عزيزي رئيس لجنة جائزة نوبل للأدب، السيد بير إيريك واتسبيرج، تحية طيبة وبعد.

يكتب لسيادتكم مواطن من بين ما يربو عن مائة مليون نفس، يعيشون – بعضهم فوق بعض – في مصر الحبيبة، مهد الحضارة، هبة النيل (أرجو ألا تبحث عن هذا المصطلح على جوجل أو يوتيوب، حيث ستجد «هبة» أخري غير التي أعنيها!) وأم الدنيا.

أكتب لمعاليكم، يحدوني الأمل في عدلكم الذي تسامعت به أمم الأرض، ويحثني على السير أن قضيتي قضية حق وخير، لا قضية زور وباطل، وما ضاع حق وراءه مطالب. وإني إذ أخط كتابي هذا إليكم، فإني أتحدث بالأصالة عن نفسي، وبالنيابة عن تلك الملايين آنفة الذكر، وإحقاقًا للحق فإني ما استشرتهم قبل إرسالي هذه الرسالة، ولا طلبت منهم دعمًا ولا تأييدًا، فكلي يقين بأنهم ما أن يسمعوا بتلك الرسالة، وما أن يعرفوا فحواها وما تضمنته، فإنهم لمدافعون عنها أشد الدفاع، وإنهم لمؤيدوها أكبر التأييد.

السيد واتسبرج، منذ أن أشرق على مصرنا الغالية فجر أول يوم من أيام الحضارة، والمصريون يكتبون، يكتبون شعرًا ونثرًا، يكتبون علمًا وحسابًا وهم – كما تدري ولا شك – أول من كتب، وأول من وثّق، وأول من أنار وعلّم، وكانوا – لكثرة كتاباتهم – يكتبون على ورق البردي وعلى جدران المعابد (ما زال أحفادهم يكتبون على جدران المدارس بالمناسبة، إلا أن فعلهم هذا مجرّم مكروه، فانظر – هداك الله – كيف انقلبت الآية، وكيف تغير الزمان) كانوا يكتبون على التوابيت وعلى الملابس، وعلى الأحجار ورقع الجلود، مجمل القول أنهم كتبوا على كل ما يمكن الكتابة عليه!

وقد يحسب جاهل يا سيد واتسبرج أننا – لعراقتنا في الكتابة والتدوين – حصدنا جوائز نوبل في الأدب مرات عديدة، وإنه لكثرة ما نلناها أصبح عاديًا – بل أقل من عادي – أن ينالها ابن من أبناء النيل. لكن الواقع مرير مرير، فالحياة ليست فراشات وقوس قزح دومًا (لنعتبر أني لم أذكر قوس قزح إطلاقًا في رسالتي هذه، فهو سُبّة هذه الأيام في مصر، وأرجوك لا تسأل لماذا، فقد يأخذوننا أنا وأنت إلى ما وراء ذلك القوس!).

أقول، الحياة ليست كذلك، وإنما منذ أن كُتب أول حرف في مصر (تخيل أن لدينا صنمًا صغيرًا يمثل كاتبًا!) وحتى يومنا هذا، لم يفز بتلك الجائزة إلا كاتب واحد! واحد من بين مئات ملايين البشر الذين عاشوا ولا يزالون يعيشون على أرض مصر يا مستر بير فأي ظلم وأي بهتان، وأي عار وأي هوان، أتكون كل كتاباتنا محض هراء؟ وكل ما نقوله هذرًا وسخافة؟ كلا يا سيدي وألف كلا.

وإني أطالب (ولا أرجو) في رسالتي هذه، أطالب بمنح جائزة نوبل في الأدب (مع اعتذار رسمي لتأخرها عقودًا طويلة) للشعب المصري فورًا بلا تأخير ولا توان.
وقد تسأل – ولك الحق – لماذا؟ لماذا تعطوننا جائزة كتلك، أقول، وكلّي فخر وانتشاء، بأن أحد أبناء مصر، (غيبه الثرى منذ أزمان بعيدة) قد وضع في اللغة كلمة تعبر عمّا يعترينا من سخط وغضب، وعما تغلي به أنفسنا من حنق وضيق، كلمة – بل نصف كلمة – تقولها فتشعر بالراحة والسلام، ويعتريك إحساس بتخلصك من عبء ثقيل، كلمة تختصر على قائلها وسامعها كثيرًا من اللغو وفضل القول. كلمة – في موضعها – خيرٌ من كثير وأبلغ من جمل وعبارات.

وهي ليست كقول الإنجليز ولا قول الأمريكان ولا هي مستوردة أو دخيلة، وإنما هي أصيلة عريقة، قديمة موغلة في القدم، وهي لا تصف عضوًا ولا تشير إلى عملية حيوية بين ذكر وأنثى، بل هي كلمة بسيطة بسيطة، تكاد تكون لفرط بساطتها راقية لطيفة، ولولا أنه لا سبيل لاستعمالها إلا حين الغضب ووقت الاعتراض، لشاع استعمالها في كل وقت وحين.

وقد اختلف الناس في أصل تلك الكلمة، فبعضهم يقول إنها اختصار (بأخذ حرف من أول كل كلمة) لعبارة «أنا حقًا أعترض» تلك العبارة التي كان يرددها المصريون في تظاهراتهم ضد الاحتلال الفاطمي، وإذ جرّم الاحتلال تلك العبارة، فقد اختصرها عبقري ما إلى أحرف ثلاثة، وبعضهم يقول إنها اسم لملك عادل حكم مصر، فكان الناس يستغيثون باسمه إن مسّهم السوء أو جاورهم الضر، ومهما يكن أصل الكلمة، فإن الأصول لا تهم كثيرًا، المهم هو واقع الأمر وحاضره.

والحاضر يقول إن نوبل – طيب الله ثراه – حين وضع الجائزة إنما وضعها لتشجيع من يجعل العالم مكانًا أفضل،بقلمه أو بأدوات مختبره، وضعها ليكفر عن ذنبه في اختراع كان له من المنفعة أقل مما كان له من الضرر، لكن قدر الله وما شاء فعل، ولا تملك اللجنة الموقرة إلا السير على نهج السيد نوبل، وليس بيدها إلا أن تنظر إلى قضيتي – بل قضية الشعب – بعين العدالة وبروح نوبل الأولى، نوبل الذي أراد الخير فأخطأه فلم يمنعه الكبر ولا عزة النفس الفارغة أن يصحح خطأه، فأولى بكم أن تفعلوا مثل ما فعل.

وإني قد أطالب أيضًا بنوبل للسلام للشعب المصري إذ اخترع تلك الكلمة، وحجتي في ذلك أن تلك الكلمة الصغيرة، التي لا تزيد عن ثلاثة أحرف، قد فرّغت الكثير من طاقات العنف والتدمير، وحولتها إلى صوت سرعان ما يندثر أثره وتنمحي بقاياه، تخيل يا مستر بير – تخيل فقط – أن هذه الكلمة لم تكن موجودة، كم من معارك ودماء كانت ستسفك، وكم من مصائر كانت ستتغير، بل وكم من أرواح كانت ستُزهق لا قدر الله، لكني لن أفعل، لأن نوبل للسلام قد تبدو مسيسة وغير نزيهة، في حين أن سمو الأدب ورقيه لن يختلف عليه أحد.

وأنا أختم رسالتي بالحديث عن القيمة المادية للجائزة، وما أخَّرت الحديث عنها إلا لتعلم أن الشرف (شرف الفوز بالمعالي والأمجاد) أعز لدينا – نحن المصريين – من أي شيء، ولو كان ملايين الجنيهات، وما أجّلت الحديث إلا لتعلم ويعلم كل قاص ودان أن المال هو آخر ما فكرت فيه حين كتبت ما كتبت. أقول، إن تفرقة تلك الأموال على شعب مصر كله لن يعود بالخير على أحد، فقد ينال أحدهم جنيهًا أو بعضًا من الجنيهات، وما تفعل تلك الجنيهات الهزيلة لشعب أكثره جائع مريض، وجلّه جاهل معوز؟ لن تفعل شيئًا ، ولكنه العدل والقسط، والأمانة والشرف، فلا محيص من أن نوزعها جنيهًا جنيهًا على أفراد الشعب، فقط لكي يعلموا أنهم فازوا بنوبل في الأدب، لشيء قاله أحد أجدادهم يومًا ما. ويقولونه جميعًا كل يوم!

لا أنتظر ردك وحسب يا مستر بير، بل أنتظر ردًا رسميًا في مؤتمر صحفي.

المخلص لك،

أحمد صلاح.