يشعر العراقي بالاختناق، وهو يقرأ تفصيلا مثيرا للانتباه عن مزدوجي الجنسية ممن يشغلون مناصب سيادية وأمنية في بلده، قدمه باحث، كشف فيه أن رئيس الجمهورية بريطاني الجنسية، واثنين من نوابه الثلاثة أميركيان، وأن رئيس الوزراء واثنين من نوابه بريطانيون أيضا…

يكمن بعضٌ من مأزق سعد الحريري في أنه يتمتع بأكثر من جنسية، أو ربما أكثر من جنسيتين فهو لبناني وسعودي، وربما فرنسي أيضا في آن. وبقدر ما شكله ذلك له من امتياز يغبطه فيه كثيرون، إلا أنه أوقعه في معضلةٍ، أحد وجوهها ما عاناه اليوم، وما قد يترتب عليه مستقبلا.
وبعيدا عن معضلة الحريري التي نأمل أن تكون قد وجدت طريقها إلى الحل، فإن “مأزقه” يدفعنا إلى النبش في “مأزقٍ” أكبر وأكثر اتساعا يعيشه العراقيون، منذ قدّر لهم أن يسقطوا تحت وطأة احتلالين، لا أقسى منهما ولا أمرّ، وأحد وجوه معضلتهم أن معظم الذين يتبوأون المواقع الرفيعة في بلدهم يحملون أكثر من جنسية، ما يجعلهم مزدوجي الولاء، وقد عاشوا سنوات طويلة تحت علمٍ غير علم بلادهم، وأقسموا يمين الولاء للدولة التي حمتهم في غربتهم، وأمنت لهم الإقامة على أراضيها، وساوتهم بمواطنيها الأصليين. لذا يشعرون أنهم مدينون لها، ما قد يوقعهم في فخ تقديم معلومات وخدمات استخبارية لها، تخص وطنهم الأصلي ومواطنيهم، وهو ما اعترف به مرةً أحد المسؤولين الكبار في حكومة بغداد.
لننتبه هنا إلى أن تقديم “معلوماتٍ وخدمات استخبارية” لإحدى دولتي مزدوجي الجنسية يعني الخضوع التام لها، وقد يكون إلى حد الانخراط في عملياتها العسكرية والأمنية ضد الدول الأخرى. مهم جدا أيضا أن نذكر أن بعض أفراد “النخبة” الحاكمة في العراق الذين اكتسبوا الجنسية الإيرانية في أثناء وجودهم في ايران زمن النظام السابق شاركوا في الحرب ضد بلدهم ضمن تشكيلات القوات المسلحة الإيرانية. أكثر من ذلك أن قياديا في مليشيات “الحشد الشعبي” من مزدوجي الجنسية لم يتورّع عن القول إنه لو نشبت حرب بين العراق وإيران مرة أخرى فسوف يقاتل إلى جانب الإيرانيين!
بمنظور بسيط، نعرف أن معظم الدول لا تجيز ازدواج الجنسية لشاغلي المناصب الرفيعة، وتعتبر ذلك تهديدا لأمنها القومي. لكن كل شيء في العراق أصبح مباحا. هنا يشعر العراقي بالاختناق، وهو يقرأ تفصيلا مثيرا للانتباه عن مزدوجي الجنسية ممن يشغلون مناصب سيادية وأمنية رفيعة في العراق، قدمه باحث، كشف فيه أن رئيس الجمهورية بريطاني الجنسية، واثنين من نوابه الثلاثة أميركيان، وأن رئيس الوزراء واثنين من نوابه بريطانيون أيضا، فيما يحمل نائب رئيس الوزراء الثالث الجنسية الأميركية. وتتفاوت جنسيات عدد من الوزراء بين الأميركية والبريطانية والكندية والفرنسية والإيرانية. وكشف أيضا أن رئيس البرلمان وعددا معتبرا من النواب ووكلاء الوزارات والمدراء العامين والمفتشين العامين ومسؤولي الهيئات المستقلة يحملون جنسيات أجنبية. هذا إلى جانب سفراء وموظفين دبلوماسيين كبار، وقيادات عسكرية وأمنية متقدمة، ومسؤولين في جهاز الاستخبارات.
نعرف أيضا أن عددا لافتا من مزدوجي الجنسية ممن أشغلوا مناصب سيادية أو مواقع أمنية بعد الاحتلال، وأحيلوا على التقاعد، أو انتهت مدة خدمتهم الوظيفية، فرّوا إلى بلدان جنسياتهم الثانية، من دون أن تستطيع السلطات القضائية ملاحقتهم، وبينهم ثمانية وزراء اتهموا بجرائم سرقة وفساد، وأحيلوا إلى القضاء، ورفضت دول جنسيتهم الثانية تسليمهم، ومنحتهم حمايتها باعتبارهم من مواطنيها. ومعروفٌ أن أكثر من سفير عراقي يعمل في عاصمة الدولة التي حصل على جنسيتها، وأن مستشارين لرئيسي الجمهورية وإقليم كردستان يقيمون في عواصم دول جنسياتهم الثانية، ويقدّمون مشورتهم عبر “الإنترنت”. وبالطبع، أفرزت ظواهر كهذه مفاعيل سلبية على أوضاع البلد الأمنية والاجتماعية، وحتى السياسية، انتبه إليها حريصون على البلد وأمنه، وكان أن سعوا إلى إقرار تشريع يمنع ازدواج الجنسية لشاغلي المناصب السيادية والأمنية. ويحدّد المناصب السيادية والمواقع المدنية والعسكرية والأمنية المتقدّمة التي لا يجوز لمزدوجي الجنسية اشغالها، إلا بعد تنازلهم الصريح والمعلن عن جنسياتهم الثانية، إلا أن التشريع وئد وهو في المهد، بضغوط ممن يخشون أن يطولهم، وما تزال مسوّدة القانون في أروقة البرلمان، بعد أن أجل النظر فيها مرّات.
لا يملك العراقي إلا أن يأمل أن يتحرّك الذين يزعمون تمثيله في إطار البرلمان القائم لإعادة وضع التشريع المقترح على طاولة البحث من جديد، تمهيدا لإقراره، خصوصا وهم في السنة الأخيرة من ولايتهم التي لن يبقى لهم بعدها سوى ذكر الناس لهم، والذي نتمنى أن يكون طيبا!