بعد سقوط الخلافة العثمانية في أوائل القرن الماضي، خرجت عدة حركات إسلامية إلى عالمنا تحاول جاهدة أن تكون حجر بناء لخلافة جديدة، أو لدولة إسلامية جديدة، يُحكمُ فيها بشرع الله، وتقوم على الشورى، ويسودها العدل والإحسان والرحمة، لكن لا تكاد أن تصعد أي من هذه الحركات حتى تسقط، فتخسر بسقوطها أهدافها ومواردها البشرية، ثم تعمد الأنظمة التي حاربت هذه الحركات إلى تشويه صورتها بكل صورة ممكنة، في الكتب والإعلام، على منصات القضاء وعلى منابر المساجد، يريدون أن يجعلوا من هذه الحركات عبرة لمن تسوّل له نفسه أن ينادي بالإسلام دينًا يسود ويقود في عصر الحداثة وما بعد الحداثة. إلا أن هذه الحركات تعاني من الداخل بقدر ما تواجه من الخارج، وإن نجاحها من الداخل في بنيتها وتماسكها وعقيدتها ومنهجيتها لهو أصل تميزها وانتشارها وعلوها في الخارج. فما هي عناصر القوة التي تفتقد إليها الحركات الإسلامية المعاصرة؟

المفكر

إن أهم عناصر أي حركة هو المفكر، والمفكر هنا ليس مجرد داعية يقرأ وينقل للناس، أو عالم في أحد فروع العلوم الشرعية، كعالم في الحديث مثلًا يعرف المتون والرجال ومصطلح الحديث وكتبه، لكنه لا يعي في فقه الواقع شيئًا وفي أحوال الأمة، قد يكون المفكر هذا أو ذاك، لكنه يتميز بفهم عميق وعلم بالشرع وعلم بالواقع، يقرأ كثيرًا لكنه يعي أن دوره أكبر من نقل العلوم والأفكار؛ بل هضمها وقراءتها بشكل مختلف وفي سياق مختلف يتناسب مع واقعنا الذي نعيش فيه، فإن أي فكرة لا تتناسب مع الواقع ومعطياته لن تُكتب لها شهادة ميلاد، فالمفكر يترجم أفكاره على أوضاع الأمة، ويضيف عليها بتحليله للواقع، وتشخيصه للمرض الذي أصاب الأشخاص والمجتمعات، وأعني هنا الأمراض الفكرية، ثم يصف علاجًا يناسب واقعها، وطريقة تتناسب مع هذا العلاج؛ مما يجعل العلاج مسألة بسيطة وحتمية لمن أراد الخضوع له، وعلم يقينًا وجود المرض فيه.

وإن الحركات الإسلامية الحديثة كلها قامت على يد مفكرين استطاعوا تتبع هذا النهج، من أمثال سعيد النورسي (1877- 1960) وهو أبو الحركات الإسلامية في تركيا، وأبي الأعلى المودودي (1903- 1979) مؤسس الجماعة الإسلامية بالهند، وحسن البنا (1906- 1949) مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وسيد قطب (1906- 1966) أحد رموز جماعة الإخوان المسلمين ومن أوائل منظري فكر السلفية الجهادية وتعد أفكاره وكتبه من أكبر المراجع لتلك الجماعات، وتقي الدين النبهاني (1909- 1977) مؤسس حزب التحرير.

وكما أن الإسلام وهو دين الله يضعف في القلوب ويتقلب في عالمنا هذا بين ضعف وقوة، فإن كذلك أي حركة إسلامية أو تيار إسلامي يتقلب على هذا النحو أيضًا، لكن الإسلام دين وعقيدة ومنهج حياة، لا يموت بضعف علمائه وبغياب المفكرين فيه، أما الحركات الإسلامية فقد تموت إذا غاب عنها المفكرين، أو إذا تسلط أصحاب النفوذ والقرار داخل الحركة على أصحاب الأفكار، أو إذا غاب أصحاب الأفكار عن الشورى، والله قد عهد إلى هذه الأمة أن يبعث فيها كل 100 عام من يجدد لها دينها، فكان ذلك أحد أسباب حفظها، لكن غياب المفكرين عن الحركات خاصة، وأنهم أكثر الناس استهدافًا من الأنظمة القمعية، وأكثرهم تعرضًا للسطوة الأمنية قد يَقضي على الحركات وهي في فترة نشأتها أو صعودها أو محنتها، فإن تصفية أي حركة من هؤلاء النفر يسهل عليهم نزع العقل من هذا الجسد، فإذا أثخنوا في الجسد تشتت الأتباع وتحركوا بدون عقل مدبر؛ فأهلكوا أنفسهم بأنفسهم. لذا كان لزامًا على قيادات الحركات المجتمعية بشكل عام أن يسعوا إلى استقطاب أو صناعة المفكرين، فهؤلاء هم سر وجودها ووسيلة انتشارها والحفاظ عليها.

القائد

إذن لا عُمْر ولا حياة لحركة خالية من فكرة واضحة ومنهجية معلنة وصحيحة، ومفكر يستطيع الناس أن يحاوروه فيقنعهم بالحجة والدليل العقلي والنقلي على صحة الغاية والمسلك. لكن الفكرة تظل فكرة ما لم يأخذها قائد فذ فيحولها إلى واقع يعيشه الناس. والقائد الناجح هو بمثابة القلب من جسد الحركة، فإذا كان ضعيفًا كان أتباعه ضعفاء مثله، وإلا كيف يتبعونه؟! وإن كان قويًّا كان قادرًا على مواجهة التحديات وتحييد الخصوم أو إشغالهم ببعضهم البعض، أو خلق تحالفات تتحد في الهدف دون أن تختلف في المبادئ.

القائد هو الشخص الذي يشعر جميع الأتباع أنه قريب منهم، يستمع إلى من يرغب الحوار معه، ينصت إلى الاقتراحات ويُعطي النصائح. والقائد لا بد له من شخصية كارزمية وصفات تجذب الناس إليه، وتجعله قدوةً في عين أتباعه ورمزًا لهم ولحركتهم، يفتخرون باتباعهم له ويؤمنون بقيادته لهم. وإن القيادة قدرة، ولا تُعطى هذه القدرة لأي شخص، فقد يكون المفكر عظيمًا لكنه لا يصلح للقيادة، وإن قاد أفسد حتى وهو صاحب الفكر! وإن الأتباع إذا رأوا من القائد ضعفًا في القدرة، تخلوا عنه أو فقدوا إيمانهم به، حتى وإن كان خطيبًا مفوهًا يجيد الشعر والنثر، فإن الناس ستطلق عليه أنه من أهل الشعارات وليس العمل، وإن أنجح القادة من قلّ كلامه وكثر عمله، وأثمرت نتائج هذا العمل.

فالقائد كسائق السيارة الأجرة، القدرة عنده شِطرين: الشطر الأول إجادته لمهارة القيادة، فيسرع حين تكون السرعة مطلوبة أو مُغتنمة، ويُبطئ حين يدرك أن الإبطاء حكمة وسلامة، ويناور حينما يكون الوضع بين هذا وذاك. وبالرغم من هذا فإجادته للقيادة هنا وحدها لا تشفع له عند أتباعه، من يركبون معه في سيارته ويرتضون قيادته، فإن كانوا قد ارتضوا وجهة معيّنة ومكان وصول معيّنًا، ثم وجدوا أنفسهم في مكان آخر، فإنهم لا يقبلوا أن يُعطوه حقه أو يعترفوا له بفضله. فالقائد الذي لا يمتلك المهارة والكارزمة، ولا يعرف الوجهة، أو لا يستطيع التحرك في اتجاهها، هو عبء على الحركة؛ بل ربما يكون التخلص منه بإبعاده عن منصبه من أفضل ما يمكن أن يُسدي الأتباع لهذه الحركة كي يسرعوا بها نحو أهدافها.

المُربِّي

إذا كان المفكر هو العقل، والقائد هو القلب، فإن ما يحتاجه الجسد هو الروح كي تدب فيه الحياة، وإن المربي لهو هذه الروح التي إن غابت عن الجسد، كانت حركته رتيبة مملة، أشبه بالإنسان الآلي، تراه موجودًا لكن وجوده ظاهريًّا فقط، لا تشعر بحرارته ولا تخيفك هيبته. المربي هو ذاك المعلم الذي جمع علم الشرع، وخبرة الواقع، ويضيف عليهما علمه بأحوال الناس وبالنفوس، وكيفية ترويضها وإعدادها وإرشادها إلى الطريق، والتعامل معها والصبر عليها وحملها على الحق حملًا. فهو لا يحتاج أن يكون ممن ينتج الأفكار، ويشخص أمراض الأمة كالمفكر، بل يأخذ تلك الأفكار من المفكر ويسقيها النفوس حتى تمتلئ بها، لا يملأ بها العقول فقط، فهذا أمر قد يصل إليه الأتباع بحضور الدروس، وقراءة الكتب التي كتبها المفكرون؛ بل يجعلها تمتزج بالنفوس فتصير كالروح من الجسد، لا تخرج منه إلا بموته.

والمربي هو حلقة الوصل بين المفكر والقائد والأعضاء، فإن غاب دوره، أو تقلد هذا الدور من لا يحسن فن إعداد النفوس والصبر عليها ومخاطبة العقول، ومن يفتقد إلى عِلمَي الشرع والواقع، فإن الحركة تصبح بلا قيمة، حتى لو استمرت 100 عام، وإن أقصى ما يمكن أن تطلبه هو أن تحافظ على وجودها، وليس الوصول إلى أهدافها.

أما عن تاريخ الحركات الإسلامية الحديثة، فإننا قد رأينا أنه قد يجتمع الثلاثة أدوار في شخص واحد، مثل حسن البنا، أو نرى من جمع بين المفكر والمربي مثل سعيد النورسي ورسائله «رسائل النور»، وهناك من قام بدور واحد فأبدع فيه مثل سيد قطب الذي أتقن دور المفكر، وإنه ليخرج من كتاباته ما قد يُخرج الحركة تلو الحركة. لكن ومع غياب الشخص الموسوعي في زماننا هذا، فإن الحركات تحتاج إلى وجود الثلاثة أدوار في كل وقت، فإن شخصًا مثل حسن البنا لم يأت بعده مثله حتى الآن، وإن الانتقال من هذا النموذج الموسوعي إلى ما هو أقل منه لهو أحد أسباب خلق عنصر خلل تنظيمي، يُفضي أخيرًا إلى ضعف التنظيم وسقوطه.

إن هذه الأدوار قد تكون موجودة بالفعل في أغلب التيارات والحركات المعاصرة، إلا أن وجودها لا يعني قدرتها على أداء مهمتها ودورها. لذلك صارت الحركات إلى انقسام وضعف وتشتت، وتركها الكثير ممن كانوا يؤمنون بها، ويدعون الناس إليها، ولم يجدوا مفكرًا معاصرًا يجد لهم مخرجًا وحلًّا لما وقعوا فيه من الأزمات، ولم يجدوا قائدًا حقيقيًّا يستطيع جمع الناس حوله، ولم يجدوا مربيًا متمرسًا يستطيع بث الروح فيهم مرة أخرى. وتعريف السذاجة هو أن تفعل ذات الشيء مرةً بعد أخرى وتتوقع نتيجة مختلفة، وهذا ما تفعله الحركات الإسلامية حينما يغيب المفكرون عنها، فترى القائد يطبق حلًّا قد وُضِعَ في ظروف مختلفة وبمعطيات مختلفة، أو يكرر حلًّا جرّبه مرة بعد أخرى ولا يجده يُثمر، أو تراه هو والمُربّي (غير المؤهل) ينشرون في أتباعهم فقط أن هذا ابتلاء ومحنة، ليس بسببنا نحن أو بسبب خطأ اقترفناه ولكنه تمحيص!

فإن كان هناك نجاح فهو بسببهم وبسبب سياستهم وقراراتهم الحكيمة، وإن كان هناك فشل فهو من خارجهم ممن خدعوهم أو تآمروا عليهم، وكأن خداع المرء والتآمر عليه لا يشينه، وأين قول عُمر بن الخطاب (رضي الله عنه): لست بالخب ولا الخب يخدعني؟! وأين المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين؟! ولو كان معهم مفكر حقيقي يراجع ما فعلوه لعلم ثغرات الضعف فيهم وأسباب فشلهم وكيفية علاجها.

إن أمتنا غنية بالطاقات، والشباب هم عمادها، وإن وجدوا هذه العناصر الثلاثة، وكانت الدعوة صالحة، والمنهج سليم، والفكرة هادفة، التفوا حولها فتكبر الدعوة أو الحركة، وتنتشر ما دامت أركانها موجودة وصالحة. وقد قصدت بهذا الترتيب في التقديم الأهمية، فعادة يوجد المفكرون لكن ليس كل مفكر قادرًا على إنشاء حركة مجتمعية، والقائد يأتي في المركز الثاني في الأهمية كي تصبح للحركة وجود فعلي، والمُربي يأتي بعد ذلك كي يجعل من الأعضاء والأتباع جنودًا يتعلمون ويكبرون ويبذلون كل ما أوتوا في سبيل الحصول على الثمرة المؤجلة، والهدف المنشود.