تلقت فرنسا فى العام 2015 أكبر هجوم على الجمهورية الفرنسية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، تهديد مباشر لقيم الجمهورية كما ارتئته السلطة الحاكمة هناك. 

تصاعد غضب شعبى ورسمى حدا بالسلطة لاتخاذ خطوات غير مسبوقة فى تاريخ فرنسا ضمن ما أسموه "الحرب على الإرهاب"، فبالإضافة للتحركات العسكرية لجأت الحكومة الفرنسية الى إجراءات أخرى أمنية وقانونية. اللجوء للطوارئ مَثل حلا فوريا لإحكام السيطرة الأمنية، تلاه المطالبة بتعديل دستوري وقانوني لإضفاء طابع دستوري على الطوارئ، بالاضافة لإسقاط الجنسية الفرنسية عن المتهمين بالضلوع في أعمال إرهابية من أصحاب الجنسية المذدوجة، حتى لو كانوا ولدوا على أرض فرنسية أي أصحاب جنسية طبيعية وليس مكتسبة.

وزيرة العدل الفرنسية كريستيان توبيراكانت صاحبة الرد الأقوى والأبلغ على مشروع قانون الجنسية الذي طالبت به الحكومة. كانت الوزيرة قد رفضت القانون سابقا، ثم أعلنت استقالتها من الحكومة في نفس اليوم الذى يقدم فيه رئيس الحكومة الفرنسية مانويل فالسمشروع القانون، وعبرت على حسابها على تويتر "أحيانا المقاومة تعنى البقاء، وأحيانا تعني المقاومة الرحيل من أجل ان تكون الكلمة الأخيرة للأخلاق والقانون".

ضربت الوزيرة المستقيلة نموذجا واضحا وقويا وملفتا في الدفاع عن الحقوق الأساسية والحريات العامة.

مَثل مشروع قانون إسقاط الجنسية سابقة تاريخية فى بلد ظل رافعا راية الحرية والإخاء والمساواة. حتى مع الاستقرارالراسخ للنظام السياسي الفرنسي والاستقلال القضائي نجد شخصيات سياسية تعترض وتستقيل كاشفة حكوماتها أمام الرأى العام.

أما في مصر فرغم غياب الاستقرار واختلال النظام السياسي وإلغاء الحقوق الأساسية في ظل سلطة انقلابية أطاحت انتهاكاتها ومذابحها بحقوق الإنسان، وبتوثيق من منظمات دولية تثبت هذه الانتهاكات، الا أنه يظل بعض الحقوقيون مصرين على التواجد والاستمرار فى المجلس القومى لحقوق الانسان.

حقوقيون ما كان لهم أن يقبلوا بالتعيين من قِبل تلك السلطة الانقلابية الباطشة (خصوصا أن التعيين تلى وتزامن مع مذابح السلطة في أغسطس 2013)، فالاستمرار في المجلس يمثل غطاء حقوقيا للانتهاكات غير المسبوقة التى تقوم بها السلطة، غطاء ينفى حجج تأدية الدور الحقوقي أو مزاعم فضح الانتهاكات، لأن الواقع يثبت عكس ذلك تماما، فلم نجد تقريرا صادرا من المجلس القومي لحقوق الإنسان يدين بشكل واضح وصريح انتهاكات السلطة في القتل والإخفاء القسري وفي التعامل مع المعتقلين، رغم التقارير الدولية المتعدة في هذا الشأن، ورغم شهادات بعض المفرج عنهم وكذلك أُسرالمعتقلين.

حتى إن أعضاء المجلس القومي لحقوق الإنسان لا يستطيعون زيارة تلك السجون والمعتقلات إلا بعد أن تسمح الداخلية وبترتيب مسبق، وقد حدثت حالات بمنع الدخول والزيارة بالفعل، بحسب كلام بعض أعضاء المجلس نفسه.

ها هي الوزيرة (المنادية باعتراف فرنسا بالجرائم ضد الإنسانية والرافضة للتمييز ضد الاقليات) أحد أقطاب اليسار الفرنسى تقدم المَثل والنموذج بالاستقالة لرفضها قوانين تهدد القيم الأخلاقية والحقوق الأساسية، أو كما عبرت هي بنفسها "أترك الحكومة بسبب خلاف سياسي أساسي.. أختار أن أكون مخلصة لنفسي ولالتزاماتي ولنضالي ولعالاقاتي مع الآخرين".

فهل يخلص حقوقيونا لنضالهم ولالتزاماتهم ويسيروا على نفس النهج؟