«إن التاريخ هنا ينزف دما. وتموت القاهرة جراء الجروح التى أصابتها من كل الحكومات التى حكمتها. فالمدينة المتدهورة تبدو كعجوز بيعت وفقدت حقوقها وقُص شعرُها، وملأ جسدَها البَرَصُ والتجاعيدُ والبؤسُ وأُلقى بها فى الشمس فأخذت تبحث عن الأثمال البالية وتتلهف لشربة ماء. إنك تشعر هنا بالسياسة التى تفتقر إلى القوة والمثل الأعلى، والدين الذى يفتقر إلى الروح، والعمارة التى تفتقر إلى الفكر، والشعب الذى يفتقر إلى وطن، وكأنه وجد بالصدفة».

تمهل فهذه الفقرة لا ترد فى تقرير حديث لمنظمة دولية معنية بالعمارة أو حقوق الانسان لا سمح الله، لكنها واحدة من فقرات مكتوبة فى القرن الـ 19 ونشرت فى كتاب بالغ الاهمية صدر أخيرا عن دار العربى للنشر بعنوان: «خيالات الشرق.. رحلتى إلى افتتاح قناة السويس» وترجمه بتميز بالغ د. سيد واصل.

وأمس الثلاثاء نوقش الكتاب ببيت السنارى التابع لمكتبة الإسكندرية وسط جمع من المؤرخين والدبلوماسيين. 

ومؤلفه صحفى وروائى برتغالى اسمه جوزيه ماريا دى إيسا دى كيروش (1845: 1900) دعى لزيارة مصر فى مناسبة افتتاح القناة عام 1869 ونشر مجموعة من المقالات التى توثق لهذا الحدث فى صحيفة الاخبار فى بلاده قبل ان يتحول لكتابة الرواية ومات وهو أحد أعظم كتاب الواقعية والرومانسية البرتغاليين فى القرن الـ 19، ومارس العمل الدبلوماسى ممثلا لبلاده فى عدة عواصم.

لم يتمكن كيروش من نشر هذا الكتاب فى حياته، لكن ابنه استطاع تركيبه وأعاده من بين أوراق ويوميات كثيرة كتبها والده ونشرها لأول مرة فى العام 1926.

ينطوى الكتاب كعادة الكتب التى كتبت فى تلك الفترة على حس استشراقى يمكن فهمه فى اطار الافكار التى روج لها الـ«سان سيمونيين» الذين تبنوا فكرة حفر القناة.

وجوهر هذه الفكرة أن القناة ستكون «رحم» لميلاد الحداثة على النمط الغربى وجسرا لانتقال الحضارة الغربية للشرق، إلا أن الكتاب يقدم فى المقابل مادة غنية لهواة التاريخ الاجتماعى لا تقل قيمة عما دونه ادوار وليم لين فى كتابه الشهير «عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم» أو الايرلندى ستانلى لين بول فى كتابه عن القاهرة، لكنه يتميز بعدة أمور منها أنه لا يخلو من لمحات ذكية تدرك القوانين المحركة للتاريخ المصرى، وعلى رأسها العلاقة بين الاستبداد ومركزية الحكم فى مصر بحكم طبيعة الدولة النهرية، إلى جانب الوعى بأن رخاء المجتمع المصرى وقوة دولته ارتبط دائما بمشروعات الرى فهى سر النهضة وأى إهمال لها يعنى الحكم بالاعدام على أى اصلاح سياسى. 

وفهم كيروش سر قوة مصر وربط استمرارية تأثيرها بانفتاحها على الآخر كشرط للتقدم، لأن أى انغلاق يعنى ببساطة تقزيم الدور وموت التأثير.

لكنه فى فهم طبيعة علاقة المصريين مع السلطة وهل هم شعب خانع أم متمرد محب للعصيان؟ وهل اتسم تاريخه الذى لم ينقطع حقا بالركود؟ 

تعاطف الكتاب مع الفلاح المصرى وأدان عنف السلطة الخديوية ووحشيتها ورفض بذخها فى الانفاق على الاحتفال بينما مواطنوها يغرقون فى سوء الحال، ولم يغفل عن ذكر سلبيات كثيرة لمسها فى المواطن المصرى الذى أحب تسامحه ولم يقبل سعيه لطلب «البقشيش» وكتب نقلا عن أحد مرافقيه «إن كل شىء يسير فى مصر بالبقشيش، وهذه الكلمة هى لب اللغة القومية هنا، يعطى لكل البشر، يطلبه الفلاح والقاضى والسايس والبيك والشيخ وحتى الباشا. وهو يعطى لأى سبب، فتدفعه كى ترى معبدا أو مسجدا أو حتى لمن يلقى عليك السلام أو من يعطيك منديلا. وأحيانا، يطلبوه بعزة نفس وأحيانا أخرى بإلحاح. هذا وللبقشيش فائدة عظمى فهو يسهل كل الأمور ويبسط كل شىء، فأمامه تلين كل إرادة.

فهل فهمنا كيروش حقا وأمسك بمفتاح سر «التاريخ» فى بلادنا؟