نشرت مؤسسة كارنيجى دراسة بحثية للباحثين «مروان المعشر وسارة يركيس»، والتى تتناول فيه ظاهرة الفساد باعتبارها قوة مزعزعة للاستقرار فى تونس، والتى تُلقى بظلالها على كل مستويات الاقتصاد والأمن والنظام السياسى، فضلا عن تقديم عدد من التوصيات لمكافحة الفساد.

بدأ الباحثان حديثهما بأن الأدبيات الأكاديمية والسياسية العامة تتفق على أن الفساد يعنى «سوء استخدام المنصب العام لأغراض التربّح الشخصى» إلا أن هذا التعريف فضفاض حيث يشمل العديد من النشاطات والتفاعلات، بدءا من الرشاوى الصغيرة إلى الفساد الكبير الممنهج. بيد أن القانون التونسى يعرف الفساد بأنه «سوء استخدام السلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية»، ومن ثم يشمل كل جرائم الرشوة بجميع أشكالها فى القطاعين العام والخاص، والاختلاس والتبذير والغشّ، والاستيلاء على الأموال العمومية، وسوء استخدام السلطة، وغسل الأموال.
ولقد أحرزت تونس خلال السنوات القليلة الماضية تقدما ملحوظا من إرساء مؤسسات سياسية ديمقراطية، وإضفاء الاحترافية على أجهزة الأمن لإنعاش قطاع السياحة. ومع ذلك، يُواصل الفساد كونه عدوى مؤذية تضع هذا التقدم وما سيتبعه فى مهب المخاطر. الفساد، الذى بات الآن لا مركزيا، يعصف بكل المجالات الاقتصادية والسياسية، وصولا إلى مسألة الإصلاح الأمنى نفسها، مما يقوّض الإيمان بالمؤسسات ويزعزع آفاق الفرص الواعدة.

الفساد له تأثير اقتصادى مباشر على معيشة المواطنين (عبر سرقة الأموال من خزائن الدولة ووضعها بين أيدى أفراد فاسدين)، كما يقوّض الفساد التنافسية فى الاقتصاد، ويعيق الاستثمارات وخلق فرص العمل. فضلا عن تأثيره على الأنظمة السياسية، حيث أنه يؤدى إلى تآكل الثقة بين الحكام والمحكومين، كما أن له تأثيرا سلبيا على سمعة البلاد دوليا ويساهم أيضا فى تدهور الخدمات العامة. وأخيرا، يمكن أن يولّد الفساد عدم الاستقرار، ويساعد على نحو غير مباشر المجموعات الإرهابية على تحقيق أهدافها.

من الواضح، استنادا إلى مقابلات مع ناشطين فى المجتمع المدنى ومسئولين حكوميين أنهم ينظرون إلى مكافحة الفساد من منظور مختلف. فالمسئولون الحكوميون يركّزون على عملية مكافحة الفساد التى انبثقت غداة الثورة، فى حين أن المجتمع المدنى أكثر تركيزا على مواجهة جرائم الماضى ومأسسة إجراءات مكافحة الفساد. من جهتها، تسعى الحكومة إلى معالجة التحديات الاقتصادية للبلاد وجذب الاستثمارات الأجنبية، من خلال توفير الاستقرار على الأمدين القصير والطويل. ووفق هذا الرأى، لا يكون الماضى مفيدا ويمكن أن يؤدى إلى توترات أكبر بدلا من أن يعزز الاستقرار. لكن المجتمع المدنى، على عكس ذلك، عمل منذ البداية كرقيب وحارس لعملية الانتقال الديمقراطى فى البلاد، ولذا فهو يرغب بإتمام هذه العملية من خلال محاسبة الماضى بهدف خلق مستقبل أكثر استقرارا. 

***

أضاف الباحثان بأن الحكومة التونسية والمجتمع المدنى أطلقوا العديد من المبادرات الهادفة إلى مكافحة الفساد. فقد شُكِّلت العديد من الهيئات الرسمية وغير الرسمية منذ 2011 للتصدّى إلى كلٍ من الانتهاكات السابقة ولمنع حدوث انتهاكات جديدة مستقبلا، كما جرى سنّ العديد من القوانين لمنع الفساد أو معاقبة الأفراد الفاسدين. بيد أن الهيئات الأساسية المكافحة للفساد تفتقد إلى الموارد المالية والبشرية التى تمكّنها من القيام بما انتُدِبَت له. ثم أن كثيرا من القوانين إما لم تر نور التنفيذ، أو أنها لن توفّر آليات المحاسبة الكافية لردع السلوك الفاسد على نحو فعّال.

شكلت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وهى المؤسسة الرسمية الحائزة على أوسع تفويض، فهى هيئة مخوّلة دستوريا، وأنيطت بها مهمة التحقيق فى كل أشكال الفساد، من الهدر والتزوير والانتهاكات، إلى غسيل الأموال وسوء استخدام المال العام. لا تستطيع الهيئة القيام بالملاحقة القضائية بنفسها، بل ترحّل القضايا التى تم التحقيق فيها إلى مكتب المدعى العام. فضلا عن تشكيل هيئة الحقيقة والكرامة والتى نفذت الجهود لتوفير العدالة لضحايا الفساد خلال حقبة ما قبل الثورة، من خلال عملية العدالة الانتقالية الرسمية فى تونس. هذه العملية فريدة من نوعها، من حيث أنها كانت «الأولى التى تعترف رسميا بالضرر الاجتماعى ــ الاقتصادى على أنه انتهاكات تتطلّب عدالة وتعويضات مالية».

تطرق الباحثان إلى ما أسموه «الحرب على الفساد» فى تونس حيث عندما تسلّم «الشاهد» رئاسة الحكومة فى أغسطس 2016 حمل شعار مكافحة الفساد. هذا الجهد استهدف كلّا من اجتثاث بقايا عناصر النظام القديم التى كانت لا تزال تعيث فسادا فى المجتمع التونسى، واعتقال أولئك الذين استغلوا فرصة فوضى ما بعد الثورة لإثراء أنفسهم. قال: «شعارنا اليوم هو: لا حصانة لأى كان فى مسألة الفساد، ولا اختباء بعد الآن وراء الغطاء السياسى. جرائم الفساد لن تمر». كوفئ هذا الجهد بتوقيف 15 شخصية تونسية بارزة ومصادرة أملاكهم وتجميد حساباتهم فى المصارف. 

هذا يستدعى السؤال التالى: إذا ما كانت جهود مكافحة الفساد تُمارس بأسلوب يبدأ من القمة نزولا خارج إطار العملية القضائية العادية، فهل هى قادرة على النجاح؟ ثم ليس من الواضح ما الخطوات التالية للحكومة فى ما يتعلّق بمسألة الفساد؟. وفى خطاب له فى 21 يوليو 2017 أمام البرلمان، ركّز «الشاهد» على أُناس بعينهم وليس على النظام/الجهاز ككل. وأضاف أن أولويات الحكومة تشمل تحسين المؤشرات الاقتصادية للبلاد، وإعادة الاستثمارات، ومكافحة البطالة. لكن، على رغم هذه الأهداف السامية، ليس من الواضح ما يعنيه على وجه التحديد قوله إنه ينوى إنجاز ذلك خارج الإجراءات التشريعية القائمة.

***

لعب المجتمع المدنى دورا حاسما فى تشكيل العملية الرسمية لمكافحة الفساد، حيث وضع الكثير من مشاريع القوانين الخاصة بمكافحة الفساد بالتشاور مع هيئات المجتمع المدنى المحلّية والمنظمات الدولية، على غرار برنامج الأمم المتحدة الإنمائى.

عمل المجتمع المدنى أيضا كهيئة رقابية على جهود الحكومة. لقد نجحت حملة «مانيش مسامح» فى رد ووقف مشروع قانون المصالحة الاقتصادية لمدة سنتين. وقد عملت هذه الحملة من خلال الاحتجاجات، والبيانات الرسمية، والتفاعل مع البرلمانيين، على رفع مستوى الوعى بمشروع القانون هذا، وضغطت على البرلمان من أجل تعديله. ويوضح أحد ناشطى المجتمع المدنى أن نجاح الحملة يعود بشكل كبير إلى كونها تمتلك رؤية واضحة ورسالة مقتضبة. لا تزال «مانيش مسامح» جهدا مُعزّزا بدعم الرأى العام، كما أن الحملة كانت ناجحة للغاية وتحظى بشعبية، إلى درجة أن العديد من الأحزاب السياسية انضمت إلى صفوف داعميها.

علاوةً على ذلك، قامت منظمات غير حكومية تونسية بتسليط الأضواء على الفساد. فقد أطلقت حركة «أنا يقظ»، وهى الفرع التونسى من منظمة الشفافية الدولية، سلسلة من المبادرات لتوعية الرأى العام حول قضايا متعلّقة بالفساد. وأجرت «أنا يقظ» تحقيقات حول الفساد، وأصدرت تقارير حول نشاطات الحكومة، ونظّمت مؤتمرات وندوات مع أطراف فى المجتمع المدنى والحكومة، وكان لها اهتمام خاص بالعمل مع الشبان التونسيين وبالتحرك لحماية مبادئ الثورة. هدف «أنا يقظ» كان ضمان شفافية التطورات السياسية ومكافحة الفساد، وتعتقد الحركة أن الفساد هو «أحد أسباب اندلاع الثورة».

نجح المجتمع المدنى أيضا فى تسخير الإعلام الاجتماعى والوسائط الإلكترونية لرفع مستويات الوعى وإخضاع الحكومة إلى المساءلة. وتدير منظمة غير حكومية محلية هى «البوصلة»، منصة رقابة على الانترنت تدعى «مرصد»، توفّر للجمهور والمجتمع الدولى مداخل سهلة إلى المعلومات حول العديد من نشاطات الحكومة..

لقد أدّى المجتمع الدولى دورا مهمّا فى الضغط على الحكومة التونسية لاتّخاذ تدابير جديّة لمكافحة الفساد، ومدّ يد العون إلى المجتمع المدنى فى الجهود التى يبذلها لمحاربة الفساد. فى الإجمال، تلقّت تونس من الاتحاد الأوروبى 1.3 مليار يورو (أى حوالى 1.5 مليار دولار) فى إطار الدعم الثنائى بين عامَى 2011 و2015، ومن الولايات المتحدة 281.4 مليون دولار فى الفترة نفسها. يهتم برنامج الأمم المتحدة الإنمائى أيضا بمسألة الفساد فى تونس، ويدعم الجهود التى تبذلها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ومؤسسات المجتمع المدنى.

يندرج بند «التحكّم فى الفساد» فى صُلب المعايير التى ينبغى استيفاؤها بحسب «مؤسسة تحدّى الألفية» الأمريكية، التى تدرس حاليا عقد اتفاق مع تونس. معروفٌ أنه لكى تصبح أى دولة أهلا لإبرام اتفاق من هذا القبيل مع المؤسسة، عليها أن تستوفى عشرة فقط من أصل عشرين مؤشرا تقع ضمن إحدى الفئات الرئيسية التالية: الحرية الاقتصادية، والحوكمة العادلة، والاستثمار فى الشعب. لكن من الضرورى أن يكون بند «التحكّم فى الفساد» من بين المعايير العشرة المستوفاة. ومع أن تونس استوفت كل المعايير المطلوبة، لكن من المستبعد أن يبدأ تنفيذ المشاريع التى يتضمّنها الاتفاق قبل عامين أو ثلاثة أعوام، ريثما يُستكمل تحديد خصائصه وميزانيته.

***

ختاما، يوجه الباحثان عدة توصيات لمكافحة الفساد والتى تمكن الحكومة التونسية من اتخاذ العديد من الإجراءات للتصدّى للفساد مثل تطبيق وإنفاذ القوانين القائمة، ووقف شخصنة عمليات مكافحة الفساد. علاوةً على ذلك، ثمة مهام أخرى (على غرار رقمنة العمليات الحكومية، وإعادة تنظيم البيروقراطية، ووضع استراتيجيات مستدامة للخروج من الاقتصاد غير الرسمى) وهى تُعتبر جهودا طويلة الأجل وتتطلّب موارد مالية ضخمة ومساعدات كبيرة من المجتمع الدولى. غير أن ما تحتاج إليه هذه التوصيات فى الدرجة الأولى هو وجود إرادة سياسية حقيقية، وهو ما يشعر الشعب التونسى بأنه مفقود. تتمثّل إحدى أكثر الطرق فعالية لمكافحة الفساد على المديين القصير والبعيد فى تعاون الحكومة مع المجتمع المدنى الذى أثبت أنه متفانٍ لهذا الهدف. ومع حصوله على تمويل مناسب من المجتمع الدولى، يمكن للمجتمع المدنى أن يدفع الحكومة إلى تطبيق وإنفاذ الإطار القانونى القائم، والعمل مع القطاع الخاص لتطوير أدوات لرقمنة العمليات الحكومية وخلق المزيد من الشفافية.

النص الأصلى 
http://ceip.org/2hw8zoY