قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ.

التماس رضا الناس بالمبالغة والتزلف والاستخفاف بآيات الذكر الحكيم، لا يحقق غاية المتزلِّف وإنما هو سبيل لكراهية الناس لهم بمن فيهم من يتقربون إليهم بهذا التملُّق الرخيص؛ وهذا عقاب لكل متزلفٍ وصدق الله تعالى القائل: «وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ». نحن لا نرصد الحكم الشرعي لمن يستخف بالقرآن العظيم؛ فللفتوى قاماتٌ تكفينا هذا العبء وتضطلع بهذا الشرف. والكلمة أمانة يدرك قيمتها من كان له مثقال ذرةٍ من عقل، ولا علاقة للعقل بالسن على الإطلاق؛ فقد يتطاول رجلٌ كبير السن خفيف العقل؛ فيزجره صبيٌ لم يبلغ مبلغ الرجال بعد. أمثال هؤلاء وأولئك من حولك لا حصر لهم، وقبل أن نعرض لهم يتعين علينا أن نقف مع مثالٍ يُحتذى به في الرد بحكمةٍ وأدب على من يستخف بآيات الله. ويشاء ربك أن يكون الرد من صبيٍ في العاشرة من عمره؛ إنه عمير بن سعد.

كان عمير بن سعدٍ في العاشرة من عمره، وقد مات أبوه فتزوجت أمه من رجلٍ يدعى «الجُلاس بن سويد»، وكان الجلاس يحنو على عميرة ويحبه لذكائه وفطنته، كما أن عميرًا وجد في الجلاس رفقًا بحاله وعطفًا عليه؛ فبادله حبًا بحب وهذه جبلة بشرية، فالنفوس تحب من يحسن إليها. وفي بعض الأيام نقل عمير لأمه وزوجها الجلاس خبر تسابُق الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لتجهيز جيش العُسرة، وقد نقل عمير لهما الحدث بعد أن سجله في ذاكرته، وقد شهد ذلك في المسجد بنفسه. انتهى عمير من سرد ما رأى وسمع؛ فإذا بالجلاس يُخرجُ كلمةً خطيرة إذ قال: (إن كان محمدٌ صادقًا فيما يدعيه؛ فنحنُ شرٌّ من الحمير)! إذا تأملت كلمة (يدعيه) فهي تكذيبٌ صريح للرسول الكريم، وقد يمرُّ الأمر علينا مرَّ الكرام، لكن هل تتصور أن ابن العاشرة غض الطرف عن الكلمة؟ هل قال عمير بن سعد لنفسه: الزم الصمت؛ فأنت تعيش في نعمة الجلاس، ولا تشغل بالك بما قال!

لم يفعلها ابن العاشرة، وإنما شحب لونه وهو يقول للجلاس: يا جلاس! والله إنك لتعلم أنك كنت أحبَّ عباد الله إلى نفسي بعد رسول الله، وإنك قلت الآن مقالةً لو ذكرتُها فضحتُك، ولو أخفيتها؛ خُنتُ الله ورسوله وأهلكتُ نفسي وديني، وإني عازمٌ على أن أخبر بها رسول الله؛ فكن على بينةٍ من أمرك. مضى عمير إلى رسول الله وقص عليه الخبر، ثم أنزل الله في حق الجلاس بن سويد: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ۚ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ۚ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ ۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ). هذا صبيٌ في العاشرة من عمره، فماذا عن رجالاتِ عصرنا؟!

وكم رجلٍ ترى فيه صبيًا *** وكم من فتيةٍ وهم رجال

بالأمس القريب كاتب سعودي يدعى رمضان العنزي أراد أن يمتدح الملك سلمان بن عبد العزيز؛ فكتب مقالًا في العدد 16346 من جريدة الجزيرة السعودية بتاريخ 30 يونيو (حزيران) الماضي بعنوان: «يا خادم الحرمين الشريفين.. كم أنت حليم أواه منيب شديد العقاب». وهذه مبالغة لا تصدر عن عاقلٍ على وجه الأرض، فضلًا عن كاتبٍ يفترض أنه يضع الأمور في نصابها دون تهوينٍ أو تهويل. كتب العنزي يجمع لخادم الحرمين الشريفين بين صفاتٍ نبوية امتدح الله تعالى بها الخليل إبراهيم عليه السلام وهي: حليمٌ أواهٌ منيب، بالإضافة لصفةٍ من صفات الله عز وجل وهي: «شديد العقاب»؛ فكانت النتيجة بداهةً إيقاف الكاتب عن العمل بعد هذه المبالغة الشنعاء.

وعقب اعتقال عدد من الأمراء السعوديين وكبار رجال الأعمال بالمملكة الأسبوع الماضي ضمن ما أطلق عليه «مكافحة الفساد»، تبارى البعض في التماهي مع موقف الباب العالي لدرجة أن بعض هؤلاء غرد على تويتر قائلًا: (عرشُ الله يهتز بالكبائر، ولكن عرش محمد بن سلمان ما يهزه كبائر ولا أمراء ولا رجال أعمال.. ولي العهد على العرش استوى). ألهذا الحد بلغ الاستخفاف بكلام الله عزَّ وجل! اللهم إنا نبرأ إليك مما قاله هؤلاء وأمثالهم، والله نسأل أن ينعم علينا بإجلال كلامه وتوقيره عما نحن عليه الآن.

ألم يسمع هؤلاء ما قاله جوته؟! «كلما قرأت القرآن شعرت أن روحي تهتز داخل جسمي؛ فهو كتاب الكتب، وإني أعتقد هذا كما يعتقده كل مسلم فلم يعترِ القرآن أي تبديل أو تحريف، وعندما تستمع إلى آياته تأخذك رجفة الإعجاب والحب، وبعد أن تتوغل في دراسة روح التشريع فيه لا يسعك إلا أن تعظم هذا الكتاب العلوي وتقدسه، وظني أن التشريع في الغرب ناقص بالنسبة للتعاليم الإسلامية، وإننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، ولن يتقدم عليه أحد، وقد بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان فوجدته في النبي العربي محمد».

ألم يسمع هؤلاء ما قاله ابن تيمية رحمه الله؟! وكلامه لا يحتاج شرحًا: «ليس لأحد أن ينصِّب للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها، غير النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينصب لهم كلامًا يوالي عليه ويعادي، غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصًا أو كلامًا يفرقون به بين الأمة، ويوالون على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون».

البعض يروق له استخدام سلاح التطبيل للوصول للشهرة أو لتحقيق مكاسب بطريقةٍ ما، كما أن هناك البعض ممن يدفعهم حماسهم الشديد للأشخاص أو السياسات؛ فيطلقون من الشعارات والعبارات ما يكون عليهم وبالًا، أردت أن أذكر نفسي وأحبتي من الصحافيين وغيرهم بمصير المتزلفين عبر بعض وقائع التاريخ، وصدق المصطفى: «وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم».

ثق بأن الناس لا تأتمن المتزلف وإن كان يسعى لتمكينهم؛ فإنهم لن يأمنوا أن يمكر بهم كما مكر لهم قبل ذلك، ويظل يتقلب على جمر الحسرة بعد ذلك، ويندم ندامة الكُسعي أبد الدهر. كان الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان قد أقطع هشامًا ابنه أرضًا يقال لها دُورِين في بلاد الشام. علم هشام من خاصته أن دورين أرضٌ خرابٌ لا إيراد لها ولا غُلة؛ فقال لرجل يدعى زويد وكان كاتبه على الشام: وماذا عساي أصنع بأرضٍ خرابٍ لا إيراد لها؟! فقال له زويد: وإذا أصلحتُ لك الأمر، ماذا تعطيني؟ فقال هشام: أربعمائة دينار، قال: هاتها؛ فأعطاه إياها؛ فأتى الكاتب بصكِ تلك الأرض، وكتب بجوار كلمة دورين بخطٍ صغيرٍ ولكنه موافق تمامًا للخط الذي كُتِبَ به الصك: (وقراها)؛ لتصير «دورين وقراها»، الأمر الذي مكَّن لهشام بن عبد الملك من جمع مبالغ طائلة من غلة الصك. وبعد فترةٍ أصبح هشام خليفة للمسلمين؛ فجاءه زويد مستبشرًا يطمع في أن يوليه هشام منصبًا رفيعًا؛ فقال له هشام: دورين وقراها؟! والله لا نوليك على عملٍ لنا أبدًا؛ فخرج كاسِف البال.

ولا يختلف الحال عما نؤصل له في كل العصور؛ ففي العصر الحديث وإبان فورة الشيوعية كان ستالين قد نصّب نيكولاي يوجوف رئيسًا للشرطة السرية؛ فأمعن يوجوف في التنكيل بمن أطلِق عليهم «أعداء الشعب»، وكان يترصد رضا ستالين عليه في كل حركة وسكنة. أسرف يوجوف في تصفية أعضاء مجلس السوفيت الأعلى وجرّد الكثيرين من ضباط الجيش الأحمر من رتبهم العسكرية وأعدمهم، وكان يرفع عقيرته بقوله: يداي قصيرتان ولكنهما يدا ستالين، ولكن ماذا بعد؟!

ستالين نفسه اتهم يوجوف بالخيانة الكبرى، وحوكم يوجوف وأعدم عام 1940، وقد تم إزالته من الصور الرسمية التي كانت تجمعه بستالين وكبار الشيوعيين. ربما يكون جوزيف مكارثي قد أفاد من سياسات يوجوف بعد ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد لاقى مصيرًا مشابهًا. إن كان السعي للجلوس على العروش وامتلاء الكروش والتلذذ على الفروش يقارن بعرش جبار السماوات والأرض؛ فتعسًا لكم وخاب سعيكم!

وأنت صديقي القارئ! اغرس في نفس ولدك تعظيم كتاب الله، وأن يلهج بالاقتباس من آياته النيرات فيما يوافق مواضع تلك الآيات، وأن يتنزه عن الاستخفاف بالذكر الحكيم، هذه رسالتي لك؛ فاحرص عليها حرصك على سلامة بدن ولدك وعقله.

ومن لم يرشدوه في صباه *** تحكم في شبيبته الضلالُ