نعم هذا سؤال في غاية الأهمية لكل من يظن نفسه أنه القادر بدون عجز، وأنه القوي بدون ضعف، سؤال لمن هو مغرور بهذه الحياة الزائفة فتراه يبطش من غير رحمة.

لن أخوض في الحديث عن الطغاة وسلوكهم البشع، فهم معروفون عبر التاريخ، كما من المعروف كيف كانت نهاية أكثرهم. أخذوا الأرض واستعبدوا البشر وجثوا بكل ثقلهم على صدور الخلق دون أي نخزة ضمير أو حس إنسانيّ.

ما أريد قوله هنا أنني في النهاية لاجئ يعتريه سلوك الافتقار إلى هوية، ويحلم بأن يعيش في الوطن الذي ولد فيه معزّزًا مكرّمًا، وحينما يخرج من هذا الوطن يحلم بالعودة إليه ورؤية ذكرياته وتحقيق أحلامه. ومن هنا تبدأ قصتنا مع السيد عصام زهر الدين.

قبل فترة ليست بالطويلة رأيت فيديو تمّ نشره بشكل واسع للعميد عصام زهر الدين قائد قوات الأسد في محافظة دير الزور السورية، كان يتوعد اللاجئين السوريين الذين خرجوا من ديارهم ووطنهم بسبب الحرب الدائرة هناك، كان يتوعدهم بعدم الرجوع، ناصحًا إياهم أن لا يعودوا إلى سوريا! “أرجوكم لا تعودوا لأنّ الدولة لو سامحتكم فعهدًا نحن لن نسامح”، ثم قال ساخرًا بلهجته المحلية “نصيحة من هالذقن لا حدا يرجع منكم”.

أولا أنت من تهدّد؟ هل من الإنسانية أن تهدد ضعفاء خرجوا من غير حول ولا قوة وتحت ظروف قاسية! دعك من الإنسانية فهذا مصلطح لا تعرفه، هل من المرؤة من الشهامة من الرجولة أن تهدّد ضعيفًا؟ّ! هدّد ولكن بما تملك لا بما لا تملك، الوطن ليس ملكًا لأحد والأرض ليست حكرًا على أحد.

هذه الكلمات لا تجسد الوضع السوري فحسب، بل تجسد أزمة إنسانية وصلت إليها شعوب الدول العربية، هي أزمة “العداء اللا إرادي واللا محدود”، ما أقصده أن نوعًا من شعوب المنطقة وصلت لدرجة أنها عدوانية بشكل لا إرادي، أي أصبح العداء من فطرتها ومتأصل بجذورها.

ترى أزمة سياسية مندلعة بين دولتين عربيتين مثلًا، فترة لاهبل والسخافة من بعض مواطني هاتين الدولتين، سب وقذف وشتم وإهانة وتوعد! لماذا؟ ومن أجل من؟ وما الهدف؟هل تظن نفسك الفارس الذي لا يجدع أنفه، أم أحد شخصيات الخيال العلمي الخارقة؟ يكفي جنونًا.

المهم هذا العميد لم تمضِ فترة قصيرة حتى جاء خبر مقتله، للأسف لم يعد يستطع أن يختار مسامحة اللاجئين الفارّين أو عدم مسامحتهم، لم يعد يملك من الأمر شيئًا، الآن هو ضعيف ساكن بلا حركة، بلا قدرة، عاجز ميت صِفر! ولم تعد له ذقن على الأغلب.

إخوتي السوريين وهذا نداء إنساني لكلّ العرب والكورد والسنة والشيعة وكلّ البشر، كونوا ما شئتم وفكروا بما شئتم فنحن جئنا للحياة أحرارًا وسنموت أحرارًا، ولكن لا تكونوا عدائيين تجاه من يخالفكم، لا تكونوا غير إنسانيين، غير منطقيين، لا تدعوا الاختلاف يقتل ضميركم، ويجعلكم وحوشًا، لا تضعوا أصابعكم أمام أعينكم فنحن جميعًا نرى ونعلم.

لا يهمني في الحقيقة إن كان زهر الدين قد قتله نظام الأسد تخلصًا منه كما تخلص من غيره، فهو نظام يتخلص من رجاله عندما يشعر بالخطر منهم، ولا يهمني أيضًا إن كان تمّ اغتياله من طرف آخر، المهم هنا هو تسليط لضوء على هذا الجانب الذي أعتبره مهمًّا للغاية، والذي قررت كتابة المقال من أجله؛ وهو أنّ العداء والتسلط والجبروت لا يدوم، بل هو زائل كصاحبه، والذي يبقى هو الضمير والحس الإنسانيّ. رأينا عبر التاريخ صدقوني الكثير من الممالك والحضارت والدول التي حكمت نصف العالم وأكثر، رأيناها كيف زالت، فمن أنتم؟ نعم من أنتم؟ مشكلتنا أننا لا نقرأ التاريخ ولو قرانا التاريخ لأخذنا العبرة وفهمنا.

كما قلت كن مع من تريد وكن ما شئت، ولكن لا تكن عدائيًّا تجاه من يخالفك، لا تجعل الخلاف يقتلك ويقضي عليك، ويقضي على كلّ ذرة من الإنسانية بداخلك، وستزول ونزول في النهاية هذه هي الحقيقة أدرت تصديقها أم لا!

ما أحلم فيه حقيقة أن نعيش مختلفين مسالمين،أن نجلس ونحن مختلفين في الآراء وبنفس الوقت نبتسم ونضحك ثم نتصافح ونمضي، منطقتنا متنوعة عرقيا ومذهبيا، والحل الوحيد فيها أن تتعلم من التاريخ وتحتكم إلى الإنسانية وتتعايش على مبدأ السلم والحقوق دون النظر لأية فارق عرقي أو ديني.

أخيرًا بما أننا تحدثنا عن اللاجئين فأرجوكم أيها اللاجؤون كونوا رسل خير في أي بلد تحلون فيه ما استطعتم لذلك سبيلًا، وأنتم يا من تستضيفون اللاجئين كونوا محسنين وراعوا أحوالهم ما استطعتم لذلك سبيلًا.