إذا كان مصطلح حركات الإسلام السياسي قد تم تبنّيه لوصف أو للتفريق بين الحركات الإسلامية التي تتبنى المشاركة في السلطة السياسية، وبين تلك التي ترفض المشاركة السياسية، فإنه لا يمكن تجاهُل أن هناك واقعًا جديدًا أفرزته، إما تجربة حركات الإسلام السياسي نفسها بعد توليها السلطة في بعض الدول العربية والإسلامية، وما رافق ذلك من تغيرات في سلوك وتصورات تلك الحركات تجاه نفسها والحكم، أو حتى نتائج ثورات الربيع العربي والتي أدت إلى فشل بعض التجارب ونجاح بعضها الآخر، جميع ذلك قد أصبح يتطلب وصفًا آخر للظاهرة.

فالتجربة الإسلامية في المغرب، والتجربة الإسلامية في تركيا، علاوة على التجارب الإسلامية المبكرة في ماليزيا وإندونيسيا، وما تلا ذلك من تجربة الإسلاميين في تونس وقدرتها على إنجاح عملية التحول الديمقراطي، أو على أقل تقدير تجاوز الإخفاق الذي ألمّ بالتجربة المصرية، قادني هذا إلى التفكير في مصطلح جديد يصلح لأن يحل مكان مصطلح حركات الإسلام السياسي ويجيب على التساؤلات المطروحة أمام السؤال الديمقراطي العام في الوطن العربي[1].

وللتفريق بين المصطلحين أجد أن حركات الإسلام المدني تتسم بعدة خصائص ومن أبرزها: أنها ذات طابع وطني وليس طابع أممي، كما أنها تقوم على الدولة المدنية وليس الدولة الدينية، سواء في مفهوم المواطنة أو في مفهوم إدارة الحكم وحل الصراعات الداخلية، ولا تشترط اعتبار الإسلام دين الدولة في الدستور، كما أنها تركّز على البرامج السياساتية أكثر من تركيزها على الأيديولوجيا، علاوة على ذلك تقديم الصراع الديمقراطي وأولويته على الصراع الأيديولوجي.

ولذلك فإننا نجد أن مفهوم الإسلام المدني في سياقه الإسلامي فضفاض، بعد أن وجدت بعض حركات الإسلام السياسي نفسها قد فشلت في الالتقاء مع الأحزاب العلمانية واليسارية وأحزاب أخرى موجودة على الساحة العربية، فبينما حاول العديد من المفكرين التنظير للإسلام المدني كمحاولة لإعادة التفكير في ربط الدين بالعمل السياسي، ولكن بصورة حديثة بعدما أصبح هنالك تحولات دولية وإقليمية، وصراعات تزداد فجوتها بشكل متسارع مع الأحزاب السياسية الأخرى ذات المرجعيات والأيديولوجيات المختلفة على شكل ومرجعية الدولة[2].

ويمكن القول إن الإسلام المدني هو حزب سياسي مدني يقوم على العمل وفق التخصيص من ذوي الكفاءات والخبرات، مع عدم تبنيه للمنهج الدعوي في عمله السياسي، وقيمه متأصلة من الهوية السياسية، بحيث لا تكون مؤسسات الدولة بدستورها وشكلها ومبادئها مستمدة من الشريعة الإسلامية.

أعتقد أن مصطلح الإسلام المدني يدخل في إطار المشترك اللفظي، أي أن هنالك عددًا من التعايشات أو عددًا من الفصول المختلفة، إن الإسلام المدني الذي أنتجته التغيرات العديدة التي انتهجتها بعض الحركات الإسلامية السياسية في المنطقة غير مقصود أن يكون مقابل الإسلام السياسي، أو هنالك إسلام مدني أو إسلام معتدل، القصد بالإسلام المدني الإسلام الذي يسمونه بالإسلام الاجتماعي الذي ركّز على قضايا مثل التعليم وبناء الإنسان وتطوير قدراته وعلى العمل الأهلي وتشكيل القوى المدنية والاهتمام بالجانب الاقتصادي، وتحسين الشروط الدولية التي تحكمنا جميعًا في التعبير، وإن كان هذا المقصود فأنا أعتبر أن الإسلام المدني بدأت تظهر نواته وهو لا يزال في مراحله الأولى، ولكنه واعد في المستقبل بفعل أن الأحزاب الأخرى لم تستطع أن تتعايش مع الإسلام السياسي، ومن الممكن التعايش مع الإسلام المدني الذي لم يطلق إلا من الغير على بعض الأحزاب الإسلامية التي استطاعت أن تجد المشتركات فيما بينها بعيدًا عن الأيديولوجيا التي تحكم كل حزب بشكل مختلف عن الآخر، ويُنظر إليه كبديل كما هو حاصل في تركيا وتونس، على كل حال هذا التوجه هو توجه واعد؛ لأنه يستطيع أن يتجنب – على الأقل – المآزق الوجودية في التركيب ونمط الممارسة الذي حكم الإسلام السياسي في المرحلة الماضية.

لذلك، فإنني أرى أننا نعيش في المرحلة الأخيرة من مراحل الإسلام السياسي، ولربما خلال العقد سنشهد الحديث عما بعد الإسلام السياسي، ليحل مكانه الإسلام المدني وهو الذي سيجد قواسم مشتركة أكثر مع الخصوم السياسيين الداخليين، لتطوير العلاقات بحيث تصبح لديهم شراكة سياسية بعيدة عن الخلافات الأيديولوجية، طبعًا هذا لا يعني إلغاء أو تراجعًا تامًّا للإسلام السياسي عن الساحة، وإنما من الممكن أن يحلّ مكانه بعد نقاشات ومراجعات ذاتية من الحركات الإسلامية كمحاولة منها للتقرب من الآخر.