لكل أمة وقوم وشعب أحلام وطموحات تجمعهم، قد تختلف من فئة لأخرى أو تتفاوت الأولويات تبعًا لعوامل السياسة والتاريخ والجغرافية، ولكن ككلام مجمل غالبًا فإنّ الطموح الأكثر  ورودًا في أذهان أبناء أي أمة هو حلم الدّولة.

قد لا يكون حلم الأشخاص العاديّين السلطة والمنصب، ولكن نزعة الاستقلاليّة هي التي تحزّ في نفوسهم، وتدفعهم بجنون لتحقيقها، نزعة الوصول إلى دولة تمثلهم وتمثل أمتهم وعرقهم، بعيدًا عن اضطهاد العرقيات الباقية أو بشكل أدق «حكّام العرقيات الأخرى».

«ولكنّ الغريب في منطقة الشرق الأوسط – وخلال قرن كامل من التحولات السياسية – أنّ القوميات التي خلّفها تصدّع الخلافة العثمانية وانهيارها كلما سعت لشكل من أشكال الحكم الفئوي أو القومي تنهار أحلامها وتفشل».

فمنذ ترهل الدولة العثمانية وعلو صوت القومية التركية في أروقة حكامها من حزب الاتحاد والترقي والذي كان سببًا أساسيًا في تمزق جسد الدولة العثمانية بنسيجها التركي والكردي والعربي، بدأت تطفو على السطح نزعات القومية وأولها ما يسمى بالثورة العربية الكبرى.

هذه الثورة التي قادها الشريف حسين وأبناؤه وعلى رأسهم فيصل كانت تحمل عنوان الاستقلال العربي، فبعد انهيار الدولة العثمانية باعتبارها دولة خلافة جامعة للمسلمين، وضعفها وانهزامها في حروب ومعارك مع الغرب، ناهيك عن القيادات التركية العنصرية آنذاك، ولا ننسَى الشكل الشبيه بالفيدرالية الذي صار يطغى على حكم الولايات العثمانية، خاصة ما يتعلق بالوالي محمد علي باشا وابنه إبراهيم، والدور الأهم والأشد خبثًا كان للوعود البريطانية بدولة عربية مستقلة، كل ذلك كان بسبب بعيد أو قريب مفجّرًا للشقاق التركي العربي، وانطلاق ثورة الشريف حسين التي كانت أشبه بسياسة «وضع اليد على أرض مشاع»، حيث كانت الدولة العثمانية ضعيفة جدًا، وفقدت حاضنتها العربية بشكل ملحوظ.

هذا المشروع العربي كان حلم الدولة العربية الأولى على مر التاريخ، ولكن  ولضعف الخبرة السياسية لدى العرب فقدوا هذا الحلم سريعًا، ودخلت اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور حيّز التطبيق الفعلي، لتبقى العروبة حلمًا لا أكثر، ودعنا نقل: إن من تصدّر هذا الحلم هو الشريف حسين الذي ظهر بمظهر المطالب بحقوق العرب، وعندما جدّ الجدُّ ضيّع الحلم، واكتفى بدولة الأردن لأبنائه وصيّرها مملكة له وترك العرب وحلمهم، وهذا ما قصدته حين قلت: «لا تعطوا أحلام الأمم للأحزاب والجماعات».

بعد استقلال الدول العربية من الاستعمار الأوروبي عاد إلى الذهن الحلم العربي، ولكن وللأسف عادت الأحزاب لتتصدر والجماهير تصفّق، فهذه المرة حمل راية العروبة أنذل من عليها فصاروا هم منابر القومية العربية، من أمثال حزب البعث وحزب عبد الناصر وغيرهم ممن صعدوا بسلّم العروبة مراتب السلطة ولم يحققوا للعرب أدنى أحلامهم.

أحزاب وجماعات في 22 دولة عربية ممزقة، كلها تنادي بوحدة العرب، ولكنها في الحقيقة تنادي بصمود حدود سايكس بيكو، فليس للحزب طموح أكثر من ارتقاء الحزب، وهيمنة الحزب على مقدّرات الدول وخيراتها.

فكان حزب البعث بقيادته الأسدية في سوريا مثالًا واضحًا على فشل الأحزاب في تحقيق أحلام الأمم، هذا الحزب الذي صدّع رؤوس العالم بالوحدة وهو العاجز عن التوحد مع جاره البعثي العراقي ناهيك عن بقية العرب، ونادى بالحرية وتلك سجونه تغص بالمظلومين غصًّا، ونادى بالاشتراكية وهذه مالية العصابة الحاكمة أكبر دليل على زيف اشتراكيتهم.

ولا يخفى على عاقل ما خلّفه هذا الحزب من فتن بين مكونات الشعب، وما تركه من أثر جليّ واضح في النفوس العربية وغير العربية، حتى صار الواحد منا يشمئز من الشعارات القومية والعربية لأنه يتذكر بها حزب البعث وقوميته.

وليس ببعيد عنا تسلّط داعش على حلم الدولة الإسلامية كمثال آخر على لعب الأحزاب بأحلام الأمم، فالحلم الإسلامي حلم ناصع البياض، إن أردنا تخيله قبل عام 2014 كنا نرى تواضع الصدّيق وعدل عمر وكرم عثمان وحكمة علي، وشجاعة الفاتحين وبسالة المجاهدين، ولكن بعد بروز داعش التي توشّحت بوشاح إقامة الدولة الإسلامية، وحوّلت الولاء والبراء في الإسلام إلى ولاء لحزبها وفكرها وبراء مما سواه، لعبت داعش اللعبة البعثية ذاتها في الاستئثار بحلم الأمة، والضرب بسيف طموحاتها، لترسم صورة الدولة الإسلامية كما يريد أن يروج لها أعداؤها، وإلى حدّ بعيد حققت ذلك.

وآخر الأمثلة وأقربها لنا زمانًا ومكانًا حلم الدولة الكردية، والذي تتصدّره الآن أحزاب الانفصال الكردية من جماعة PKK وYPG  وغيرها من الأحزاب الانبطاحية التي نالت ثقة الكثير من الأكراد بدعوى العاطفة، وهي تعزف الآن على نفس الوتر البعثي والداعشي لترسم صورة الدولة الكردية كما يريد أعداؤها ولن تحقق للأمة الكردية شيئًا.

الأمم لا يمكن أن تختصر بأحزاب ضيقة الإمكانيات سفيهة الأحلام، ولا يصحّ أن ترتهن الشعوب لهذه الأحزاب التي لا تنفك عن العبث بمستقبل الأمم وحضارتها، ولا تشحّ جهدًا في سبيل تشويه صورة الدولة القومية أو الدينية، وكل ذلك خدمة مجانية لأعداء الشرق الأوسط الذين مزقوه وشوهوا كل صورة وحدوية يمكن أن تنشأ بين أقطاره ومكوناته.