عندما يهدد زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ، أعداءه، ويتوعدهم بالويل والثبور، فهو يملك قوة الردع التي تجعلهم يهابون تهديداته، ويحسبون ألف حساب لتصرفاته، ويخشون من أي طيشٍ قد يصدر عنه، على غير أمر ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان.

يذهب كتابٌ ومحللون كثيرون إلى عقد مقارنات ما بين ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، والرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ. ويتمثل وجه الشبه بين بن سلمان وبوتين في القبضة الحديدية والصرامة التي يدير بها كل منهما سياسة بلاده، وخصوصا تعاملهما مع رجال أعمال بلديهما لإجبارهم على “الدفع” من أموالهم التي يعرفون أنهم حصلوا عليها بطرقٍ تسمح بابتزازهم. لكن الفارق الكبير، على الرغم من وجه الشبه هذا، أن بوتين، كيفما كانت المؤاخذات على ديمقراطية بلاده، فهو رئيس منتخب، صنع من بلاده قوة عالمية كبرى، يُحسب لها ألف حساب، بناها على أنقاض إمبراطورية “الاتحاد السوفييتي” المنهارة.
أما المماثلة مع شي جين بينغ، فتأتي من باب طريقة محاربة الفساد، عندما أقدم ولي العهد السعودي على اعتقال أمراء ورجال أعمال وشخصيات نافذة اتهمها بالفساد. وهناك من ذهب إلى تشبيه “حملة تطهير” بن سلمان بالحملة ضد الفساد التي يقودها الرئيس الصيني في بلاده منذ سنوات، وبناءً على مقررات من الحزب الشيوعي الصيني. لكن مرة أخرى، يتحرك شي جين بينغ وفق خطة يرسمها الحزب الذي يبقى السلطة الأولى في البلاد، على الرغم من وجود بينغ على رأسه. كما أن الحملة الصينية ضد الفساد تهدف إلى تطهير الإدارة من الفساد، ولا تستهدف رجال أعمال ناجحين، أو شخصيات معروفة فقط، لتصفية حسابات سياسية في إطار الصراع داخل بيت السلطة، كما يحدث اليوم في السعودية.
ولي العهد السعودي أبعد من أن يكون بوتين، لأنه لا يملك خبرة ولا ملفات رجل مخابرات
“غرور المال السهل يجعل كيم جونغ السعودي يعتقد أنه قادر على تدمير العالم وإعادة بنائه”

 “كي جي بي” الذي يتقن كيف يضغط على معارضيه، ويبتز خصومه، ويستحلب أغنياء بلاده، بدون ضجة تثير الشكوك في خلفيات قراراته، وتبعث الخوف حتى في المقرّبين منه، وتنفر المستثمرين من بلاده. كما أن محمد بن سلمان لا يمكن أن يكون شي جين بينغ السعودي، لأن الأخير عندما يحارب الفساد في الصين يعرف أنه يُسند ظهره بدعم حزبه الشيوعي الذي يبلغ عدد منتسبيه 88 مليون عضو. والأهم أن مواطني بلاده يعرفون أن ذمة رئيسهم بريئة من كل فساد مالي فاحش، فلا يمكن أن تكون فاسدا بشكل فاحش، وتحمل لواء محاربة الفساد.
ومع ذلك، يتشابه الثلاثة في أنهم حكام مستبدّون يستعملون “محاربة الفساد” للقضاء على معارضيهم، وتوطيد قبضتهم الحديدية، وإذا كان الرئيسان، الروسي والصيني، يحكمان بالفعل أكبر إمبراطوريتين في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية، فإن ولي العهد السعودي في بداية تلمس طريقه على درب هذين المستبدّين الكبيرين.
لكن مهلا، هناك رئيس دولة أخرى يمكن أن مقارنته بولي العهد السعودي. إنه كيم جونغ أون زعيم كوريا الشمالية. فالرجلان يشتركان في أشياء كثيرة، ما زال كل منهما فتًى غِرًّا لم تعرُكه التّجاربُ، ومزاجهما متقلب يصعب ضبط تحولاته، وقراراتهما فجائية لا يمكن توقعها أو التنبؤ بها، ومغامراتهما بلا حدود ولا سقف، تخيف وترهب حتى أقرب الناس إليهما. يريدان الحكم بقبضةٍ من حديد، ولا يمكن إشباع تطلعاتهما السلطوية التي يسري في دمهما “جين” الاستبداد.
وهناك ما يجمع بين كيم وبن سلمان، فكلاهما يدرك أن استقرار الوضع الإقليمي ليس من مصلحة استقرار حُكمه الاستبدادي، فلا بد من البحث عن “الجار العدو”، المتربص دوما بوحدة البلاد واستقرارها. ولا بد من البحث عن عدو خارجي كبير، لحشد التعبئة الداخلية، وتجييش الرأي العام، حتى لا يُلتفت إلى أخطائهما أو تُنتقد تصرفاتهما، فـ “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، حتى لو كانت مجرد معركة من فقاعاتٍ إعلامية. وهكذا يدّعي كيم أنه يواجه أميركا، ويرفع بن سلمان لواء الحرب ضد إيران، وكلاهما يعرفان أن الدخول في حرب مع أعدائهما تعني نهاية نظاميهما ودمار دولتيهما.
وعلى الرغم من كل نقاط التشابه والمقارنة التي يمكن عقدها بين رجلين يحكمان بمزاجهما، وتغلب عليهما نزواتهما في امتلاك زمام السلطة، والاستحواذ عليها، يظل هناك فرق كبير

“كلاهما (كيم وبن سلمان) يعرفان أن الدخول في حرب مع أعدائهما تعني نهاية نظاميهما ودمار دولتيهما”

بينهما، فزعيم كوريا الشمالية نجح في القضاء على كل معارضيه، واستتب الأمر بين يديه، بينما يؤسس محمد بن سلمان لعهده في انتظار تنصيب نفسه حاكما مستبدّا لبلاده داخل وسط معادٍ، يتكون من سبعة آلاف أمير، من دون الحديث عن معارضين من كل شرائح المجتمع. يضاف إلى ذلك أن التصعيد الإعلامي والتهديدات المتبادلة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة الأميركية كشفا إلى أي حد أن كيم جونغ، وعلى الرغم من “رعونة” تصريحاته ضد أعدائه، لم يزجّ بلاده في أية حرب، على الرغم من وقوف أغلب دول العالم ضده، ولم يرسل طائراته أو صواريخه لتقتل أبناء شعوب فقيرة ومعدومة، كما يفعل بن سلمان في اليمن. وهو أيضا يعرف كيف يكفُّ يده، عندما يتعلق الأمر بالضغط على زر الحرب مع أميركا التي إن قامت فستُنهي حكمه وتدمر بلاده، في حين نجد أن كل أجندة بن سلمان قائمة على عقيدة واحدة، هي دق طبول الحرب ضد إيران.
وأخيرا، عندما يهدد كيم جونغ أعداءه، ويتوعدهم بالويل والثبور، فهو يملك قوة الردع التي تجعلهم يهابون تهديداته، ويحسبون ألف حساب لتصرفاته، ويخشون من أي طيشٍ قد يصدر عنه. أما بن سلمان فكشفت حربه في اليمن، المسنودة دوليا والمدعومة عسكريا من دول عربية، عن هشاشة وضع بلاده العسكري التي فشلت طوال عامين في القضاء على من تصفها “مليشيات” متمرّدة أصبحت صواريخها البدائية تهدّد عاصمة بلاده!
وعلى الرغم من كل نقاط الالتقاء والتشابه بين الرجلين، يبقى هناك فارق أساسي كبير بينهما، هو أن كيم جونغ الكوري الشمالي يعرف متى وكيف يكبح نفسه بنفسه، أما كيم جونغ السعودي فغرور المال السهل يجعله يعتقد أنه قادر على تدمير العالم وإعادة بنائه… احذروا من محمد بن سلمان، فهو أخطر على السلم العالمي من كيم جونغ!