لكل جيل مهمته التاريخية التي إما يختار أن يحملها وينجح فيها وربما يخفق، وإما يختار ألا يحملها على الإطلاق! ويظل التاريخ قائمًا على تلك الحقيقة، وبحسب قدرة هذا الجيل على تنظيم المعرفة والإرادة يتحقق نجاحه، فكلما كانت قدرته على تنظيم الوعي والفعل أفضل كان نجاحه أقرب إلى التحقق. ومن هنا فإنه لا بد أن يكون هناك جماهير قادرة على تنظيم حركتها، كما لا بد أن يكون هناك صفوة تمثل طلائع هذه الجماهير القادرة على تنظيم المعرفة والوعى يتكاملان فيما بينهما.

والصفوة تختلف عن النخبة، ذلك أن النخبة تأتي من أعلى، وقد تكون منقطعة الصلة مع الجماهير؛ بل قد تحمل منظومة قيم مخالفة عنها، وهو ما ابتليت به أمتنا، أما الصفوة فهم طلائع من الجماهير يحملون قيمهم وثقافتهم، ولكنهم من حيث القدرات المعرفية أكثر وعيًا ورشدًا.

والأمة العربية والإسلامية تعاني من ضعف القدرة على توليد الصفوة من مفكرين وفلاسفة يشكلون طليعة هذه الأمة، مما يؤدي بنا إلى خلل في الحقل المعرفي، كما يؤدي هذا الخلل إلى اضطراب في الحركة ينتج عنه في النهاية تخبط وتيه ثم فشل ويأس من التغيير، ذلك الأمر مرده إلى عدة إشكاليات ترتبط جميعها بالصورة المجازية للمهدي المنتظر، فالجماهير تعتقد أن من ينبغي عليه أن يقودها لا بد أن يتسم بخصائص وسمات ذلك المهدي وهو شخص قديس مثالي يأتي من الماضي أو من خارج الزمان! وتلك النزعة والمبالغة في التقديس وتأليه الأصنام تجعل من الصعب؛ بل المستحيل إعطاء القيادة لإنسان طبيعي.

من هنا نرى ذلك التجريح المتعمد لكل رمز قد يمثل طليعة، فإذا بمجرد سقوط ذلك الرمز في خطيئة ما أو ارتكب خطأ ما، فإذا بسيل من الانتقاد والإسقاط الممنهج يساق ضده حتى تنهار مكانته في نفوس الناس وربما تنهار مكانته في نفسه أيضًا؛ لأننا نعاني ذلك التصور المثالي للشخصية القيادية التي لا بد أن تكون كاريزمية وكاملة من كل النواحي! من هنا يتاح للرويبضة الحديث وتصدر المشهد لأنهم أقدر الناس على تزييف حقيقتهم والظهور بشكل مثالي حتى في خطأهم!

ولأننا نؤمن بأن هناك حق مطلق يقيني! في حين أن الأمر ليس إلا وجهات نظر قد تكون جميعها على صواب؛ لأن الإنسان لا يخترع الواقع، وبالتالي فكل وجهة نظر تمثل زاوية الرؤية التي يرى كل منا الحقيقة من خلالها، ومن ثم يمكن أن تتكامل وجهات النظر بدلًا من أن تتصارع ويقصي بعضها بعضًا،

ذلك أصاب الثقافة والمثقفين بعدة سمات وأمراض سلبية، فالفكر العربي وفق كثير من الانطباعات يعاني من الانقطاع وعدم الاتصال، فلا يكمل بعضه بعضًا، كما يعاني من الاندفاع والفوران العاطفي اللاعقلاني والتعصب في غياب شبه تام للموضوعية، وهو دائري يعيد ويزيد في القضايا نفسها دون أن ينتهي لنتيجة ولا إلى حل ثم سرعان ما يعاد فتح القضايا نفسها مجددًا بعد فترة! ناهيك عن ذلك الانقسام المرير بين فكر شديد النخبوية وآخر شديد الشعبوية، الأول يخاطب نفسه والثاني يسترضي الجماهير حتى ولو على حساب المبادئ والقيم!

أما المثقف العربي فهو في كثير من الأحيان مصاب بالنرجسية والاستعلاء، وكأنه قد انفتحت له مغاليق الأمور وامتلك العلم الذي لم يسبقه إليه أحد من العالمين أو بالفوبيا المرضية من كل ما هو جديد أو مخالف لوجهة نظره، فكل شيء يتم تفسيره بنظرية المؤامرة، وبأن هناك حربًا عالمية تستهدفنا، وهناك مخططات جبارة وضعتها عقول جبارة هي السبب في نكبتنا الثقافية والحضارية! فضلًا عن نزعتي التمرد والرضوخ، فإما نجد مثقفين يشهرون سيوفهم على كل مخالف ويتلذذون بتعذيبه معنويًا، وهم ينطبق عليهم المثل الشعبي «خالف تُعرَف»، وإما نجد مثقفين مستسلمين تمامًا خاضعين للواقع وللسلطة الحاكمة، وهم ما يطلق عليهم مثقفي السلطة.

ولأن المهدي المنتظر مرتبط بالماضي؛ فإن ذلك من الإشكاليات الأخرى؛ فالأمة غالبًا ما تضع نقطة بدايتها في الماضي لا المستقبل، وإن كان الزمان غير منفصل ولا متقطع، فالماضي والحاضر والمستقبل يوجدون معًا في كل لحظة من لحظات الوجود الإنساني، فإن نقطة البداية تكون في المستقبل لا الماضي، ذلك أن الموجود الإنساني عندما يولد فهو يسير إلى الأمام وحركة التاريخ تسير إلى الأمام، لا يعني ذلك غياب الماضي أو الحاضر، إنما يعني أن الرؤية لا بد أن تكون مرتبطة بالمستقبل لا الماضي، فليس المهم ما كنت عليه؛ بل الأهم ما سوف تصير إليه.

ونحن دائمًا ما نتغنى بالماضي وروعته ولا نكترث بالمستقبل، مما يجعل لحظات الحاضر بلا أي معنى؛ فالحاضر بالنسبة لنا ليس سوى لحظة ننتظر مرورها كي نضعها في جدار إنجازات أو إخفاقات الماضي فحسب! وكل جيل عليه أن يحدد علاقته بالماضي والمستقبل في آن واحد، وهناك من يختار الثورة على الماضي والتراث والتقاليد كلها متطلعًا إلى المستقبل فقط، وهناك من يقدس الماضي ويرضخ للتقاليد ويسير على نهج الآباء والأجداد ويحيا كما كانوا. وفي كلاهما غلو مرفوض ولا بد من التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، والتوفيق يختلف عن التلفيق؛ فالتوفيق هو اجتهاد منهجي منضبط، في حين أن التلفيق ليس إلا محاولة لوضع البنزين بجوار النار على أمل ألا يحدث اشتعال!

إن الصلاة هي طريقة الإسلام في تنظيم الحياة، ومنها يتضح لنا ضرورة وجود صفوة «الإمام»، والذي ليس إلا بشرًا من مجموع المصلين له قدرات وإمكانات تؤهله للإمامة، ولا تضعه في منزلة التقديس، ونحن لا نسجد له في الصلاة، وقد يُخطئ أثناء الصلاة وعلى المصلين أن يصوبوه إذا فعل، وقد -بل غالبًا- هو يخطئ خارج الصلاة، وذلك لا يؤثر في صلاته التي قضاها، ويقف المصلون كل في مكانه لا يبارحه بتركيز وخشوع ولا يشغله عن صلاته من على يمينه ولا من على شماله.

والأمر ينطبق على تنظيم المجتمع؛ فيقف كل مواطن على ثغرته لا يبارحها، ويتقن ما يفعله، وتقف الجماهير في صفوف متراصة مترابطة خلف تلك الصفوة التي تمثلهم دون حاجة لأن تكون صفوة من القديسين.

والإنسان القديس الذي بلا خطيئة إما أن يكون شخصًا منافقًا خبيثًا يفعل كل الخطايا دون أن يتمكن أحد من الإمساك به، أو يكون إنسانًا ساذجًا على هامش الحياة غالبًا، وكلاهما مزيف وكلاهما لا يصلح للقيادة؛ لأن الوجود الأصيل يعني الوجود في العالم، مما يعني ضرورة التجربة ولا توجد تجربة بلا خطأ، ومن ثم فكل إنسان أصيل يعني أنه مخطئ بالضرورة بدرجة ما أو بأخرى.

وإذا ما تحققت تلك المعاني واختار جيلنا حمل مهمته التاريخية، واستطاع توليد صفوته من قادة الفكر والرأي، وتمكن من تنظيم صفوف جماهيره بعدما يتخلص من تلك العلل والإشكاليات، فإن الربيع العربي برغم ما مر به من إخفاقات قادر على أن يثمر ويحقق نجاحًا، ولو على المدى البعيد.

والله أعلم