كتبت بالأمس مترحما على الجنود والضباط الذين سقطوا شهداء فى العملية الإرهابية التى وقعت يوم الجمعة الماضى فى الكيلو ١٣٥ بطريق الواحات، داعيا إلى التضامن الكامل مع الشرطة وأفرادها فى مواجهة الإرهابيين، ومحذرا من التماس أى أعذار للإرهابيين. واليوم نحاول الغوص فى جوهر العملية، وما ينبغى أن نستخلصه من دروس.
فى هذا المكان كتبت ذات يوم منذ شهور طويلة عقب إحدى العمليات الإرهابية التى وقعت فى الفرافرة أو كمين النقب بالواحات، محذرا من محاولة الإرهابيين خلق بؤرة مواجهة جديدة مع الدولة المصرية تستنسخ ما يدور فى سيناء.
واليوم أجد نفسى أسترجع نفس الفكرة الرئيسية فى ضوء العملية الإرهابية الأخيرة الموجعة والقاسية.
المؤكد أن المواجهة مع الإرهابيين ليست نزهة لأنهم يتلقون دعما هائلا سواء كان ماليا أو إعلاميا أو لوجستيا.
هناك تقديرات بأن الضغوط التى تفرضها الأجهزة الأمنية على الإرهابيين فى سيناء، خصوصا بعد المصالحة مع حماس، وشح الدعم المالى من الخارج، قد تجعلهم يحاولون خلق بؤر جديدة للتمركز فيها، وتخفيف الضغط على زملائهم فى سيناء.
الواحات البحرية قد تكون مكانا بديلا لهؤلاء الإرهابيين، إذا لم تسارع الدولة وأجهزتها إلى قواعدهم، ونقاط القوة التى يتمتعون بها فى هذه المنطقة.
فى الواحات هناك جبال صخرية وكهوف، وبيئة صالحة جدا لحرب العصابات والكر والفر. والأخطر أن هناك طرقا ودروبا صحراوية مفتوحة مع الحدود الليبية التى تمتد لمسافة ١٢٠٠ كيلومتر.
إذا القول بأن الصحراء الغربية منطقة سهلية يصعب الاختفاء بها أمر غير صحيح. وبالتالى فإن مهمة رجال الأمن ليست يسيرة، وتحتاج لمعلومات ساخنة أولا بأول، لمتابعة ومراقبة ومداهمة الإرهابيين.
نقول دائما بأن الإرهابيين يتحركون فى مساحة ١٪ فقط فى المثلث الحدودى «رفح ــ العريش ــ الشيخ زويد» بشمال سيناء، وبالتالى فمن المهم تماما ألا يسمح لهم بأن يتمركزوا فى الواحات، لأنها ببساطة مفتوحة من دون حواجز طبيعية على الجيزة والفيوم والمنيا وأسيوط.
ولكى يتم ذلك، فلابد من معالجة الثغرات أولا بأول. 
ارتكاب الأخطاء وارد، لكن العيب الحقيقى هو أن تتكرر مثل هذه الأخطاء دائما.
القضية الأولى: أن نعرف تسليح هؤلاء الإرهابيين فى الواحات، وكيف وصلت إليهم الأسلحة الثقيلة والقذائف مثل الهاون والآر بى جى. وجود مثل هذه الأسلحة يفرض واقعا جديدا على الاشتباكات.
هل ما تزال الأسلحة تتدفق من ليبيا، أم من المثلث الحدودى مع ليبيا والسودان، أم من البحر ناحية سيناء، أم ما تزال هناك أنفاق لا نعرفها بين سيناء وغزة؟
القضية الثانية: هى التأكد من ضرورة حرمان الإرهابيين من أى بيئة حاضنة سواء فى الواحات أو أى مكان فى مصر.
هذه قضية جوهرية ينبغى ألا يكون هناك تهاون فيها. ومن دون تحقيق ذلك، فللأسف سيضمن الإرهابيون وجود بيئة حاضنة شعبية أولا، وتحميهم ثانيا، والأخطر تمدهم بالذخيرة البشرية طوال الوقت، مهما كانت خسائرهم فى المواجهات مع القوات المسلحة والشرطة.
نزع الحاضنة الشعبية عن الإرهابيين عملية معقدة، وليست مسئولية أجهزة الأمن فقط، بل نتاج منظومة شاملة لكل أجهزة الدولة والحكومة والمجتمع المدنى.
القضية الثالثة: هى التأكد من أن يكون الجنود والضباط على أعلى مستوى من الكفاءة والتدريب والتأهيل والجاهزية، وأن تقدم لهم الحكومة كل أنواع الدعم والمساندة والأسلحة القادرة على سرعة حسم المعركة.
القضية الرابعة: هى اختراق هذه التنظيمات الإرهابية معلوماتيا حتى يتم تقصير أمد المواجهة.
أخيرا: لابد من التنسيق الدائم والمستمر بين جميع الأجهزة والهيئات والأطراف ذات الصلة حتى نضمن حصار هؤلاء الإرهابيين تمهيدا للقضاء عليهم.