تتبع الكاتبة مريم الخاطر في المقال خطة حصار قطر المبيتة على ألسنة المتآمرين أنفسهم، فالأحداث والتغريدات الاستباقية والمتزامنة تكشف ترابطاً فريداً بين شهادة الشهود وما نشر فيها وعنها. ما يؤكد أنه كانت هناك في 2014 وقبله خطة مبيتة تطبخ لقطر.

سئِل نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع (ووزير الخارجية السابق) القطري، خالد العطية، في برنامج “الحقيقة” في تلفزيون قطر، الأحد الماضي (19/11) عن أزمة سحب الإمارات والسعودية والبحرين سفراءهم من الدوحة في العام 2014، وما أشيع بشأن عدم التزام قطر باتفاقية الرياض. فأجاب بعد شرح واف: “تأكد لدينا أن ما قامت به الدول في عام 2014 تجاه قطر لم يكن نوايا، بل خطط مرتبة سلفاً” وذكر أن اتصالاً هاتفياً جاءه، وهو في الاجتماع الوزراي الخليجي، قبل يوم من قرارهم ذاك، يخطره بالنوايا المبيتة والمسبقة لسحب السفراء وإغلاق الحدود البرية وإيقاف التعامل مع المؤسسات المشتركة. وأوضحت المقابلة التلفزيونية مع العطية أن خلفية الأحداث في 2013 التي كشفها مهمة جداً لتحليل أزمة 2014 بل والأزمة الراهنة منذ 5 يونيو/ حزيران الماضي، فغرض التحركات، كما قال، هو إحداث صدمة في محاولة لتطويع قطر في ظل الحكومة الشابة، لتتخلى عن كل مبادئها، ولتكون تابعاً، وأفاد أنها أيضاً، امتداد للمحاولة الانقلابية في قطر عام 1996 التي وَعَدَ الخارجيون فيها، بعد فشلهم آنذاك بـ “بجولة أخرى”، فالغرض “واحد لكن التكتيكات اختلفت”.
التاريخ شاهد عدل، ولو غفل عنه أهل الزور عمداً، وتجاهله الخائنون فجوراً، فمحرك البحث غوغل سجل كل شيء، إذ نوهت الأخبار حينها إلى أن 5 مارس/ آذار 2014 هو اليوم الذي سحبت فيه الدول الثلاث سفراءها من الدوحة، بعد يوم من اجتماع المجلس الوزاري لدول مجلس التعاون الخليجي، في الرياض، وانتهى ببيانٍ لم يبدُ فيه خلاف يستدعي سحب السفراء. وأستحضر هنا، وفق التتبع التاريخي للأرشيف على “تويتر” السؤال: هل هي نوايا أم خطط مبيتة؟
لم تنتظر الإجابة كثيراً، ففي 5 مارس/ آذار تم سحب السفراء من قطر، في تغييب للوعي 
“أمرٌ يدار تويترياً وإعلاميّاً وتخطيطاً من أبوظبي ومكانيّاً وتنفيذيّاً من الرياض”

بشأن ما لا نعلم، هل ما نوقشت في اليوم السابق كانت اتفاقيةً أم لا؟ خصوصاً وأن أول من دنس بنودها هم الدول المنتهكة لقطر، ولم تكن قطر (الضحية) العضو الخليجي الذي كشف بنودها، وإنما تسريب دول الحصار لوكالة “رويترز” لها وللاتفاقية المكملة، الأمر الذي كان الضارّة النافعة، لتكون واحدةً من مئات الأدلة على الغدر المبيت على قطر، والخذلان لا يأخذ مواعيد، بل لا يصاحبه سوى الافتراء، كما حدث ليلة قرصنة وكالة الأنباء القطرية ليل 24 مايو/ أيار 2017، وليلة القطيعة في 5 يونيو/ حزيران، وقد لوحظ أن الغدر الخليجي “مخاوي الليل” دائماً.
دعونا نتتبع الخطة على ألسنة المتآمرين أنفسهم، فالأحداث والتغريدات الاستباقية والمتزامنة تكشف ترابطاً فريداً بين شهادة الشهود وما نشر فيها وعنها ذلك الوقت. نعم، كانت هناك في العام 2014 وقبله خطة مبيتة تطبخ لقطر؟ كيف؟ قبل سحب السفراء فعلياً من الدوحة بشهرين، غرد نائب رئيس شرطة دبي، ضاحي خلفان، بعدد من التغريدات، منها: “دول الخليج الكبرى ستقول سلام مصر أولاً” و”عام 2014 دولة خليجية ستكون تحت طائلة المواجهة مع جيرانها”. ووصف ناشطون هذه التغريدة بأنها ترتب سلفاً لشأن خليجي خلف الكواليس. وتساءلت صحف في عناوينها: سحب السفراء نبوءة أم مؤامرة من ضاحي خلفان؟ وفي يناير/ كانون الثاني 2014، حين غرّد خلفان لم يكن معلوماً ما هي الدولة الخليجية، غير أن الناشطين الخليجيين على “تويتر” لم يتركوا هذه التغريدة لتجري على علاتها، ولم يكونوا بسذاجة القطيع التي تريد لهم دول خليجية محاصِرة أن يكونوا عليها. فجاء السوال: “أتقرأ الكف يا ضاحي؟”، فأجاب: “إنني منجم.. اقرأ جرائد، لكن اعتبرني أحد الموظفين القدامى في CIA، وذلك لتوافق ما أقوله مع الواقع”. وفي 5 مارس/ آذار 2014، أي بعد شهرين من تغريدة ضاحي تلك، هو يوم سحب السفراء، إلا أنّه بدا أن الأزمة دبّرت بليل، فجاء رد ناشط عُماني على خلفان: “طيّب ويش اسم الدولة ؟؟ عُمان؟”، فكانت إجابته: “عُمان دولة كبرى”.
وبدا المغرّدون العُمانيون على درجةٍ عاليةٍ من الوعي، فكانوا للتغريدة هذه بالمرصاد، لعلمهم بخلفية النوايا السلبية في طيات التاريخ السياسي بين الإمارات تجاه بلدهم، فلم يتركوا تغريدات ضاحي خلفان جزافاً، بل أصبحت مادة نقاش خصبة لأشهر، وفي أقوى منتديات الإنترنت الخليجية “سبلة عُمان”، وسموا القضية :”قطر وخلاف العصر”، وربط أحد المدونين التغريدة بالتخطيط المبيت في القول: “تغريدة تنبؤية واحدة خطّت بثقة عالية، أوضحت أن ما جرى لم يكن نتاج حدثٍ عابر، أو تدخلات مصطنعة، أو تمويل مجموعاتٍ أو دعم لهم، بل كان الأمر مدبّراً بليل ومنذ فترة طويلة. إذا ما تم قياس التغريدة السابقة على جوانب التحليل والتنظير السياسي المستقبلي، سنكتشف مقدار التأكد لدى خلفان من أن دولة خليجية ستسقط نتيجة مؤامرة أخواتها، فلقد خلت هذه النبوءة من أي ألفاظ ك: قد أو ربما، والتي تعطيها بعضاً من نسب التحقق، لا الحقيقة المطلقة”. وناقشوا في منتدى “سبلة عمان” أيضاً مؤشراتٍ أخرى لتغريدات طامح “مجتهد أبوظبي”، فكتب أحدهم: “الخلاف الخليجي اليوم وحالة الاستقطاب ذكرها طامح قبل انقلاب مصر.. بل وذكر الأشخاص النافذين، واليوم نشاهد ذلك على أرض الواقع، أياً يكن ماهية طامح، وعلاقته بمصادر حساسة، لكن المشهد السياسي أو 80% منه اليوم قد رسمه قبل عام كامل من حدوثه”، وعرض تغريداته تحت وسم #سري جاء فيها:
“#سري قابوس يرد على محمد بن زايد وسعود الفيصل “إن كنتم تريدون طرد قطر، فإنني 

“أدلة كثيرة على الغدر المبيت على قطر، والخذلان لا يأخذ مواعيد، بل لا يصاحبه سوى الافتراء”

سأكون أول الداعين لتكوين حلف عربي خليجي قطري بعيداً عنكم”. “#سري سعود الفيصل طرح مبادرة طرد قطر من مجلس التعاون الخيلجي، وطلب تأييد قابوس لذلك. “#سري طار سعود الفيصل إلى الإمارات واصطحب معه سيف بن زايد إلى دولة #عُمان، بعد فشل إقناع صباح الأحمد بضمه لتحالف الشر الخاص بهم. كما ضج “الخط الزمني” آنذاك في “تويتر” حول غموض تغريدات ضاحي الاستباقية، فيما سميت مؤامرةً، كان هو بوقها، فصدر ناشطون خليجيون تغريداتٍ وجهوها إلى ضاحي، من أمثلتها: ضاحي خلفان يلمح بخبر قبل شهرين. واليوم تم #سحب_السفراء_من_قطر.. هل بدأت المواجهه!؟، ضاحي خلفان مهوب سهل #الرياض #الإمارات. ضاحي خلفان متحدثاً عن عزلة #قطر في تغريدة له قبل شهرين! #سحب_السفراء_من_قطر. على الشعب في #قطر أن يعرف تماماً أن 2014 هو عام المؤامرة عليه.. وأن يأخذ الحكمة من المجنون ضاحي خلفان. .. وليست هذه التغريدات السياسية اعتباطية، وليست لغطاً من نافلة القول، ولا قراءة كفّ أو فنجان، فالتصريح بحدث لو جاء بـ”قد” و”ربما ” لحمل أساليب تعطي معنى التنبؤ أو التوقع، ولكنها خلت (التغريدات) سابقاً ولاحقاً من كل ذلك، لتترك لحصافة القارئ إعمال عقله في الفرق الدقيق بين “المؤامرات” و”التبنؤ”، خصوصاً وأن “تويتر” بات مؤشراً سياسياً على قوة استخدام الشخصيات العامة والسياسيين الكلمة الإلكترونية E word of mouth، بل تعد التغريدات إضافة مكتوبة محفوظة في أرشيف دولي (لا تسقط بالتقادم) تضيف إلى الشواهد العيان، ليس فقط حجم التدخل السافر لدول الحصار في الشؤون الداخلية، ولا على النوايا المبيّتة فحسب، بل على الخطط العدوانية المسبقة ضد قطر، تبيّن بعدها أن ما سميت “اتفاقية الرياض” ما هي إلا مناورة سياسية لانتهاك سيادة قطر، وأخذها على غرة لتطويعها، فما أثبتته الأحداث، ليس فيها فحسب، بل وفي قمة الرياض الملقبة “الأميركية -الإسلامية” التي انتهكت بعدها حرمة قطر، أرضاً وحكومة وشعباً، فيما بدا للمحللين أنه أمرٌ يدار تويترياً وإعلامياً وتخطيطاً من أبوظبي، ومكانياً وتنفيذياً من الرياض، وفيما عُيّنت له الجزيرة الصغيرة، وعلى لسان وزير خارجيتها “المتحدث الرسمي”، بل وكتيبة المقدّمة لأي إجراء استباقي غادر ممن يسمون أنفسهم “الكبار” ضد قطر.
Twitter: @medad_alqalam