مذبحة وهران 1962 ومأساة أوروبيي الجزائر

ولدوا وعاشوا وماتوا هنا، جيل أو جيلان إلى أربعة أجيال كاملة، عاش بعضهم مستعمرين وعاش أغلبهم أناسًا عاديين من الطبقة المتوسطة أو المتوسطة العليا موظفين تجارًا حرفيين مهنيين… إلخ. الملايين من الأوروبيين عاشوا في الجزائر مواطنين، اختاروها مكانًا للسكن عاشوا مارسوا حياتهم تزوجوا وتناسلوا هنا، تركوا بصمتهم على الثقافة الجزائرية لاحقًا طبوعهم الغنائية كليلي بونيش مثلًا، أطباق دخلت المطبخ الجزائري كطبق الإسكابيش مثلًا تزوجوا من جزائريين وجزائريات، عاشوا رعايا عاديين.

سأقفز سريعًا على 130 سنة احتلال.

أول نداء أو بيان أذاعته اللجنة الثورية للوحدة والعمل والذي تعلن فيه عن قيام حرب التحرير الوطني ودعت فرنسا إلى المفاوضات حقنًا للدماء، لم تهمل هذا القسم من السكان ومن المجتمع الجزائري آنذاك بل توجهت إليهم بنداء كما تلا ذلك نداء وجه للإسرائيليين أيضًا يخيرهم بين العيش مواطنين جزائريين بجنسية جزائرية بعد الاستقلال أو البقاء وممارسة مصالحهم مع احتفاظهم بجنسيتهم الفرنسية وهنا يتم اعتبارهم أجانب.

بحكم التكوين والتعليم كانوا الطبقة الأكثر والأحسن تعليمًا والأغنى يسيرون شؤون الاقتصاد والإدارة بعد حرب التحرير واتفاقيات وقف إطلاق النار كان من المفترض أن تضمن اتفاقيات إيفيان حقوق السكان المستعمرين من الأقدام السوداء، والفرنسيين، والإسبان، واليهود، وسلامتهم في الجزائر المستقلة.

ومع ذلك انتشرت شائعات في ذلك الوقت في جميع أنحاء مجتمع الأقدام السوداء تفيد بأنهم واقعون بين اختيارين «الحقيبة أو التابوت» (المنفى أو الموت). ومع ظهور نهاية النزاع المسلح، خففت الحكومة الفرنسية إجراءاتها الأمنية على الحدود الجزائرية مع المغرب، مما سمح لجبهة التحرير الوطني بحرية الحركة بشكل كبير داخل الجزائر. بدأ المستوطنون من الأقدام السوداء الفرنسيين وبعض الجزائريين الموالين لفرنسا بالفرار من الجزائر في أبريل (نيسان) عام 1962، وبحلول أواخر مايو (أيار) هاجر مئات الآلاف، وبشكل أساسي إلى المناطق الحضرية الفرنسية.

يوليو (تموز) 1962 تدخل عدة فيالق من جيش التحرير إلى وهران تحدث مناوشات وتبدأ عمليات مهاجمة الأحياء الأوروبية فيما يعرف لاحقًا بمذبحة وهران، الدكتور مصطفى نايت مدير مستشفى وهران الجامعي آنذاك يتحدث عن حوالي 1500 ضحية و453 مختفيًا. يعزى إلى هذه المذبحة في كونها سبب نزوح حوالي 1.2 مليون جزائري أوروبي إلى فرنسا، بعض المصادر تنزل بالرقم إلى حدود 93 شخصًا فقط إلا أنها تجمع على رقم 453 مفقودًا إلى الآن.

شكلت المذبحة بداية حقيقية للمأساة التي أدت بمليون أوروبي على الأقل إلى الهجرة نهائيًا من الجزائر، حسب المصادر لم يُبذل أي جهد لوقف المذبحة سواء من جانب الشرطة الجزائرية أو من جانب القوات الفرنسية التي بلغ قوامها 18 ألف جندي والتي بقيت في المدينة في ذلك الوقت. وجاءت الأوامر من باريس «بعدم التحرك»، لتترك بذلك الأوروبيين في وهران دون مساعدة.

يعتقد العديد من السكان الفرنسيين أن المجزرة كانت تعبيرًا عن سياسة متعمدة من جانب جبهة التحرير الوطني، لإثارة غضبهم وتحفيز هجرة جماعة الأقدام السوداء. وبينما لم تثبت صحة ذلك، فقد أنهت عمليات القتل أي أمل في تحقيق المصالحة بين المجتمعات الأوروبية والعربية فقد كانت فرصة حقيقية للبعض للاستيلاء أو ما يرونه استعادة للأملاك التي تركها المعمرون خلفهم.

كان من الممكن أن تكون الجزائر سنة 1962 نموذجًا سابقًا في التعايش بين عرقين يشكلان شعبًا واحدًا مثلما هو الحال عليه مثلًا في جنوب أفريقيا حاليًا، كان يمكن للجزائر أن تكون عربية أوروبية إسلامية مسيحية أفريقية أوروبية في آن واحد مع كل ما يمكن أن يشكله ذلك التنوع من قوة وتميز، آن الأوان لفتح هذا الملف فالجزائر خسرت الكثير، وأعتقد بقوة أنه لا يحق لأحد مهما كان أن ينفي عن الأوروبيين مواليد الجزائر أو الجزائريين من أصل أوروبي الذين ولدوا ونشؤوا في هذه الأرض لأجيال حقهم في العيش فيها قضية للنقاش.