انشغل العرب عموما، وليس اللبنانيون وحدهم، فى الأيام القليلة الماضية، بحدث غير مسبوق فى غرابته وخروجه على المألوف: استدعاء السيد سعدالدين الحريرى، رئيس حكومة لبنان، إلى المملكة العربية السعودية، بغير تمهيد أو سبب معلن، فى يوم عطلة (يوم الجمعة قبل الماضى)، ثم ظهوره، فجأة ومن غير أى تمهيد على شاشة محطة «العربية» التى تملكها السعودية (كما هو معروف) وإلقاء بيان مكتوب يعلن فيه استقالته، ضمن حملة قاسية على إيران و«حزب الله» فى لبنان، الذى يشارك فى حكومته بوزيرين.

لم يكن فى بيروت، أو فى أى عاصمة عربية أو حتى غربية أو شرقية، من يمكنه أن يفسر هذا الحدث المفاجئ، بل الصاعق، والذى لم تسبقه أى مؤشرات أو دلالات على وجود أزمة حادة (أقله إلى هذا الحد) بين لبنان وإيران، أو بين رئيس حكومة لبنان و«حزب الله» الذى يشارك فى حكومته بوزيرين، على جارى العادة منذ العام 2006 بلا انقطاع.

وقع الخبر على اللبنانيين، خاصة، رئيسا وحكومة ومجلسا نيابيا، فضلا عن الرأى العام، وقوع الصاعقة: إذ لم يكن فى الأجواء السياسية، سواء داخل لبنان، أو على مستوى المنطقة، ما يشير إلى «حرب» سعودية ــ إيرانية، أو لبنانية ــ إيرانية.. بل إن الرئيس الحريرى كان، قبل يوم واحد، قد استقبل مستشار المرشد الإيرانى خامنئى، السيد ولايتى فى سراى الحكومة، مع وفد يصحبه، وكانت الابتسامات تجلل اللقاء.

كذلك فإن العلاقات بين القوى السياسية فى لبنان، بما فيها «تيار المستقبل» الذى يتزعمه الحريرى، كانت طبيعية جدا، وقد احتفل الجميع معا بمرور سنة على تولى الجنرال عون مهام رئاسة الجمهورية، وكانت الحكومة تمارس مهماتها كالمعتاد، والمجلس النيابى قد فرغ للتو من مناقشة موازنة العام الجديد، والجيش وقوى الأمن تحتفل بالقضاء على التنظيمات الإرهابية («داعش» و«النصرة») على الحد الجبلى الفاصل بين سوريا ولبنان (بلدات عرسال والقاع ورأس بعلبك).
بالمقابل كانت السعودية قد عينت سفيرا جديدا للمملكة فى بيروت هو وليد اليعقوبى، وفى الرياض تم قبول أوراق اعتماد السفير اللبنانى الجديد فيها وهو فوزى كباره.

***

صُعق اللبنانيون وهم يشاهدون رئيس حكومتهم، سعد الحريرى، يطل عليهم عبر شاشة «العربية» السعودية، ليبلغهم من الرياض استقالته من رئاسة الحكومة، مطلقا حملة عنيفة ضد إيران و«حزب الله»، مستعيدا الاتهامات الأمريكية والخليجية لهذا الحزب الذى يشهد له اللبنانيون بتاريخه المقاوم فى مواجهة الاحتلال الإسرائيلى لجنوب لبنان منذ العام 1982 وحتى إجلائه فى العام 2000 ثم انتصاره على الحرب الإسرائيلية فى يوليو ــ أغسطس 2006.

ثم فوجئ اللبنانيون بالرياض تستدعى أشقاء سعد الحريرى الموجودين فى الخارج، وتستبقيهم فى المملكة، بينما وزير الدولة السعودى ثامر السبهان يستمر فى شن حملة يومية ضد لبنان وحكمه بشخص «حزب الله»، ويرفع اللهجة إلى التهديد بحصاره.. ثم بصدور أوامر من عواصم بعض دول الخليج (الإمارات والكويت والبحرين، إضافة إلى السعودية) تطلب فيها من رعاياها مغادرة لبنان على الفور... وقد فعلوا!

وكان على الدولة أن تتحرك: فعقد رئيس الجمهورية سلسلة لا تنتهى من اللقاءات مع مختلف القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ثم السفراء وسائر ممثلى الدول العربية والأجنبية فى لبنان، لشرح الموقف الغريب بل المستهجن والخارج على المألوف الصادر عن المملكة.

عاش اللبنانيون أياما من الذهول: كيف يمكن لدولة، كائنة من كانت، أن «تحجز» حرية رئيس حكومة لدولة أخرى، حتى لو كان يحمل جنسيتها إضافة إلى هويته اللبنانية الأصلية، وكيف تمنع عودته إلى بلاده، ولو من أجل أن يستقيل من منصبه السامى.. وكيف لا تتكرم على الدولة اللبنانية بشرح هذا الموقف المفاجئ وغير المألوف والخارج على القواعد والأصول فى العلاقات الدبلوماسية فضلا عن العلاقة الأخوية التى تربط بين البلدين الشقيقين؟!

لم يجد أقرب الناس إلى الرئيس سعد الحريرى، بمن فى ذلك أهله فى لبنان، فضلا عن تياره السياسى (المستقبل) وصولا إلى حلفائه، كما خصومه السياسيين، أى تفسير مقنع.. ولم تتكرم عليهم المملكة بأى بيان يفسر أو يشرح تصرفها النافر والخارج على المألوف!

ولقد وصل أمر الغموض والقلق على مصير رئيس الحكومة اللبنانية المحتجز فى الرياض إلى حد أن الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون الذى زار أبوظبى لافتتاح متحف اللوفر الذى شيدته فيها، بالتعاون مع متحف اللوفر ذى الموقع الممتاز، دوليا، تقصد أن يعرج على الرياض فى زيارة غير مقررة للاطمئنان على سلامة «الرئيس المحتجز» فيها من دون تفسير: سعدالدين رفيق الحريرى.

***

هذا سرد تفصيلى للوقائع الغريبة التى رافقت «احتجاز» رئيس حكومة عربية فى عاصمة دولة عربية شقيقة، و«إلزامه» بإعلان استقالته من موقعه الرسمى السامى، فى بلد آخر، عبر تلفزيون يخصها، ومنعه من العودة لكى يتصرف ــ إذا ما كان راغبا فعلا فى الاستقالة ــ حسب الأصول المعتمدة: أى من قلب مكتبه الرئاسى فى بيروت، أو حتى من بيته.. والسلام.

أما عن الجو المحيط بلبنان فالمؤشرات تدل على أن الحرب فى سوريا وعليها تقترب من نهاياتها، فقوات التنظيم الإرهابى «داعش» تُهزم وتندحر حتى تكاد تنتهى فى العراق وكذلك فى سوريا.. وثمة مؤشرات جدية على عهد جديد فى كل من الدولتين الشقيقتين عبر الانتصارات على العصابات الإرهابية التى كانت تحتل مساحات شاسعة فيهما، وقد هددت ــ ذات يوم ــ كلا من العاصمتين التاريخيتين بغداد (عاصمة العباسيين) ودمشق (عاصمة الأمويين) فى أيام العز العربى.

بالمقابل فإن الموقف العربى من «حزب الله» قد هدأ وبات التعامل معه على أنه حزب لبنانى ــ شريك فى الحكومة ويقوم بدور جيد فى مكافحة التنظيمات الإرهابية، ويقاتل مع الجيش السورى عصابات «داعش» ومشتقاته فى مختلف أنحاء سوريا بعد أن لعب دورا ممتازا فى طردها من لبنان.

ومعروف أن «حزب الله: يقاتل مع الجيش السورى للقضاء على التنظيمات الإرهابية بعنوان «داعش»، على مختلف الجبهات المشتعلة لاستئصالها، وآخرها فى دير الزور والبوكمال المحاذيتين للعراق.

معروف أيضا أن العرب، فى مختلف أقطارهم، يفتقدون دور مصر، الذى لا غنى عنه ولا بديل منه، كصمام أمان، فى المنطقة العربية جميعا، ويحزنهم غيابها عن دورها القومى الذى كان يؤكد أهمية العرب على الخريطة الكونية ويحمى الدور العربى المفتقد حاليا.

***

فى أى حال، فإن العرب إجمالا قادة ورعايا، قد اعتبروا «الانقلاب» الذى يستكمله ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان، باعتقال أبناء أعمامه شأنا داخليا سعوديا، يتصل بأمن المملكة ومستقبل الحكم فيها.. ولم تصدر عن أى عاصمة عربية، بما فى ذلك بيروت، أى انتقادات أو مواقف متعاطفة مع الأمراء وسائر المسئولين الذين أقيلوا من مناصبهم السامية، وبينهم وليان للعهد (الأمير مقرن بن عبدالعزيز ثم الأمير محمد بن نايف).

كذلك فإن أى دولة عربية لم تسع (أقله علنا) للتدخل فى موضوع «احتجاز» الرئيس سعد الحريرى فى الرياض، ومنعه من مغادرتها (إلا فى زيارة بضع ساعات إلى أبوظبى حيث التقى ولى العهد فى دولة الامارات العربية المتحدة... وقيل إنها لتصفية أمور مالية وليست لها أى علاقة بموضوع احتجازه فى الرياض، الذى استدعى أن يُدخل الرئيس الفرنسى ماكرون تعديلا على زيارته لأبى ظبى للمشاركة فى الاحتفال بافتتاح متحف اللوفر فيها، فيزور السعودية لكى يسمع تبريرا أو توضيحا لمسألة «احتجاز» الرئيس سعد الحريرى فى الرياض).