تبقى أرواح السوريين المكلومة التي تحتاج إلى ترميمٍ، بدايته التيقن من أن منظومة بوتين الإستبدادية ومنظومة الأسد الإستبدادية شريكان، شعب سورية المختلف على الضفتين ما هو شريك لهما، ولا لإيران أو تركيا أو السعودية أو أي جهة أخرى.

فَرِحَ بعض السوريين لاستخدام الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، “الفيتو” العاشر لحماية نظام بشار الأسد. وحزن آخرون حزناً شديداً؛ فهناك مَن يحمي الذي قتلهم ودمّر حياتهم. ذلك هو التقسيم الحقيقي؛ إنه في الأرواح، لا في الجغرافيا أو الملّة. هناك مَن يزوّر مستخدماً “حق القوة الغاشمة”، لا “قوة الحق الخيّرة”، ليزيد انقسامهم. يفعل ذلك لا ليحميهم، بل ليحمي قاتل أهلهم؛ ومستعدٌّ أن يقتلهم في اليوم التالي، إذا هم أصبحوا مثل إخوتهم وأهلهم. بوتين مؤقت في سورية، وكذلك سلطة الإستبداد التي يحميها. “الأبدية” انتهت إلى غير رجعة منذ العام 2011. تبقى أرواح السوريين المكلومة التي تحتاج إلى ترميمٍ، بدايته التيقن من أن منظومة بوتين الإستبدادية ومنظومة الأسد الإستبدادية شريكان، شعب سورية المختلف على الضفتين ما هو شريك لهما، ولا لإيران أو تركيا أو السعودية أو أي جهة أخرى.
لم يكن وجود السوريين أو بقاؤهم بالميزان كما هو اليوم؛ خصوصاً أن آخر هموم العالم حياتهم وحياة بلدهم. اليوم، واضح أن السوريين مختلفون في كل شيء، وعلى كل شيء، وحول كل شيء. لن أتعمق في بحث الأسباب؛ لأن ذلك سيعمق ويعقد ما يمكن أن يتم ترميمه من أجل عودتهم وعودة بلدهم إلى الحياة. سأنظر في أوجه الاختلاف، في مواضيعه، في زوايا الرؤية؛ وفي البحث عن طرقٍ للحد أو التخفيف من الفجوات بينهم؛ كي يلملموا ما تبقى من أرواحهم.
هناك الخلاف الكلّي في مواضع، والنسبي تجاه أخرى؛ وهناك قضايا لا خلاف عليها بينهم، كيفما وأينما كانت أو تموضعت زاويا رؤيتهم. أرى أنه إذا جعلنا من الصنف الثالث (أي النقاط التي لا خلاف عليها) أهدافاً لا بد من تعزيزها والبناء عليها؛ ومن النقاط التي عليها اختلاف نسبي قضايا لا بد من التركيز عليها بحثاً وتفكيراً وتمحيصاً، لإجلاء غيومها وكدرها وتدرناتها المصطنعة؛ ومن تأجيل نقاط الخلاف الكلي إلى لحظة قوة السوري وتعافيه، وتسلحه بمزيدٍ من نقاط التفاهم؛ نكون قد ساهمنا بعودتنا جميعاً وبلدنا إلى الحياة.
“لا يختلف سوريان على أن لا قيمة للإنسان بلا كرامة؛ وأن الوطن جزءٌ أساسي من كرامة الإنسان”

لا يختلف سوريان على أن لا قيمة للإنسان بلا كرامة؛ وأن الوطن جزءٌ أساسي من كرامة الإنسان؛ وأن سجن السوري ليس وطناً ولا المقبرة وطناً، ولا تركيا أو لبنان أو الأردن أو أوروبا وطناً له. ما من سوري يريد أن يرى مَن يتحكّم بقرار الموت والحياة والسيادة في سورية سعودياً أو إيرانياً أو قطرياً أو أفغانياً أو أميركياً أو روسياً أو لبنانياً أو عراقياً أو أوروبياً. وبالتأكيد، حتى الموالون للعظم لبشار الأسد، لا يريدون أن يكون سيدهم ومن حوله مجرمي حربٍ، يُساقون إلى المحاكم الدولية، لأنهم رأوا أن بقاءهم يستلزم إلغاء الآخر. ليس هناك من سوري لا يتمنّى أن يتحرك بحرية وأمان في كل بقعة من أرض سورية.
يختلف السوريون في موقفهم تجاه الخارجي الذي تدخل في بلدهم؛ تتناقض سردياتهم تجاه الآخر تناقضاً مطلقاً: يرى بعضهم في تدخل حزب الله مهمة مقدسة كجزء من “المقاومة والممانعة” للوقوف في وجه “المؤامرة الصهيونية التركية الأميركية الخليجية” التي تستهدف النظام “المقاوم والممانع”، وظهير المقاومة التي تقف في وجه إسرائيل. ويرى هذا الفريق في التدخل الإيراني والروسي الهدف ذاته. وفي الضفة الأخرى، هناك من يرى أن كل تلك التدخلات لحزب الله وإيران وروسيا كانت من أجل الحفاظ على نظام قاتل مستبد، لا يقبل أن يقول له أي مواطن سوري “لا”.
يختلف السوريون، وينقسمون إلى ضفتين متناقضتين تجاه معالجة ما حدث وأسبابه، وطرق معالجته. لا أحد في ضفة النظام ومع سرديته يقبل بأن النهج العنفي الذي اختطه النظام لنفسه في ردع الحراك السوري السلمي وقمعه في أوله لم يكن مناسباً، ولم يكن مبرمجاً، لأن النظام في عقيدته الأساسية مبني على المواجهة الدموية مع أي تحدٍ داخلي يواجهه. ولا أحد من هؤلاء يقبل بأنه لم تكن هناك مؤامرة سعودية- تركية صهيونية – أميركية على ضرب سورية. عندما كثّف النظام حال من يقاومه بمقولة “الإرهاب”، وساق بها لتلتقي مع الهاجس العالمي من الإرهاب، اشترى هؤلاء المقولة، وساقوا بها وكأنها منزّلة. كان ذلك بالنسبة لهم وصفة إعجازية سحرية، دفعت العالم للاختيار بين نظام سيدهم والإرهاب. أضحت تلك المواقف وتلك السرديات صخوراً متكلسةً يصعب تفكيكها. إن ركز السوريون على الخوض في هذه المسائل، لن يصلوا إلى أية حلول داخلية؛ بل سيزداد الشرخ، وستكون شرذمة بلدهم تتم بيدهم، لا بيد أحد.
من هنا، لا بد من الارتحال قليلاً نحو ضفة الآخر. هناك من هم بين الضفتين؛ أحياناً يُطلق عليهم صفة الرماديين؛ لا ينجو هؤلاء من تقريع سكان الضفتين. من هنا، لا بد بعد محاولة اقتراب الضفاف من بعضها بعضاً من أن يتم التركيز على ما لا خلاف عليه. لا يأتينا الروس محتلين، لو لم تكن هناك إرادة ما عند صاحب البقاء على كرسي الدم، حتى لو زالت سورية؛ وهذا لا مصلحة لأحد به. ولا يتراخى الأميركيون الطامعون بإضعاف بلدنا من أجل إسرائيل مع الروس، لو لم يكونوا على ثقةٍ بأن الروس سيقومون بما يتمنى الأميركيون أنفسهم القيام به، لو لم يتبرّع الروس لأغراضهم وغاياتهم القيام به. وما إيران مغرمة بأمننا والحفاظ على أرواحنا أمام مطامحها بنشر أفكار الثورة الإسلامية. ولا تركيا مغرمة بالسوريين، لتقف هذا الموقف، فهاجسها الكردي فوق كل اعتبار لحياة أي سوري. وما الدول العربية بذاك الإيثار تجاه حياة سورية وأهلها لتقف هذه المواقف منّا؛ كان هاجسها إعطاء دروس لشعوبها، وجعلنا

“لا يأتينا الروس محتلين، لو لم تكن هناك إرادة ما عند صاحب البقاء على كرسي الدم، حتى لو زالت سورية”

ممثلة يُتَّعظ بها. ما معنى تلك الحنيَّة الإسرائيلية على جرحى الثوار، ليعودهم بنيامين نتنياهو في مشافي إسرائيلية أُسعفوا إليها؟ هل فكرنا بكم كان فاعلاً بالنسبة لإسرائيل ذلك الشعار الوحشي الذي أطلقه النظام: “أحكمها أو أدمرها”؟ من هو الأسد ليكون “هو” أو “سورية”؟ هل فكر من هم على ضفته بأن من المستحيل أن يكون إنسان أغلى من ثلاثة وعشرين مليون إنسان ومن بلدهم؟ متى كانت ثلة لا يتجاوز عددها المئة معظمها قاصر معرفياً، وحتى أخلاقياً، لتنطق باسم مَن نشدوا الحرية ووقف الاستبداد والدكتاتورية؟ كما التونسي أو الليبي أو أي قاعدي أتى ليقيم مملكة الله في سورية، لا مكان له فيها؛ لا مكان لمليشيات حزب الله وإيران وطائرات بوتين التي تدمر مدارسنا ومشافينا.
لا منطقة رمادية في سورية، ولا محايدة تجاه القتل والدمار من أي جهةٍ كانت، وخصوصاً من طائرات ومدافع وصواريخ، دفع السوريون دمهم ودموعهم لشرائها، لاسترداد حقوقهم المغتصبة من إسرائيل. لا يحق لنظام أن يوقع على صك استسلام لبوتين، لكي يبقى في السلطة. لن ينجي بوتين النظام ولا الموالاة، ونلاحظ أن مجرد انحسار تغطيته الجوية يكون الاندحار والهزيمة أمام الآلة الحربية الأخرى. لا يريد السوري الذي تهمه كرامته ووطنه وعودتهم إلى الحياة كل هؤلاء.
صحيح أن السوريين مختلفون. ولكن لا بد لما يجمعهم ولعقولهم أن تكون أقوى مما يفرّقهم. لو كان بشار الأسد، ومن يختبئ في ظلاله، قابلين للبقاء بعد كل ما حدث ليبقوا، ولو كانوا إلا استمراراً للنزف السوري ليبقوا، ولو كانوا إلا مصدراً لعار أبدي ليبقوا، ولو كان هاجسهم أي شيء إلا البقاء، حتى ولو عم الدمار (شعارهم يروي الحقيقة: “نحن أو الدمار”) ليبقوا. لكن ذلك مستحيل؛ لأنه الوصفة الأنجع لاستمرار المأساة والضياع الأخير. بقدر خلافاتهم وتباعدهم، وبقدر الدم والدمار، يمتلك السوريون من الصفح والسماح، والقدرة على التفكير بسمو أمام الهدف الأكبر (عودة سورية وأهلها إلى الحياة الكريمة) ليقولوا كلمتهم، وليوقفوا كل قول.