وددتُ حقًّا في هذه الساعة المُباركة أن يكون لدي آلة زمن لأستغلها في شَيْءٍ واحدٍ فقط. تدرون ما هو؟! أن أعود أدراجي بالزمن لأقابل ديستوفيسكي متسعكًا في إحدى حواري «بطرسبرغ» منتعلًا حذاءه ذا نصف النَعل وجيوبه تُصفر مثقوبة حتى آخرها وعويل معدتِه التي لم تذق طعامًا يُشبع شخصًا بالغًا منذ مدة بعيدة، ورائحة أنفاسه النتنة بالڤودكا الرخيصة تدل على ذلك، وأقول له شيئًا واحدًا: عزيزي «ياريتها كات قعدت عليك»!

وربّما سيُثير ذلك استغرابه، لأَنِّي سأقولها له بالعربية. فهو لم يعرف في حياته سوى لهجة أهالي بطرسبرغ، ولم يبتعد بلسانه أبعَد من ذلك! وساعتها سأحاول أن أُهدئ من غضبي لأن منظره الذي يَصْعب على الكَافِرِين سيجعلني أتراجع عن فِكرة اغتياله، ذلك لأنّه من أوليات مبادئ فكرة العودة بالزمن للوراء هو ألا تتدخل في مسار الأحداث مهما كانت الإغراءات. وأخذه على جنب لأفهمه أن ثمة ماسورة من مقولاتك تكاد تصحبنا إلى أقدس الأماكن وأقذرها كذلك، لسببٍ لا نَعرفه، أو ربّما نَعرِفه ولكننا «نستعبط» لأنّه ليس من العقلِ الاعتراف أنك أنت من فتحت القمقم للعفريت! وقلت لِلنَّاس عن حلاوة وطلاوة وذكاوة وغباوة وقفاتك وإخراجاتك وكلماتك وتشاؤماتك التي نلعن الساعة التي قرأناها فيها! وأحاول أُفهمه بلغة مُشتركة يفهمها أهل الأرض جميعًا فأفرقع سبابتي مع الإبهام وأعطيه نصيحة عُمره بألا يجعل النّاشرين يستغلونه وعلى الأقل يكون الأجر الذي يتقاضاه عن تُرهاتِه مجزيًا ليأكل لقمة حلوة ويرتدي هدمة نضيفة ويتزوج عوضًا عن «الصرمحة». وأتركه وأنا متأكدة أنه سيفعل. حسنًا التاريخ يذكُر – لي – ذلك.

يا إلهي، ماذا نقول عن أولئك المساكين الذين ورطنّاهم في «ليمبو» ديستوفيسكي! ماذا سنقول للربّ إذا سألنا عن تلك المسخرة؟! عن صفحات تُسمي نفسها أدبًا عالميًا ولا تَعرف منه إلا ديستوفيسكي! ومقولاته – ما شاء الله جاهزة – للقولبة في أي إطار يتزامن مع المناسبات. بداية الشّتاء/ نهاية الخريف/ الحر/ الموت/ الحب/ الأصدقاء/ المرأة الشريرة/ والطيبة وعلى نياتها/ وأنا وأنت/ وعيد الأضحى! تخيل يا مؤمن صفحات الأدب العالمي تُهنئ العالم الإسلامي بمقولة رنّانة زنّانة لـعمو ديستوفيسكي بمناسبة عيد الأضحى المبارك!

يا إلهي. أجيال ستضيع – بعون الله – جراء فَعلتنا تلك! ما عسانا نَفعل. لقد تقبلنا خطيئتنا المماثلة عن «الرافِعي» حتى صرت أجد عمو الخضراتي يلف لي حزمة البقدونس بإحدى مقولاته. أنا – بوصفي شخصًا مؤمنًا بحق الثقافة لكل الكون – «اتخَرَعّت». ماذا حدث لـ«صباح الفُل يا آنسة»، وجرجير طازة، صابح كما «وشكم علينا» – بنفس أداء القُصري! ها؟ أين؟!

ماذا حدث لـ«يوجين أونيل»، عفريت الرواية الأمريكية الحديثة، وماذا عن جان بول سارتر عميد المسرح الطليعي، وويليام سارويان/ تينيسي ويليامز. بل ماذا حدث لشكسبير عمّ الروائيين وتاج رؤوسهم نَفَرًا نَفَرًا. ولا ماذا عن أوسكار وايلد، «الجاي» المسكين الذي قضى أعوامًا بالسجن لأن أهل حبيبه اللورد أرادوا الخلاص منه، وكان يوضع على آلة تعذيب مماثلة لجهاز المشي في النادي الرياضي، يقضي عليه ساعات ليُزيد من طاقة توليد الكهرباء بالسِجن. هل سَمِعتم بـ«لويچي بيرانديلو» مسخرة الأدب الإيطالي الكوميكي؟ بل ماذا حدث لـتوليستوي؟ على الأقل تولستوي لم يتملق القصير ثم إذا مُنع سَبه! ماذا عن الأيرلنديين يا سادة، أُدباء الجِعة السُخنة الطازجة. ويليام باتلر ييتس والشيطان ابن أيرلندا الحُرة چيمس چويس؟!

ولا ماذا حدث للكاتب الخُرافي العبقري بكل ما جاءت تلك الكلمة من معاني آرثر ميلر، آرثر ميلر يا جماعة الخير. آرثر ميلر فاضح أمريكا السَردي. يا ناس يا هو! ميلر على الرغم من دمامته رجل عَرف كيف يجعل مخلوقة من نار ونور كمارلين مورنو تتزوجه، وتقرأ الشِعر، بل وتَكتبه!

ناهيك أن الغضب يمنعني الآن عن تعداد أمجاد ورشاقة أسلوب أدباء أمريكا اللاتينية أو أدباء بلاد فارس المُقدّسة، أو الأدب الصيني مثلًا!