انطلقت حماس رسميًا أواخر عام 1987 بعد أسبوع من انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى، لم تأتِ حماس مصادفة بل هي ابنة بارة لتنظيم الإخوان المسلمين الذي أسسه حسن البنا في مصر عام 1928، يمكن القول إن حماس هي حركة الإخوان المسلمين الفلسطينيين، انضم عديد من الفصائل اليسارية وفتح لحماس بعد انطلاقتها خصوصًا بعد انطلاق مفاوضات مدريد وتوقيع اتفاقية أوسلو فيما بعد، يبدو أن كلمة حماس كانت أخف وقعًا على آذان الذين انتموا لها من الفصائل الأخرى، لا يحب اليسار ولا فتح هذه الكلمة «الإخوان المسلمين» رغم أن قيادة فتح التاريخية خرجت من الإخوان المسلمين.

بدأت حماس بعد انطلاقتها تنظيم صفوفها جماهيريًا وعسكريًا وفرضت نفسها بشكل متمايز في الساحة الفلسطينية، كان لها يوم إضراب خاص بها غير اليوم الذي أقرته اللجنة الوطنية الفلسطينية العليا التي كانت تضم فصائل الشعب الفلسطيني على رأسها فتح باستثناء التيارين الإسلاميين الرئيسيين في فلسطين حماس والجهاد الإسلامي، ساعدت الظروف الإقليمية والدولية التي أضرت بمنظمة التحرير حماس على الصعود، الخروج من بيروت وتشتت قوات المنظمة، هزيمة العراق في حرب الخليج، انهيار الاتحاد السوفيتي، حصار المنظمة عربيًا ودوليًا، كل ذلك سارع في تراجعها، رغم أن حركة فتح لعبت دورًا كبيرًا ورئيسيًا في توجيه الانتفاضة الفلسطينية الأولى بعد انطلاقتها حيث تولى الملف الشهيد خليل الوزير أبو جهاد الذي اغتيل بعد خمسة أشهر من انطلاقتها في تونس أبريل (نيسان) 1988.

بدأت تتصاعد ظاهرة حماس بدايات التسعينيات شيئًا فشيئًا إلى أن وقعت المنظمة اتفاقية أوسلو، انطلقت أيضًا موجة من التدين المفاجئ في الشارع الفلسطيني بعد هزيمة العراق في حرب الخليج، الشعب الفلسطيني بطبيعته التاريخية غير متدين ويؤمن بالأساطير أكثر من إيمانه بالأديان رغم أن فلسطين مهد الديانات السماوية الثلاث وفيها ولد المسيح ومنها صعد الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى السموات فيما يعرف بيوم الإسراء والمعراج، وكانت القدس قبلة المسلمين الأولى، لكن حدثًا جللًا في الأراضي الفلسطينية سيخدم حماس بشكل كبير بعد وقوعه بـ40 يومًا، إنها مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل.

كان الشارع الفلسطيني يغلي عقب مذبحة الخليل 1994، عجزت حركة فتح التي اغتيل ستة من كوادرها بعد أقل من شهر من مذبحة الخليل في مخيم جباليا في قطاع غزة عن الرد على المذبحة أو شهدائها الستة في غزة، ردت حماس على مذبحة الحرم الإبراهيمي بأولى عملياتها في وسط مدينة الخليل وقتلت مستوطنين يهودًا، تبعتها بموجة عمليات استشهادية عقب المذبحة بـ40 يومًا، فكان الاستشهادي الأول لحركة حماس الشهيد رائد زكارنة من بلدة قباطيا قضاء جنين حيث استقل سيارة مفخخة قتلت تسعة إسرائيليين وجرحت 50، بعد أسبوع فجر استشهادي ثانٍ نفسه في الخضيرة «عمر عمارنة» وعمليتان أخريان في تل أبيب في شهري أكتوبر وديسمبر من نفس العام، فيما خطفت الجندي «ناحشون فاكسمان» في أكتوبر أيضًا وكشف مخبأه بعد أقل من أسبوع فقتل الجندي واستشهد أسراه الثلاثة في بيرنبالا شمال القدس.

برز اسم الشهيد يحيى عياش من قرى نابلس الذي اغتالته إسرائيل عبر هاتف مفخخ أعطاه أحد عملائها للشهيد عياش في قطاع غزة بداية 1996، زار عرفات بعدها بأسبوع مدينة دورا جنوب غرب الخليل التي سلمتها إسرائيل للسلطة الفلسطينية ودخول قوات الشرطة الفلسطينية لها ولم تكن قوات السلطة الفلسطينية قد دخلت مدينة الخليل نفسها، استقبله يومها نشطاء الجبهة الشعبية بتظاهرة رافضة للخط السياسي للمنظمة في خطوة لم تحدث في كل زيارات عرفات للمدن الفلسطينية، لم يكن لعرفات عقدة كبيرة من مصطلح المعارضة، ينسب لعرفات القول «إن لم توجد المعارضة فسأجدها أنا»، السلطة الفلسطينية في أوج استبدادها لا يمكن مقارنتها بأي ديكتاتورية عربية، فالعمل النقابي والحزبي رغم تراجعه بعد الانقسام إلا أنه حافظ على وجوده بقوة في الحياة والثقافة السياسية الفلسطينية.

 خففت عمليات حماس التفجيرية من حالة الاحتقان والحزن الشديد الذي شعر به الشارع الفلسطيني ورفعت معنوياتهم وبالمعنى الشرقي الشعبوي للسياسة «شفت غليلهم»، لكنها رفعت أسهم حماس عاليًا في الشارع الفلسطيني، تبع اغتيال عياش موجة من العمليات الحمساوية القاسية أيضًا ردًا على اغتيال عياش عام 1996، باتت حركة حماس الشغل الشاغل للسياسيين الإسرائيليين والصحافة الإسرائيلية التي يتابعها الشارع الفلسطيني جيدًا فزاد ذلك من رصيد حماس الجماهيري.

عقب مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل التي خلقت حالة من الاحتقان الشديد في العالم العربي والإسلامي عمومًا والشارع الفلسطيني خصوصًا، كانت منظمة التحرير قد وقعت على اتفاقية أوسلو التي سماها معارضوها «اتفاقية أوسلو الهزيلة» سماها بعضهم الآخر «الاتفاقية الخيانية» ليومنا هذا تلعن أوسلو من كثيرين لم يقرأوها حتى، باتت لعنة أوسلو لغوًا مثل لعنة الشيطان، خيم الإحباط واليأس على الشارع الفلسطيني وبدأت تعلو صيحات الثأر والانتقام لشهداء الحرم الذين قتلوا في يوم الجمعة 15 من رمضان ركعًا سجودًا في صلاة الفجر.

كان الجناح العسكري لحركة حماس في طور البناء والصعود، لمع نجم عماد عقل آنذاك الذي قتل جنودًا إسرائيليين في الانتفاضة الأولى في غزة، قام بتصوير إحدى عملياته المتواجدة صورها ليومنا هذا، كان المركز الثاني لكتائب القسام بعد غزة في مدينة الخليل كقاعدة أولى للانطلاق في أنحاء الضفة الغربية، جاء عماد عقل بنفسه لمنطقة الخليل لبناء وتدريب جناح حماس العسكري، قتل جنودًا بنفسه داخل المدينة أيضًا، استشهد عقل عام 1993 في غزة، ينظر لمدينة الخليل كأحد أكبر معاقل حماس في الضفة الغربية، كتب أحدهم على مدخل المدينة بعد فوز حماس في انتخابات 2006 «مدينة حماس ترحب بكم» بعد اكتساحها المقاعد التسعة المخصصة للمحافظة.

 شنت السلطة الفلسطينية حملات اعتقالات واسعة في صفوف نشطاء حماس والجهاد الإسلامي، ليست هذه الاعتقالات فاتحة التوتر بين حماس والسلطة الفلسطينية بل اشتباكات حصلت بين الطرفين بعد دخول قوات المنظمة غزة بأشهر حيث قتل 13 فلسطينيًا في هذه الاشتباكات التي تم تطويقها، خلق ذلك حالة من التعاطف الواسع في أوساط الشارع الفلسطيني تجاه الإسلاميين كسجناء رأي وموقف حتى في أوساط حركة فتح، كانوا يعاملون معاملة سيئة في بداية اعتقالهم وسرعان ما يتم تعاملهم بشكل لائق في سجون السلطة الفلسطينية، كانوا يحصلون على امتيازات لا يحصل عليها السجين العادي، تمكن الأخوان عماد وعادل عوض الله من مدينة البيرة من الفرار من سجن أريحا وتم اغتيالهم بعدها بفترة في مزرعة قرب مدينة الخليل عام 1998.

وصلت ذروة العلاقات السيئة بين حماس والسلطة الفلسطينية عام 1997 حيث عملت إسرائيل كمينًا لسيارات أمنية فلسطينية كانت تقل معتقلين سجن الخليل إلى سجن نابلس فيما عرفت بقضية «خلية صوريف»، حيث خطفت إسرائيل أفراد الخلية من السيارات الأمنية الفلسطينية، نتج عن هذه العملية استياء واسع في الشارع الفلسطيني من الأداء الأمني للسلطة الفلسطينية، عقد في شرم الشيخ المصرية مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب عام 1996 حضرته إسرائيل، أدان فيه الحضور عمليات حماس بشدة، بعد موجة اعتقالات واغتيالات مكثفة لنشطاء حماس كان آخرها محيي الدين الشريف في مدينة بيتونيا في رام الله، توقفت عمليات حماس أواخر العام 1998 واتفقت مع السلطة الفلسطينية على وقف العمليات حتى موعد الحل النهائي الذي اقترب، ذهب عرفات لمفاوضات كامب ديفيد عام 2000 بعد صعود إيهود باراك إلى سدة الحكم في إسرائيل ورفض التنازل عن أي شبر في القدس تحت كل الضغوطات الأمريكية والعربية وعاد للأراضي الفلسطينية واستقبل استقبالًا جماهيريًا كبيرًا.

زار شارون الأقصى في سبتمبر من العام واشتعلت الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انخرط فيها الكل الفلسطيني حتى عناصر الأجهزة الأمنية التي دمرت مقارهم واستشهد واعتقل الكثير منهم، لم تنخرط فيها حماس فورًا وتروت حتى تراقب الأمور خوفًا من أن تكون مناورة سياسية مؤقتة من عرفات، لكن كرة الثلج تدحرجت وخرجت عن سيطرة الجميع.

الانتفاضة الثانية بعكس الانتفاضة الأولى لم تكن عفوية، قرر عرفات تفجير الأوضاع بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد واقتناعه أن إسرائيل والإدارة الأمريكية تريدان منه التنازل عن أمور خطيرة في القدس، رفض الرجل وقال لهم اذهبوا وفاوضوا محمد خاتمي الرئيس الإيراني الذي كان يرأس مؤتمر القمة الإسلامي فأنا لا أستطيع التنازل عن شيء، أسست فتح جناحًا عسكريًا أطلق عليه اسم «كتائب شهداء الأقصى» ونفذ آلاف العمليات المسلحة ضد إسرائيل واستخدم أسلوب حماس في العمليات الاستشهادية، انخرطت حماس بكل قوتها أيضًا، كان من نتائج الانتفاضة الثانية تشكيل جناح عسكري لحماس علني وقوي في قطاع غزة، أغمضت السلطة الفلسطينية عينيها عن ذلك بتعليمات من عرفات كما يبدو، كبر القسام حتى سحق السلطة الفلسطينية وحركة فتح وأنهى وجودهما في القطاع عسكريًا.

في مارس 2004 قامت كل من حركتي فتح وحماس بعملية مزدوجة في ميناء أسدود الإسرائيلي، اعتبرت إسرائيل العملية مؤشرًا خطيرًا جدًا، قتل 11 إسرائيليًا، لم تنظر إسرائيل للعملية من ناحية كمية بل من زاوية نوعية، قررت إسرائيل اغتيال قيادات فلسطينية كبيرة، اغتالت بعد أسبوع الشيخ أحمد ياسين، اغتيل عرفات بالسم بعد الشيخ ياسين بعد ثمانية أشهر، خلف الرئيس محمود عباس ياسر عرفات بعد انتخابات الرئاسة 2005، حصدت حماس نتائج الانتخابات بالأغلبية في العام التالي، بدأ صراع الصلاحيات بين الرئاسة التي من نصيب فتح والحكومة التي شكلتها حماس.

شهدت الفترة من عام 2000 حتى عام 2006 عام الانتخابات التشريعية الفلسطينية وحدة وطنية غير مسبوقة، ستختلف المعادلة بعد عام واحد، تخلل هذا العام اشتباكات كثيرة في قطاع غزة بين حركتي فتح وحماس، إلى أن قصم ظهر البعير عام 2007 وحدث شرخ عميق في الحياة السياسية الفلسطينية ما زالت آثاره بادية لليوم، تعرضت حماس بعد سيطرتها على قطاع غزة إلى حصار قاسٍ وخاضت أربع حروب مدمرة جلبت الويلات لقطاع غزة، لم يستوعب قيادات الأجهزة الأمنية في قطاع غزة من أبناء فتح أن يتلقوا تعليمات من وزير داخلية حمساوي، فأنشأ سعيد صيام وزير داخليتهم الذي اغتيل في إحدى الحروب على غزة جهازًا أطلق عليه اسم «القوة التنفيذية»، أشعل أزمة عميقة بين مؤسستي الرئاسة والحكومة التي تديرها حماس، أربع حروب شنت على حماس في قطاع غزة وما زالت قوية، لكن يبدو أن القطاع قنبلة قد تنفجر في أي لحظة، وضع غزة لا يطاق في عهد حماس نتيجة الحصار الخانق المفروض عليها.

الإنجاز الأكبر في تاريخ حركة حماس بعد فوزها بالانتخابات التشريعية كان إتمامها صفقة تبادل الأسرى مع إسرائيل عام 2011، من الواضح أن حركة حماس اليوم في وضع سياسي لا تحسد عليه أبدًا، السلطة الفلسطينية التي تهيمن عليها فتح ليست بأفضل حال باستثناء قدرة السلطة الفلسطينية المالية ومسؤولياتها تجاه الشعب الفلسطيني من كونها سلطة وحكومة مسؤولة عن توفير الخدمات المختلفة ودفع الرواتب للموظفين العموميين، كانت حماس بعيدة عن هذه المسؤولية الثقيلة إلى أن حكمت قطاع غزة وعرفت ما معنى أن تكون مسؤولًا ولست معارضًا، يعتقد محللون في الشارع الفلسطيني أن شعبية حماس تراجعت في قطاع غزة الذي تحكمه، فيما تراجعت شعبية حركة فتح في الضفة الغربية التي تحكمها عبر السلطة الفلسطينية، يعد ذلك مؤشرًا على عدم رغبة الناس بحكم اللون الواحد، اتضح ذلك من خلال المهرجان الذي أقامته حركة فتح في غزة في ذكرى استشهاد ياسر عرفات، يعتقد أن حشودًا ستماثلها في الضفة الغربية في حال قررت حماس إحياء ذكرى انطلاقتها.