57cae40f-24c6-4f0a-8cf6-a38214a1a071.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

باسل طلوزي

كانت البحرين تسقط الجنسية عن المعارضين وتطردهم خارج البلاد، لمجرد الاختلاف في الرأي. ونظام الأسدين في سورية كان يجرّد المعتقل السياسي من حقوقه المدنية التي لا تختلف كثيرًا عن إسقاط الجنسية، لمجرد أنه اقترف جرم “المعارضة”.

هل تسمح لي حكوماتي العربية أن أكون “داعشيًّا”، لمرة واحدة فقط، وأعدها بعد ذلك أن لا أكرّر التجربة؟ أو حتى لو أدمنت “الدعشنة”، فما الضير لو أنها تحلت بالصبر على ابنها الضال، وأخضعته إلى جلسات إعادة تأهيل، وصبرت عليه إلى أن يثوب إلى رشده. فلتفترض أنني مدمن مخدرات قرر أن يتوب، وراح يبحث عن مراكز علاج، فلماذا تغلق في وجهه كل الأبواب؟
الواقع أن هذا الافتراض لم يصدر من رغبة “إرهابية” لديّ، بل من حقيقةٍ واقعيةٍ، قوامها أن آلاف المقاتلين الداعشيين العرب في سورية والعراق يرغبون بالعودة إلى بلدانهم، لأسباب شتى، منها هزائمهم المتوالية، ومنها صحوة الوعي المغيّب عقب اكتشافهم مبلغ الخديعة التي وقعوا في براثنها، حين قرّروا تلبية نداء دعاة السوء، فتورّطوا في حروب “الإخوة الأعداء”، وها هم يقفون اليوم على أبواب بلدانهم التي ترفض عودتهم إليها، خشية انتقال “فيروس الدعشنة” إليها عبر هؤلاء الأبناء، المشكوك في ولائهم. وينسحب الرفض على جميع الدول العربية بلا استثناء، التي باتت تفضل أن يحترق هؤلاء في أماكنهم، على السماح بعودتهم.
في المقابل، أعجب من دولة أوروبية، مثل ألمانيا، تسعى جاهدة إلى استعادة مقاتلة داعشية من جنسيتها أسيرة لدى السلطات العراقية، عقب معركة الموصل، وكذا فعلت دول أوروبية أخرى، لم تغلق أبوابها أمام أبنائها العائدين من جحيم “داعش”.
ولعل السؤال المطروح هنا: هل تسقط جنسية المواطن بارتكابه جرمًا خطيرًا ؟ وهل يحق للدولة تجريده منها لأي سبب كان؟
الجواب: “نعم” في الدول العربية فقط، تعتبر السلطة نفسها صاحبة الولاية العامة في المنح والحجب، والإنعام والإعدام، فالبحرين كانت تسقط الجنسية عن المعارضين وتطردهم خارج البلاد، لمجرد الاختلاف في الرأي. ونظام الأسدين في سورية كان يجرّد المعتقل السياسي من حقوقه المدنية التي لا تختلف كثيرًا عن إسقاط الجنسية، لمجرد أنه اقترف جرم “المعارضة”، وعلى ذلك قس.
أتساءل، أيضًا، ما ردّة الفعل التي تتوقعها الأنظمة العربية من هؤلاء الداعشيين العالقين على حدود بلدانهم، إذا استمر إغلاق أبواب “الجنة” في وجوههم، ولم تسمح لهم حكوماتهم بالعودة؟ هل تلومهم بعد ذلك إذا تحولوا إلى أحزمةٍ ناسفةٍ لا يزنّرها حول خصورهم دُعاة السوء هذه المرة، بل يأسهم من بلدانهم التي رفضت احتضانهم، وقد جاؤوها بأقدامهم نادمين.
الأَوْلى بهذه الأنظمة، إذن، أن تفتح ذراعيها لأي داعشيٍّ نادم، ولها أن تحاسبه قضائيًّا إن شاءت، فهذا حقها، لكن ليس من حقها أبدًا أن تجرّده من جنسيته، وترفض استقباله، على اعتبار أن هذه الأنظمة تمثل “الفضيلة” المنزّهة عن الكبائر والأخطاء الكارثية، وعليها أن تتذكّر أن لهؤلاء أبناء وأسرًا في بلدانهم. وقد يرى الابن مصير أبيه المنبوذ خارج الحدود، فتستقر الكراهية في قلبه الصغير ضد الوطن ومجتمعه، ويتعين عليها أن تتعلم من سلوك ساسة أوروبا، وهي المغرمة بهم، كيف يحرصون على مواطنهم، ضالًّا أو قويمًا، مجرمًا أو صالحًا، على قاعدة الأمومة والأبوة، لا على قاعدة السيد والعبد.
أما الأهم، والمحظور نشره، أن هذه الأنظمة نفسها، هي من أسهمت بـ”دعشنة” هذا النفر الضال، بفعل استبدادها وقمعها المزمنيْن. وكان عليها أن تتوقع ظهور مثل هذه الجماعات العدمية من بين أبنائها أنفسهم، ممن يشبهون عدميتها هي في أساليب حكمها واستهانتها برعاياها وحقوقهم، ومنها من تواطأت على تسريب هؤلاء المقاتلين إلى مناطق الأزمات؛ لمآرب عدة، ليس أبسطها “الخلاص من شرّهم”، ولا آخرها نشر الفوضى والقضاء على الربيع العربي، ومن ثم عليها أن تقبل بضاعتها التي رُدّت إليها، لعلها تعتبر هي من الدرس، وليس الأبناء الضالون وحدهم.

إعجاب تحميل...