توريث الحكم إلى زوجته.

من البديل؟

لم يُثر تدخل الجيش في شؤون البلاد قضايا نظرية فقط، خاصة بتوصيفه نمطاً جديداً من الانقلابات أم لا، وإنما أثار (ولا يزال) تساؤلاتٍ عديدة على أرض الواقع، أبرزها قضية بديل موغابي بعد قرار الاستقالة، وموقف الجيش من هذا البديل، فالرجل، عند عمد ربما، لم يشر في خطاب التنحي إلى من يخلفه على عكس ما فعله حسني مبارك إبان ثورة يناير 2011 في مصر، حيث عهد إلى المجلس العسكري تولي شؤون البلاد في المرحلة الانتقالية، ما يشير، في حالة زيمبابوي، إلى حالة الخلاف الحاد بينه وبين الجيش الذي تدخل لدعم نائبه. وبموجب دستور البلاد، فإن نائبه الحالي، فيليكيزيلا مفوكو، المعروف بتأييده غريس، هو الذي يفترض أن يتولى الحكم، وليس نائبه المُقال، إيمرسون منانغاغوا، الذي تدخل الجيش لدعمه. ومعنى هذا أن موغابي أراد أن يضع ألغاماً في وجه خصومه، والأمر نفسه بالنسبة لزوجته التي يبدو أنها لن تستسلم بسهولة.
وبالتالي بات هناك بديلان مرشحان لخلافة موغابي في المرحلة المتبقية من فترته الرئاسية التي تكتمل منتصف العام المقبل. وهما النائب الحالي (الدستوري) مفوكو المدعوم من الأم. والنائب (المعزول) منانغاغوا، المدعوم عسكرياً، فيما بدا بديلان آخران خلف المشهد، غريس موغابي التي جاء تدخل الجيش ليطيح طموحاتها في خلافته، لا سيما أن فرص اختيارها في اجتماع الحزب الحاكم مرشحة رئاسية باتت معدومةً، بعد تنحّي زوجها، وبالتالي ربما تعمل، إن جاز التعبير، على قيادة فريق الثورة المضادة للتمساح. البديل الثاني في الظل هو زعيم المعارضة، مورجان تسفانجراي، والذي كان أقرب إلى الفوز في انتخابات 2008، لكن تشبث موغابي بالحكم دفع الطرفين إلى التوصل إلى اتفاق سياسي، تولى مورغان تسفانجراي بموجبه رئاسة الحكومة.
ربما يكون التمساح هو الأقرب إلى إدارة المرحلة الانتقالية، لاسيما أنه يحظى بقدر كبير من 

“بديلان مرشحان لخلافة موغابي في المرحلة المتبقية من فترته الرئاسية التي تكتمل منتصف العام المقبل”

الدعم داخل الحزب الذي ربما يعيد انتخابه رئيساً للجنته المركزية في اجتماعه الاستثنائي الشهر المقبل، فضلاً عن دعم الجيش وقوات الأمن والمحاربين القدامى له، ناهيك عن المجتمع الدولي الذي ربما بارك فعلياً التطورات التي استجدت أخيراً في البلاد. لكن في حال نجاح هذا السيناريو، وتسليم مفكو وغريس بذلك، فسيكون التحدّي الكبير أمامه تشكيل حكومة وطنية توافقية تضم كل أطياف المعارضة، لا سيما الحزب المعارض الرئيسي الذي يقوده تسفنجراي، والذي أعلن، أخيراً، عودته إلى البلاد بعد الأحداث. لذا، قد يحتاج، هو الآخر، قدراً من الاستيعاب، إلى حين تمهيد الأجواء لإجراء الانتخابات، لا سيما مع تصاعد أصواتٍ، تطالب بتأجيلها، لتهيئة الأجواء الملائمة التي جرفها موغابي وحزبه، بحيث صار الرئيس الأوحد 37 عاماً. وهنا التساؤل: هل سيستفيد “التمساح” من ذلك، ويعمل على تفادي دخول زيمبابوي في اضطرابات سياسية ذات أبعاد إثنية، على غرار ما حدث في 2008، عبر بناء شراكة حقيقية في المرحلة الانتقالية، تمهيداً لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، ربما تسمح للمعارضة بالوصول إلى السلطة؟
هذا هو الاختبار الحقيقي، على الرغم من أن الممارسات السابقة للرجل إبّان توليه وزارتي الداخلية والدفاع، وكذلك المخابرات، وقيامه بالقمع الشديد للمعارضة، ناهيك عن خلفيته العسكرية، قد تجعل هناك صعوبة حقيقية في قبوله مبدأ التداول السلمي للسلطة، لاسيما في ظل طموحه إلى تبوؤ الحكم، خلفاً لأعتى حاكم في القارة. وحينها، ربما يتمنّى الشعب لو أنه لم يؤيد إطاحة موغابي؟! لاسيما أن الصراع السياسي المكتوم في عهده برز إلى السطح، ويخشى أن تشهد البلاد حالات عنف وقمع في الفترة القليلة المقبلة، لا سيما إذا لم تسلم غريس ومفكو بالأمر الواقع، في حين يظل تسفنجراي يراقب المشهد عن كثب.