ليس لبنان في حاجة إلى حرب جديدة، كما أن إسرائيل غير معنية الآن، على ما يبدو، للتدخل بعمل عسكري ضد الحزب. وأيضاً لا يمكن للسعودية إلا أن تضغط سياسياً واقتصادياً على لبنان، من أجل إضعاف حزب الله.

تُقرع طبول الحرب بقوة في الشرق الأوسط. أصم من لم يسمعها. وهذه المرة، تنطلق الطبول من السعودية. عادة جديدة لم تألفها الرياض، جديدة هي عليها. منذ عامين فقط، بدأت تصدر من السعودية أصوات طبول الحرب. كانت المرة الأولى بسرعة وربما بشكل مفاجئ، عندما أعلنت الرياض الحرب على جماعة الحوثي في اليمن التي انقلبت على الشرعية، يومها شكلت تحالفاً عربياً، وجيشت دعماً دبلوماسياً كبيراً لتلك الحرب.
عامان أو أكثر منذ حلقت طائرات التحالف العربي في سماء اليمن، لمحاولة إعادة الشرعية. عامان ومازال اليمن يعيش أتون الحرب، بل إنها امتدت وتطورت، لتشمل كل مناحي الحياة، فالكوليرا انتشرت بشكل مخيف بين اليمنيين، ومخاطر الجوع تهدد أكثر من سبعة ملايين يمني، بعد أن أغلق التحالف العربي أجواء اليمن البرّية والبحرية والجوية.
بل الأكثر من ذلك أن الحوثيين الذين شنت السعودية الحرب عليهم باتوا اليوم أقوى، ويملكون صواريخ بالستية طار أحدها من اليمن، وسقط في حرم مطار الملك خالد في الرياض، قاطعاً مسافة أكثر من ألف كيلومتر، هو صاروخ إيراني بامتياز، وصل إلى الحوثيين حتماً، عقب الحرب السعودية.
“ليس لبنان الساحة المثلى لقطع يد إيران، إنها موجودة هناك في سورية، تقاتل منذ ستة أعوام وفشلت السعودية في أن تواجهها”

هذا بعض ما حققته “عاصفة الحزم” التي ما زالت جبهةً تنزف في خاصرة السعودية، وقبل أن تهدأ تلك الجبهة، كانت السعودية قد فتحت، بالاشتراك مع الإمارات، جبهة أخرى، بحصارهما قطر، ليخسرا حليفاً صادقاً ومؤثراً على الصعيد الدولي. وعلى الرغم من مضي أكثر من خمسة أشهر، لم يحقق حصار السعودية والإمارات لقطر شيئاً من أغراضهم التي قالوا إنها مطالب على الدوحة أن تنفذها، بل على العكس زادت قطر تماسكاً، وموقفها بات أكثر صلابةً، وهي تكسب المجتمع الدولي نصرة لقضيتها العادلة.
بعد ذلك، فتح ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، جبهة الداخل، بعد أن شنّ، في الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، حملة ضد من وصفهم فاسدين، وما أكثرهم في مملكة الأمراء الذين يستنزفون خزينة البلاد منذ عقود طويلة. ولكن، على الرغم من ذلك، لم يصدق أحد أن هذه الاعتقالات جاءت لمكافحة الفساد وحسب. إنها عملية للتخلص من الخصوم. صحيح أن بن سلمان هو ولي العهد، ولا أحد ينافسه في صعوده الصاروخي نحو العرش، إلا أن ذلك لا يمنع من أن هناك أجنحة في العائلة الحاكمة لا تراه مؤهلاً لهذا المنصب، وربما كانت تعد العدة لفعل شيء لمنعه من الوصول إلى العرش.
وبالتزامن مع ذلك كله، فتح بن سلمان جبهة جديدة، بإرغامه رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، على تقديم استقالته من الرياض، بطريقة لا تخلو من الإهانة. رافق ذلك تصعيد غير مسبوق من السعودية تجاه إيران وحزب الله اللبناني، ذراع إيران التي تُسير بلاد الأرز وتحكمها.
نعم، يجب قطع يد إيران وكل أذرعها في المنطقة، فلقد عربدت وجالت وصالت سنوات طويلة، من دون رادع، ومن دون أي خوف من أحد، ومم تخاف، من السعودية، أم من أميركا، أم من إسرائيل؟ لا أحد. كلهم لم يرغبوا بمنع إيران من التغلغل والتوغل، حتى باتت تسيطر على أربع عواصم عربية، بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.
ولكن، هل يتم قطع يد إيران بحصار قطر؟ هل يتم قطع يد إيران بضرب حزب الله من خلال إسرائيل؟ هل قطع يد إيران بالتحالف مع أطراف يمنية فاشلة، واستبعاد أهل الأرض والقاعدة الشعبية. وأشير هنا إلى حزب التجمع اليمني للإصلاح الذي التقى محمد بن سلمان وفداً ممثلاً له الجمعة الماضية، إلا أن الأمر أثار غضب ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، فسارعت وسائل الإعلام السعودية إلى سحب الخبر مباشرة.
ليس لبنان الساحة المثلى لقطع يد إيران، إنها موجودة هناك في سورية، تقاتل منذ ستة أعوام وفشلت السعودية في أن تواجهها، إنها هناك في العراق تعبث وتدمر منذ 2003، فمن الذي منعكم من التدخل ومواجهتها؟ يبدأ قطع يد إيران في المنطقة بمحاصرة نفوذها في سورية، ومنع الامتداد الجغرافي الذي صار يربط إيران بحزب الله، عبر العراق وسورية، لا أن تقفز السعودية على كل هذه الحقائق، وتذهب إلى لبنان. وفي الوقت نفسه، تغدق العطايا لحكومة بغداد، على أمل أن يعزّز وجودها الاقتصادي من نفوذها في العراق في مواجهة إيران.

“هل يتم قطع يد إيران بحصار قطر؟ هل يتم قطع يد إيران بضرب حزب الله من خلال إسرائيل؟”

حالة الارتباك التي تسود في السعودية، منذ تولي الملك سلمان وابنه محمد مقاليد الأمور، لن تقود إلى قطع يد إيران في المنطقة، وإنما ستزيد من تراكم الفشل في المنطقة، وربما توسع نفوذ إيران أكثر وأكثر.
يقيناً إن لبنان ليس في حاجة إلى حرب جديدة، كما أن إسرائيل غير معنية الآن، على ما يبدو، للتدخل بعمل عسكري ضد الحزب. وأيضاً لا يمكن للسعودية إلا أن تضغط سياسياً واقتصادياً على لبنان، من أجل إضعاف حزب الله، أما خيار الحرب، فإنه لا يبدو خياراً ممكناً الآن، حتى لو كانت الرغبة السعودية موجودة، فالعالم لا يبدو مؤيداً هذا الخيار.
يبقى أن طبول الحرب التي تقرعها السعودية بقوة ربما لا تتعلق بإيران وتدخلها في المنطقة، وإنما في الداخل السعودي، فاليوم هناك عملية فصل قسري بين السعودية وتاريخها السلفي الإسلامي، محاولة فرض علمنة قسرية على الدولة بكل مرافقها، وهو أمر يحتاج عدة طبول تُقرع، حتى لا ينتبه أحد إلى ما يجري وسيجري هناك.