نشرت صحيفة عكاظ السعودية مقالا للكاتبة «عزيزة المانع» جاء فيه؛ الفساد المالى داء موجود فى كل الدول، المتقدمة منها والنامية، والديموقراطية والديكتاتورية على السواء، فالطبيعة البشرية المفطورة على الطمع وحب جمع المال والتباهى بكثرته، هى طبيعة واحدة فى نفوس كل الناس {وتحبون المال حبا جما}، أى لا يوجد مجتمع يخلو من الفساد، الفارق الوحيد هو أن نسبة حجم الفساد فى المجتمعات لا تتماثل، بعضها ينتشر فيه الفساد أكثر من بعض. فى بعض المجتمعات يتسع حجم الفساد حتى يكاد يكون هو النمط السلوكى المتعارف عليه فى المجتمع، وفى بعضها الآخر ينكمش حجمه إلى قدر تظن معه أن لا فساد فى المجتمع.

انكماش حجم الفساد المالى فى المجتمع، لا علاقة له بارتفاع القيم الأخلاقية أو وجود الضمير الدينى لدى الناس، فأمام إغراءات المال وبين يدى غريزة الطمع، تنهار حواجز القيم الأخلاقية والدينية لدى كثيرين إلا من رحم ربى، لهذا فإن انكماش حجم الفساد يرتبط بشىء واحد فقط، هو قوة ما يوجد فى المجتمع من رقابة ومحاسبة وصرامة فى فرض الأنظمة وتطبيقها على كل أحد بلا استثناء، فمتى حدث هذا تقلص وقوع الفساد. وخير دليل يؤكد صدق ذلك ما ورد فى الأثر (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن).

فى الرابع من نوفمبر الحالى، على إثر تشكيل لجنة عليا لمكافحة الفساد ومباشرتها لمهماتها بإصدار قراراتها الحاسمة بإيقاف عدد من الأسماء البارزة ذات الثقل الاقتصادى والسياسى فى المجتمع، أصيب الناس بشىء من الدوار، فهم فى ذهول، لا يكادون يصدقون أن شيئا كهذا يمكن أن يحدث، فعلى مدى التاريخ الطويل للمملكة لم يسبق للناس أن شهدوا مثل هذا الإصلاح الاقتصادى، الذى انطلق أمام أعينهم كالسهم لا يوقفه منصب أو مكانة، شعاره من لم يربأ بنفسه عن موضع الاتهام، فلا حصانة له.

هذا الحدث الكبير الذى لفت أنظار الناس إليه فى كل مكان، وأشغل الإعلام العالمى بالحديث عنه طويلا، أظنه وضع الدول العربية كلها فى مأزق، وأوقعها موقعا حرجا، فالدول العربية تعرف أن الفساد المالى ليس حالة خاصة بالمملكة وحدها، وأنه داء مشترك بينها، ينخر فى عظامها جميعها، وكل أحد يعرف أن التحايل على الأنظمة لبناء الثروات الخاصة على قواعد من المال العام المختلس، يكاد يكون هو النمط العام المتعارف عليه فى السلوك الاقتصادى فى البلاد العربية كلها بلا استثناء، الغنية منها والفقيرة على السواء، لذلك فإن الشعوب العربية باتت تنتظر من حكوماتها أن تطلق هى أيضا سهاما مماثلة لتلك التى أطلقتها المملكة، كى تخترق قلب الفساد وتطرحه أرضا كما طرح فى المملكة، وهو ما يضعها فى موقف محرج إن هى لم تفعل.

عكاظ ــ السعودية