حدَّثني أبي عن جَدِّي قال:

كُنَّا ذاتَ يومٍ نتراشقُ بالخَذَف، ونجمع الصَّدَف، نغازل خيوط الشمس وكأنها شُعور الغانيات المائلات المُميلات، ونضحك فلا نفتُرُ إلا على عصا الطالب، وهو مُعلِّم القرآن، ينكُزنا لنأخذ بالألواح مُغاضِبين وفرحين، أيًّا كان ذلك فلا يأتي المساء إلا وقد حفِظْنا جزءًا من القرآن عن ظهر قلب وحُبٍّ، وغيرَ بعيدٍ منَّا نسمع قصف الطائرات الرُّوميَّة على جِبال زَمرةَ تطارد المجاهدين وعلى يقينٍ نحنُ – كيقين الأطفال – أن قلوب الرجال لا ترتجف ولو رجفتْ بذاك الجبال!

جثمت فرنسا أكثر من 130 عامًا على صدر هذا الوطن الجميل الذي هو أكبر من هاته الحدود الترابية الوهمية، وبعد مرور 100 سنة من دخول الجيش الفرنسي مدينةَ سيدي فرج التاريخية، أسس الإمام عبد الحميد بن باديس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، مُعلنًا بذلك أن هذا الوطن باقٍ على ثوابته، قبلَ أن يفكر الفرنسيون في غزوه واحتلاله، كان علماء الجمعية يلبسون برانسهم الأمازيغية ويتكلون بالعربية الفصيحة ويُطْلقون لِحاهم ويفتتحون كل يومٍ مدرسة للبنات أو البنين يُعلِّمونهم القرآن وأصول التربية الإسلامية.

كان ذلك يتمدد على أرجاء الوطن الفسيح، كان الأهالي يستقبلون المجاهدين والعلماء استقبال التربة لماء الغيث فتهتزُّ وتربو وتنبت من كل زوجٍ بهيج، وكلما ازداد تعلُّق الجزائريين برموزهم وثوابتهم زادت فرنسا وحلفاؤها في الداخل والخارج من سطوة العذاب، حتى جاءت مظاهرات 8 مايو (أيار) سنة 1945 حين خرج المدنيُّون الجزائريون في عدة مناطق ابتهاجًا بنهاية الحرب الكونية الثانية ومُطالبين حكومة الاحتلال بالوفاء بعهدها في تقرير المصير، فاستغلَّت قوى الظلام تلك البهجة لتقمع المظاهرات وتوقِع أسلحة الجيش الفرنسي آلاف الشهداء يُقدَّر عددهم في أقل الإحصائيات بـ 45 ألف شهيد في يوم واحد، كانت الأرض ترتوي ليس بالمياه المنهمرة وإنما بالدماء التي جمَّلتْ مسرح الملائكة في ذلك اليوم المشهود!

45 ألفَ شهيدٍ في يومٍ واحدٍ!

نحن أحفادهم دون ريبٍ إذًا!

لم يكونوا أوَّلَ الشهداء ولا آخرَهم، فرنسا تعلم ذلك جيدًا وتعلم أنها كل يوم منذ سنة 1830 وهي تقتل الأطفال والنساء والشيوخ وتُحرق الأراضي والزرع وترتكب كل الجرائم الإرهابية بحقِّ الإنسان والطبيعة وفقًا لدساتير الديموقراطية واعتمادًا على مبادئ الثورة الفرنسية المقدَّسة.

والجزائريون شبابهم وشيوخهم، نساؤهم ورجالهم يُدركون ذلك جيدًا، ويعلمون أن فرنسا القوة الإمبراطورية والاستعمارية ترتكز على حلفاء أوروبيين أقوياء، وترتكز على خذلان الأشقاء والأصدقاء في تلك الرقعة الجغرافية الواسعة التي خرجتْ لتوِّها من حربٍ شعواءَ تحت راية الخلافة العثمانية لتجِد نفسها أمام خرائط إرهابية رُسمت لتستفزَّ المشاعر العِرقية والمذهبية بكل دهاءٍ ومكر.

كان الجزائريون يعلمون كل ذلك، وكل ذلك كان يشبه الصفر في علم الحساب، كل جبروت العدو وكل خذلان الأقرباء، وكل انقسامٍ عمِلت عليه فرنسا في الداخل الجزائري، وكل إغلاق للحدود الوهمية، وكل تجهيلٍ وإبعاد للأهالي عن دِينهم ولغتهم وأخلاقهم وروابطهم الاجتماعية، كل هذه الظلمات لم تُخْمِد وَهَجَ الروح الثورية في قلوب الجزائريين، كان العكس هو الحقيقة الوحيدة.. ثورةٌ تِلو ثورة حتى تُوِّج كل ذلك بالنصر الأكبر.. ذلك النصر المخطوف المسروق!

جاء هؤلاء بعقولٍ ليست بمستوى الدهاء الاستعماري الفرنسي، وبوسائل ترهيبية وترغيبية عفا عليها الزمان والمكان، وأعملوا في الجزائريين شيئًا مما أعملتْهُ فرنسا فيهم، وكلَّ مرةٍ كنا نمسح دموع صغارنا ونسائنا ونضحك، كنا نضحك حدَّ القهقهة والبكاء! كان ضحكًا كالبكاء!

كانت فرنسا تعُسُّ الجزائريين بكلابها المدرَّبة وأسلحتها المدمِّرة وطائراتها المُحلِّقة وخطوط شارل وموريس المُكهرَبة وجواسيسها في كل الزوايا والخفايا يزرعون المخازي ويحصُدون الدَّنايا، فلا وألفُ لا ممدودةٍ نقول ونصرُخ من أعالي جرجرة والأوراس ومن قِفار الصحراء الكبرى وعلى شواطئ البحر الأبيض المترامي.. لن يُرْعِبَنا ذلك العسَّاس الذي نصبتموه على صفحات التواصل الاجتماعي، ولو كان ألفَ عسَّاس وجسَّاس.. ولو كان ألفَ وسواسٍ وخنَّاس.. يوسوس في صدور الناس.. ترجُمُهُ نفحاتٌ ثوريَّةٌ في قلوبنا ويخنَسُ كما خَنَس ابنُ اللقيطة ديغول، فهو مخذول ومرذول، معزولٌ ومقتول، لا ينبِس ببِنت شَفَة، ولا يعرف حقَّ المعرِفة، أبَقِيَ منه جُرْمٌ أو حتى صِفة؟!