مهما تعددت الأسباب وتوالت ردود الأفعال فإن الحراك السعودي من بعد تولي الملك سلمان بن عبد العزيز يهدف إلى الاستحواذ على محرك الإدارة الخليجية بصفة خاصة، وبصفة عامة من أجل أن تكون السعودية لاعبًا مؤثرًا في الساحة الإقليمية.

ويعتبر استهداف قطر إحدى المراحل المهمة من أجل تحقيق هذه الغاية، كون قطر تسيطر منذ عقود على محرك الإدارة الخليجية، فضلًا عن كونها لاعبًا بدأ يتقدم في مستوياته بما يتناسب مع مصالحه التي تعتبر بشكل أو بآخر أكبر من قدرات البلد الجغرافية أو التاريخية لكنها استطاعت النجاح بشكل أثار استياء ومخاوف العديد من دول المنطقة.

الأمر الذي أدى إلى التعاون بين السعودية والإمارات ضد قطر في سبيل الاستحواذ على تلك الإدارة كبداية لتحقيق الغاية السعودية، لتستمر السعودية في مراحلها التي امتدت إلى الصعيد الداخلي من سيناريوهات وفاة غامضة لعدد من الأمراء واعتقال آخرين بالجملة، مع تغيير واضح في سياسة الدولة ونظامها الذي اتسم بالحدة.

والسؤال المطروح هل سوف تنجح السعودية في تحقيق تلك الغاية وإن كان الدعم الأمريكي إحدى نقاط قوتها، سؤال يحاول الإجابة عليه جمهور محمد بن سلمان بأن السعودية تتجه نحو النجاح، فيما يرى الخصوم من مؤيدي قطر خاصة الإسلاميين العكس تمامًا، حتى بات هناك أشبه بالمأتم والهستيريا من تحركات محمد بن سلمان في كتابات هؤلاء.

في الوسط هناك طرف من المراقبين يعتبرون نجاح السعودية بذلك أمرًا أشبه بالمغامرة مرهونًا بقدرة التحديات التي تواجه هذه المسيرة وقدرة السعودية في التعامل معها، في هذا المقال نحاول مناقشة هذا السؤال من خلال الوقوف على أبرز المحطات السعودية؛ الأولى الأزمة القطرية، والثانية الأزمة اللبنانية.

الحرفية السياسية ودورها

في بداياتي الطفولية مع القراءة قرأت كتابًا لا أتذكر عنوانه ولا حتى الاقتباس بدقة، يقول فيه المؤلف بما مفاده إن «الدول التي لا تملك تاريخًا وحضارة دول لا تمتلك أهدافًا» واتخذ من الولايات المتحدة الأمريكية مثالًا في نظريته.

الشاهد إن الدولة التي بلا تاريخ وخاصة سياسيًا من الصعب أن تخلق واقعًا سياسيًا بسهولة وإن كانت طموحاتها عالية وهناك حليف يدعمها بقوة، إذ أن تكون طرفًا لابد من وجود قاعدة ومثل عليا وثوابت غالبًا ما ترتبط بطموحات وتاريخ هذا البلد، تكون بمثابة الدافع الروحي والمنظم الذي يحدد أولوية القرارات ويرسم الخطط في سياسة الدولة.

السعودية لا تمتلك ذلك بشكل أو بآخر، وهذا ما يؤكده تاريخها وخاصة السياسي الذي لم يرتقِ لأي مرحلة من مراحلها بأن يكون لاعبًا مؤثرًا قاد تحركات مشهودة، أو شاركت في مجريات حاسمة في المنطقة، إجمالي مواقفها ومسيرتها السياسية بأنها متناسقة أو مفروضة من قبل الداعم الأمريكي، وسبب هذا ليس فقط الهيمنة الأمريكية بقدر عدم رغبة السعودية بذلك.

أي أن هناك انعدامًا أو فراغًا في قائمة الهدف والأسس وذلك ما يؤثر على مواقفها وسياساتها بدرجة كبيرة خاصة مع عامل الضغوط ودور الحليف الانتهازي، أما العامل الآخر فالنضوج والخبرة السياسية التي اتضحت مستوياتها في التعامل مع الأزمة القطرية.

حيث اليوم لو قمنا بعمل مقارنة بين المواقف السعودية والقطرية، وتعامل كل طرف ضد الآخر، فسوف نرى الفارق بين الخبرة والمهنية وبين البدائية ونقص الخبرات سواء بمواجهة الأزمات أو في افتعالها بين الطرفين.

حيث نرى الموقف القطري على الرغم من حجم الضغوط الحاصلة، إلا أنه موقف يتسم بالهدوء والتعامل الحذر مع حراك منظم أخذ على شكل جولات مرحلية الأولى شملت مجموعة من الدول الأوروبية والثانية مجموعة من الدول الآسيوية، بالإضافة إلى ممارستها تأثيرًا ضمنت فيه حياد الموقف الأمريكي إلى درجة يعرض فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الوساطة لحل الأزمة الحاصلة، على الرغم من دعمه الواضح إلى خصمها.

الأمر الذي عكس مهنية فذة مكنت قطر من تحقيق النجاح أو على أقل وصف الصمود إلى هذا اليوم على الرغم من الضغوط التي تمارس من قبل خصومها الإمارات والسعودية.

في حين على العكس نرى الموقف السعودي يتخذ طابعًا هجوميًا على كل الأصعدة، والاتجاه في سياسة الضغط بكل الأساليب شملت حتى الجوانب الفنية كما حصل في الأيام الماضية من إصدار أغنية إماراتية سعودية تهاجم قطر وحكامها بعنوان: «قولوا لقطر» الأمر الذي يعكس تعاملًا وأساليب بدوية أكثر من كونها أساليب سياسية علمية عملية لدولة تريد إثبات حضور إقليمي دولي.

إن هذا النجاح أو المهنية في تعامل قطر مع الأزمة، لم تأتِ من فراغ؛ إنما من خبرة سياسية امتدت عقودًا كانت قطر تعتبر فيه الموجه للسياسة الخليجية وعاملًا مؤثرًا في الساحة الإقليمية، ونتيجة ذلك بدأت قطر تخرج عن إطار التأثير الأمريكي أو بعبارة منصفة أكثر أصبحت تكون أقل عرضة للتأثير الأمريكي في بناء سياستها وأسسها بالمقارنة مع الدول الخليجية الأخرى، فضلًا عن كونها المحتضن الرسمي للإسلاميين في المنطقة، لدرجة اعتبرت قبلة الإسلاميين واليوم ما زالت تحتضهنم بالرغم من المعارضة الشديد لذلك، أي أنها بدأت في مرحلة استقلال الدولة إن صح التعبير أو على الأقل تقدم في مستويات اللعب.

أي بالإجمال يمكن القول إن السعودية ليس بالسهولة أن تحدد أسسها ونظامها والأصعب أن تكون ناضجة ومؤهلة سياسيًا لتكون لاعبًا كما يحاول الشاب محمد بن سلمان، فالأزمة القطرية أجدها أحد العوامل التي تؤكد أن هناك ضعفًا وتحديات بالغة أمام السعودية في سبيل إثبات حضورها الإقليمي، إذا لم تتدارك السعودية ذلك خاصة مع تعدد الجبهات وملازمة الحدة في مواقفها وتحركاتها سواء الداخلية أو الخارجية.

 لبنان وفقه الأولويات والهزائم

هناك مبالغة مفرطة أو مدفوعة في تناول استقالة الحريري من قبل السعودية، وتباهٍ غير مبرر من مؤيدي سلمان في ذلك، إذ التأثير السعودي في لبنان ليس جديدًا على الساحة أبرز محطاته تعود إلى اتفاق الطائف سنة 1989 مرورًا بتسمية «تمام سلام» رئيسًا للوزراء فورًا عودته من الرياض عقب لقاء الأمير بندر بن سلطان، أي هناك صور أكثر إثارة واستحقاقًا بالتباهي في ترويج دور السعودية في لبنان غير استقالة الحريري الحالية.

حيث بعيدًا عن حملات ترويج استقالة الحريري من قبل السعودية أو الحملات المضادة من قبل حزب الله، هناك أمر مهم يتعلق بهذه الشخصية التي أثارت الجدل وحتى المخاوف في الشارع العربي.

وهذا الأمر ما يجعل الاستقالة محيرة التأثير، إذ في الوقت الذي لا يمكن القول فيه إنها ذات نفع مهم بالنسبة للمصالح السعودية كما يروج، كان لابد منها لتدارك أخطاء كارثية محتومة، نتيجة سياسات الحريري الذي ذهب يومًا رئيسًا إلى الولايات الأمريكية وعاد مواطنًا إذ في أثناء لقائه مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما يلتقط الصور، أقدمت حكومته في لبنان على الاستقالة.

والحريري ذاته الرجل الذي قدم تنازلات ألحقت الضرر بالوجود السني اللبناني بدون مقابل عند موافقته على التسوية الرئاسية، والحريري ذاته من استمر بالتنازلات عندما تمت بالموافقة على قانون الانتخابات الذي اعتبر أكبر هزيمة سياسية للطائفة السنية في لبنان، إذ يعتبر ذلك القانون ما يؤهل حزب الله إلى تشكيل أغلبية في الحكومات القادمة.

والحريري ذاته من فشل في توحيد الجبهة السنية في لبنان، هذا هو الحريري الذي يقدم الآن استقالته من الرياض بذريعة الهيمنة الإيرانية، فالاستقالة أمر كان لابد منه بل سبق وطالب به المعارضون السنة في لبنان للخلاص من التسوية الرئاسية وإلغاء قانون الانتخابات، ونتيجة هذا الواقع والظروف إلى الآن لا يمكن اعتبار استقالة الحريري من الرياض في صالح السعودية أو حتى عدمه، فالأمر مرهون بالمجريات الحالية والقادمة.

وقبل أن نتابع مناقشة التدخل السعودي في لبنان باعتباره وسيلة مواجهة نفوذ إيراني وإثبات حضور إقليمي، نتساءل أما كان من الممكن أن تدعم السعودية الحريري في سبيل عدم الموافقة على تلك التنازلات التي زادت من النفوذ الإيراني في لبنان وأضافت له الشرعية، بدلًا من هذه الاستقالة التي إلى الآن لم يتم فتح باب التسوية حولها بغية طرح إلغاء قانون الانتخابات كما تأمل المعارضة اللبنانية.

على العموم اليوم يمكن القول إن طبيعة الصراع السعودي مع حزب الله باعتباره أحد أذرع إيران في المنطقة، سوف يحدد مستقبل الطموح السعودي وتأثيره، حيث في حالة النجاح ستكون هناك المزيد من التحديات الإيرانية أمام السعودية لتحقيق نجاحات أكثر، أو الفشل ومواجهة المزيد من الصراعات والتحديات نتيجة هذا الفشل.

ما تمتلكه السعودية في هذه المغامرة عدة أوراق لا تخرج عن كونها أوراقًا سياسية بحتة الأولى الموقف الأمريكي المتسم بالتحفظ تجاه لبنان نتيجة قلة المصالح الأمريكية بالمقارنة مع البلدان العربية الأخرى، حيث لم تكن هنالك مصلحة أمريكية حيوية في لبنان بشكل مباشر في أي مرحلة من مراحل تاريخ العلاقات بين الطرفين، مع ذلك فقد كان لبنان يحظى باهتمام خاص في دوائر صنع القرار الأمريكي وفي المؤسسات الرسمية المعنية برسم السياسة الخارجية، إلا أنها تدرك أن لبنان ليس محطة تولد فيها السياسات الإقليمية بل هو ساحة تنعكس فيها هذه السياسات.

 بالإضافة إلى أن الموقف الأمريكي تجاه إيران منذ سنوات ويمكن أن يكون كذلك لسنوات أخرى قادمة، سبق وعبر عنه الدبلوماسي العراقي فائز السعدون: بأن «الهدف النهائي لأية سياسة أمريكية تجاه إيران هو احتواؤها حينما تشكل تهديدًا للمصالح الأمريكية الحيوية والتعاون معها عندما تقوم بخدمة هذه المصالح وهذا المنطق يستبعد اللجوء مباشرة إلى استخدام منطق المواجهة باستخدام القوة، لأن ذلك سيقود إلى استفزاز طهران وإلى تصعيد في منطق القوة لدى الطرفين، وهذا أمر لا مبرر له» وأود الإضافة إن الولايات الأمريكية لا يمكن أن تقوم بهذا الأمر لأجل السعودية.

لكن على العموم لا يخفى اليوم هناك توجه أمريكي في تحديد النفوذ الإيراني، يتمثل على ما يبدو في هذه الأزمة كما اتضح إلى الآن، من الحديث عن عقوبات بحق حزب الله والمطالبة باعتقال قيادات فاعلة وإثارة قضية مقتل الحريري الأب، وتقديم دعم للجيش اللبناني ومعونات مادية لحل إشكالية اللاجئين، وعلى جانب آخر إثارة الاتفاق النووي الأمريكي.

الورقة الثانية لدى السعودية التي تناولتها الصحف العربية والغربية تنقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول تنازل عن مطلب بشار الأسد أمام روسيا بمقابل التوقف عن دعم النفوذ الإيراني كما كشفت صحفية القدس العربي: «بأن الملك سلمان أبلغ بوتين بأن لا مشكلة لديه في بقاء الأسد رئيسًا لسوريا لمرحلة انتقالية أو حتى أكثر من ذلك لكن مشكلته هي العلاقة الوطيدة التي تجمع الأسد بطهران، وتحديدًا بمرشد الثورة علي خامنئي» مما يوفر مساحة لصالح السعودية عند تراجع روسيا خطوة إلى الوراء.

والوصف الأنسب برأيي لهذه الورقة هو تحقيق هزيمة كبرى من أجل انتصار صغير لا يمكن ضمانه، أما القسم الثاني فهو توافق واتفاق سعودي إسرائيلي ضد حزب الله، حيث كشفت صحيفة «بلومبيرغ» الأمريكية «أن هناك اتفاقًا إسرائيليًا سعوديًا في مواجهة إيران، من خلال حزب الله ضمن الاتفاق توزيع للأدوار سيضع السعودية في واجهة الحرب الدبلوماسية، التي بدأت باستقالة الحريري على ما يبدو، بالتوازي مع الحرب العسكرية الإسرائيلية».

والأمر إن حدث فعلًا كما تتحدث الصحيفة من اندلاع حرب وشيكة بين حزب الله وإسرائيل ذلك ما يمكن يكون في صالح حزب الله من شأنه أن يدعم شعبية الحزب ويضيف طابعًا محرجًا في الأزمة من قبل الشعوب العربية وحكوماتها، إذا لم تتخذ إيران ذلك مبررًا في زيادة نفوذها.

أما القسم الثالث من هذه الورقة فيتمثل في العامل الاقتصادي، إذ هناك تأثير يمكن أن تمارسه السعودية في دعم الاقتصاد اللبناني أو حتى من إلحاق الضرر فيه، لكن بكل الأحوال لا يمكن أن تخرج الأوراق السعودية عن هذا الإطار ولنا بالتجارب السابقة محدودية الأوراق السعودية وفعاليتها.

كسوريا حيث على الرغم من الدعم السعودي ومحاولة مواجهتها النفوذ الإيراني من خلال الثورة السورية، إلا أنها بعد كل هذه السنوات فشلت وبدأت تعرض الانسحاب أمام روسيا، وهذا ما يثير القلق من جدوى الأوراق السعودية؛ فالواقع معقد ينذر بصراع وجودي، وإمكانية الفشل واردة أكثر من النجاح، إذ نحن نتحدث عن حزب يعد أقوى قوة مسلحة غير تابعة لدولة في العالم يقدر مقاتلوه بـ25 ألفًا يمتلك شعبية كبيرة في صفوف أتباعه من الطائفة الشيعية في لبنان، فالمواجهة عن طريق العقوبات وملاحقة القيادات قد لا تكون مثمرة، فالأحزاب الكردية منذ سنوات على قوائم الإرهاب وما زالت تعاني منها تركيا، أو حتى مستوى البلدان لم تحقق العقوبات ولا الحصار الأمريكي على العراق نتائجه، الأمر الذي انتهى باحتلال الجيش الأمريكي العراق.

 حيث إن المواجهة في مثل واقع كهذا تتطلب خبرة سياسية عالية، وقدرًا من النضوج والدهاء والمزيد من الحلفاء، فالواقع معقد للغاية واستئصال طرف مثل حزب الله تدعمه إيران أمر ليس بالسهولة كما أشرنا، إذ فضلًا عن كونه يمكن أن يؤدي إلى صراع داخلي، هو أن النفوذ الإيراني في المنطقة نفوذ عقدي ممنهج تم التخطيط والإعلان عنه علنيًا منذ عام 1979 بما يعرف بتصدير الثورة والخطة الخمسينية، وذلك ما يحتاج إلى تخطيط وجولات مرحلية ليس دعمًا دوليًا لا توجد فيه ضمانة مؤكدة، لهذا إن استطاعت السعودية لا استئصال حزب الله إنما إعادة التمثيل السني اللبناني، أعتبره شخصيًا إنجازًا يمكن أن يبشر بخير، سواء في مواجهة النفوذ الإيراني أو في إثبات الحضور السعودي في المنطقة، فهل سوف تكون السعودية قادرة على ذلك؟!

ولهذا أتجه بالانتقاد والحديث عن اختيار السعودية لبنان محطة سواء لإثبات حضورها الإقليمي أو مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة بالاختيار غير الموفق، كان الأولى أن تستخدم أساليب أكثر سلمية في لبنان وتعمل على توجيه هذه الحدة لمواجهة النفوذ الإيراني في بلدان إمكانية الحصول على مكاسب أكثر نجاحًا لها وضررًا تجاه إيران.

ومن هذه البلدان سوريا نعم التي تؤكد لروسيا الآن أنْ لا مشكلة لديها في بقاء الأسد، إذ سوريا محاولة مواجهة النفوذ الإيراني فيها وإثبات الحضور السني السوري أكثر ضررًا لإيران من لبنان، إذ إيران تعتبر نفوذها تحت حماية حزب الله، في حين سوريا ما زالت تكافح من أجل السيطرة عليها، والضعف الذي لحق بالمعارضة والتفكك في الفصائل يساهم في إمكانية إعادة صيانة الأطراف السورية في تمثيل موحد، وما يعني فرصة مواجهة نفوذ إيراني في منطقة لا تمتلك فيها إيران نفوذًا عقديًا شعبيًا ما زالت متاحة من شأنها الضرر بالمصالح الإيرانية.

في العراق أيضًا هناك فرص لمواجهة النفوذ الإيراني، إن لم تكن هذه الفرص في صالح السعودية أكثر من الفرص المتوفرة في سوريا ولبنان واليمن، فعلى الصعيد السياسي يمكن استثمار الخلاف الكردي لدعم الوجود السني العربي، مع التقدم خطوة باتجاه تركيا، ذلك ما يمكن أن يثمر عنه مشروع ينال من المصالح الإيرانية في العراق وحتى على مستوى المنطقة، يمكن أن يؤدي نجاحه إلى إعادة الهوية الوطنية والعربية للعراق، خاصة والعراق مقبل على فترة انتخابية يعاني فيها من إرباك، وأي مواجهة في العراق الآن تصب في صالح السياسة السعودية.

لكن في حالة العكس من الاعتماد على سياسة الحليف كما الحاصل الآن أمر لا يمكن المجازفة به، فترامب لم يغير خطابه أو مواقفه الانتهازية تجاه السعودية باعتبارها وسيلة لدعم الاقتصاد الأمريكي، وحتى الاعتماد على الموقف الإسرائيلي الجديد الذي ليس بعيدًا عنا خيانته للكرد في الأيام الماضية في قضية الانفصال، فالكرد ما زالوا تحت صدمة هذا الخذلان الأمريكي-الإسرائيلي، أو حتى محاولة كسب شخصيات شيعية واستخدامها أوراقًا تجاه إيران، فالصدر الذي تعول عليه السعودية هو من نكث في مبادرتها في عام 2006 بما عرف آنذاك بوثيقة مكة، وإن صدق مقتدى الصدر بعروبته فلن يسلم من الاغتيال الإيراني.

فإذا كانت لدى السعودية اليوم نوايا جادة في مواجهة النفوذ الإيراني عليها أن تكف عن تجاهل حقيقة النفوذ الإيراني، بأنه نفوذ عقدي توسعي، لا يمكن مواجهته إلا بالإطار العقدي المماثل، فهذه صراعات بالمحصلة عقدية، لا يمكن الحد منها إلا وفق لغة الصراع، ولم يتمادَ ذلك النفوذ إلا من خلال هذه اللغة.

ولا أعني بلغة الصراع بالضرورة صدامًا مسلحًا بالوكالة أو حملات دينية هالكة كالقنوات الطائفية صفا والوصال، إنما أمر أشبه باستحواذ النوري التهديد به لا الإقدام عليه، وإلا إن إيران التي تخطط وتدعم وتعمل منذ عقود ليس من السهولة أن تقدم تنازلات أمام السعودية، البلد الذي يحاول أن يبني حضورًا بعد سبات طويل، ولهذا علينا أن لا ننزعج من تصريحات الشخصيات الإيرانية اللاذعة والساخرة من المواقف السعودية.

ولهذا أيضًا علينا الاقتناع بأن اتجاه قطر نحو الاستقلالية السياسية ليس ترويجًا مدفوع الثمن، إنما واقع، فلدى قطر رهان أرضي وهو الإسلاميين، استطاعت من خلاله لعب أدوار هامة في المنطقة سواء سابقًا وحاليًا وحتى مستقبلًا، إلى حد شكل قلق ولا يزال يشكل لدى العديد من البلدان والذي يعتبر أحد أسباب استهدافها، فهل سوف تعمل السعودية على إقامة رهان أرض في العراق وسوريا، ذلك أعتقد ما يحدد جدية المواجهة السعودية للنفوذ الإيراني في المنطقة ومن شأنه أن يضع السعودية في قائمة الدول المؤثرة والقيادية في المنطقة كما يحلم محمد بن سلمان!