من أخطَاء ذوي الهِمَم العَالية رغبتهُم الإحاطَة بكلّ جَوانِب الخير، والضَّربِ مع كلّ قومٍ بسهمٍ! ومع انتِشار العُلوم الإنسانيَّة والتطبيقيَّة، ومعَ هذا التَّطور العجيب السَّريع، أصبحَ التّخصُّص في الحياة العلميّة والعمليّة أمرًا ضروريًا، وأصبحَ التّخصُّص طريقًا للإبداعِ والتَّميّز عن الغير.

وليعلم من يَبحثُ عن النَّجاح، أنّه ليس يرتبط بالوقت والجهد فحسبْ، بل لا بد للنّجاح من بوصلة يتم من خلالِها توجِيهُ الجُهُود والأوقات نحْوَ هدفٍ معينٍ سيكونُ فيه التّخصُّص ثم النَّجاح، فالتّخصص مدعَاةٌ للنّجاح، ولا نَجَاح بدُون تكامل ولا تكامُل بدون تخصصيّة، ومُراعاة التخصّص من أهم مقوّمات النّجاح والاستِقْرار؛ حيثُ لا يبغِي بعضٌ على بعضٍ، ولا يمُوجُ بعضٌ على بعضٍ، فنُقَدّر لكلٍّ مجاله وتخصّصه، فللفقيه فقهه، وللطبيب طبُّه، ولكلٍّ فنّهُ، يجمعهم التناصح والتواصي.

فعالم شرعي بعمق في الفقه ورُسوخِ قدم في الاستدلال، ومفكر بِعُمقِ معرفة بتاريخ الأمم وسنن الصراع، وسياسيٌّ بحنكة وحصافة رأي، ومجاهد ببذل وشجاعة، في شخصٍ واحدٍ أمرٌ متعذّرٌ، واستعجالُ نَيْل الفضائِلِ والتَّنقَّلُ بَينَ التخصُّصَات دونَ مُراعاةِ سنن التّدرّج والصَّبر، مُصادمَةٌ لِنوامِيس الكوْنِ الغالبةِ لا مَحَالةَ، وخَاتِمةُ السّائِرِ فِي هَذا الطّريق يأسٌ وتركٌ.

ونُصوص الوحي والسُّنة واضحةٌ صريحةٌ في هذا الأمر، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ). فهذه الآية دلّت على أنّه لا يُمكن أن يكون كلُّ النّاس عُلماء، ولا أن يَكُون كلُّ النَّاس حُكّامًا، ولا أن يَكُونوا كلهم مجاهدين ولا فلاحين ولا سياسيّين ولا ولا …

ورحم الله صَاحِب الظّلال حين قال: إن هذا الدين منهج حركي، لا يفقهه إلا من يتحرك به؛ فالذين يخرجون للجهاد به هم أولى الناس بفقهه؛ بما يتكشف لهم من أسراره ومعانيه؛ وبما يتجلى لهم من آياته وتطبيقاته العملية في أثناء الحركة به، وقَد جَاء في آية أُخرى أمرٌ واضحٌ بردِّ الأمر لأهل التخصّص، قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ).

أمّا فِي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهْيَ التّفسيرُ العملي للقرآن الكريم فقد قال صلى الله عليه وسلم:

– أنتُم أعلَمُ بأمُورِ دُنْياكُم، فِي مسألة تَوبير النَّخل.

– يَؤُمُّ القوْمَ أقرؤُهُم، فِي إمامة المُصلين.

– أقْرَؤُكُم أُبَيٌّ، أفرَضُكُم زيْد، في العلوم الدينيّة.

وقد ثبتَ عنْه صلى الله عليه وسلّم أمْرُه لعبد الله بن زيد – صَاحِب رؤيا الأذان – أن يلقي ذلك عَلى بلال؛ لأنَّه أندى منه صوتًا، وهذا هو التخصُّص بِعينِه.

وإِنه مَتَى ما عَسَفَ المرءُ نفسهُ إلى غيرِ طبيعتِها أو تَخَصُصِها الذي تُجيد أو طبيعَتها التي تُحْسن، فإنَّ العاقبة هي الزللُ لا مَحالة، وكما قيل: لا تَعْسَف الشابَ بعد أن يكبر على ما يُناِفي طَبْعَهُ – أي: تخصصه، لأنّه سيقصرُ فيها أكثر مما يُحسن.

إن الافْتِيَات والتّطّفل والتّدخُّل في تخصصات الغير أمر سيّئ، وكفى بهذا الأمْر من سوءٍ وقوعُه في مخالفةِ هذا الخُلق الرفيع والهدْيِ النَّقي من النبي صلوات ربي وسلامه عليه حين قال: مِنْ حُسنِ إسلامِ المرءِ تركُهُ ما لا يَعنِيه، وإنّهُ لمن المُؤسف جدًا، خصوصًا في عالم المعْلُومات والتكنولوجيا، كثرة الخَلط واللّغط، والتّطفُّل على العَالم والحَاكِم، وعلى المُصلح والنَّاصح، وعلى كلِّ ذي تَخصّصٍ، فأضحى كل يَلِتُّ ويَعْجِن، بل يَهْرِفُ بما لا يَعرف، دونما هَيبةٍ لمرجعيَّة ولا احترام لتخصُّصٍ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أعْطُوا كلّ ذي حقٍّ حقَّه، وكم من عبقريّة مُرّغَت في وحْل التّنازع مع دَنيء مُتطفّل على الاختصاص.

ألا فليعرف كل امرئ قدْرَهُ، وليراجع نفسَهُ فيما أخذ وما ترك، وقد أحسن من قال:
إذا كنتَ ذا لبٍّ فحاذِر تطفُّلا .. ولا تقفُ شيئًا غيرَ ما أنت عارفُ
لكيلا ترى من يزدريك لزلّةٍ .. فللنّاس فيما تدّعيه معارفُ

ولا يعني التخصّص أن المتخصص لا يقصِّر، أو لا يعتريه النقصُ، ولا يعني التسليمُ له أيضًا، بل الواجب التدخل بالنّصح إذا كان للتدخُّل برهان، فهذا النبيّ – وهو لا يقول الشعرَ – لم يصدَّه ذلك عن بيانِ الحقّ وعدَمِ تأخيره عن وقت الحاجة حيث قال صلوات الله وسلامه عليه: أصدقُ كلمةٍ قالها الشاعر كلمة لبيد:

ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل، وقد أغفل النبيّ صلى الله عليه وسلم عَجُز البيت الذي يقول فيه لبيد: (وكلّ نعيم لا محالة زائل)؛ لأنَّ نعيمَ الجنّة لا يزول ولا يحول، وهذا يدلّ على عدم موافقةِ النبيِّ لعَجُز البيت بدلالةِ الإيماء والتنبيه.

ومِن قواعٍد الإبداع عند شيخ الإسلام قوله: (ومعلومٌ أنّ من اجتمعَ هَمّهُ عَلى شَيءٍ واحِدٍ كان أبَلغَ مِمَن تَفرّقَ همُّهُ فِي أعمالٍ متنوعة)، ورحِم الله السمعاني حيث ردَّ على أحدهم قائلًا: فكان الأولى به عفا الله عنه أن يتركَ الخوض في هذا الفنّ ويحيله على أهله؛ فإنَّ من خاض فيما ليس من شأنه فأقلُّ ما يصيبُه افتضاحُه عند أهله. وكذا رحِم الله ابنَ حَجَر حيث قال: ومَن تكلَّم في غيرِ فنِّه أَتى بالعجائب.