عندما قرأت هذه العبارة لأول مرة تعجبت، ثم ابتسمت وكأنها دعابة، ثم عاودت القراءة لأكتشف أن العبارة صحيحة ولكن يضاف عليها عبارة (عن طريق النطف المهربة من سجون الاحتلال)، زاد شغفي بالأمر واهتمامي به كيف يحدث هذا، كيف يمكن أن يحدث هذا؟!

بدأ الأمر كفكرة يتغلب بها رجل فلسطيني على السجن، وعلى حرمانه من زوجته ومن الإنجاب، رجل يتمرد على حبس عمره وشبابه وحياته وأطفاله خلف القضبان فيهرب نطفته، فينقذ أطفاله المستقبليين من الموت خلف القضبان، في البداية كانت الفتوى الدينية، وقد أفتى الشيخ القرضاوي وغيره من العلماء بأن الأمر جائز ولا يخالف الشرع.

وهنا تبدأ الرحلة بأن يشتري أحد أفراد الأسرة وعاء معينًا من الصيدلية يوضع به السائل المنوي، ويبقى السائل على قيد الحياة لمدة ثلاثة أيام، لك أن تتخيل كيف يمر الزائر بمئات الحواجز ونقاط التفتيش وهو يحمل الوعاء الفارغ، ويسلمه للأسير رغم المراقبة المستمرة، ويتمكن الأسير من تجميع السائل المنوي بالرغم من أن حتى دورات المياه مراقبة بالكاميرات، وأخيرًا كيف يخرج الزائر مرة أخرى من السجن بالوعاء الذي به النطف، وهنا تبدأ عملية علمية عالية المستوى يشرف عليها مجموعة من أمهر الأطباء بمراكز الإخصاب، يتم تجميد السائل المنوي، وسحب البويضات من الزوجة بعد تنشيطها، وتتم عملية الإخصاب ويوضع الجنين برحم أمه، وبالنهاية هناك أمور كثيرة يفضل أن تبقى طي السرية والكتمان لتستمر تلك العملية، وتستمر المقاومة والحياة.

ولكن هنا تراودني كثير من الأسئلة، ينتابني خليط من المشاعر، هل فلسطين تحت القصف والاحتلال والألم لديها تلك الرفاهية، لديها تلك الإمكانيات المادية الباهظة، لديها إمكانيات علمية واسعة، لديها القدرة على جعل الفتاوى الدينية مواكبة للعصر وملبية لاحتياجات الساعة، بينما ما زالت بعض الدول العربية تتحدث عن فتوى قيادة المرأة للسيارة وغيرها من الفتاوى التي أخجل من ذكرها.

على صعيد آخر ماذا يحدث لنا في مصر، يتهمنا البعض بالخيانة، ومن هو رحيم معنا يرانا أصبحنا شعبًا رخوًا ولا يسجل المركز الأول إلا في مشاهدة المواقع الإباحية، لا يفتح أبوابه على مصراعيها إلا لاستقبال الراقصات من شتى بقاع الأرض، قالها أحدهم لو أن الجزائر هي التي كانت من دول الجوار بدلًا عن مصر لكانت تحررت الأرض المحتلة، يا سادة مصري أنا وفخور بمصريتي فكيف هانت عليكم مصر وما تهون مصر على أحد، لن أتحدث هنا عن مؤامرات أو فتن، سأتحدث عن شباب وفتيات بعمر الزهور، ويفكرون في أن من يحب أولاده عليه أن لا ينجبهم، أصبحت تئد أطفالك قبل أن يولدوا لأن أحلامك وئدت، وإن تزوجت فسيتأخر الإنجاب دون سبب يذكر، يبدو أنها نتيجة سنوات من الطعام المسرطن والماء والهواء الملوث، إنه ميراث سنوات من الفساد، فتبدأ رحلة علاج لا طاقة لنا بوطأتها المالية والنفسية، يعود الزوجان من عملهما قرابة الثامنة مساءً بعد يوم عصيب، يركضان لإعداد الطعام وتناوله وتبديل الملابس وكي ملابس الغد، ويصليان العشاء في عجالة لأنه لا طاقة لهما بفقدان الآخرة بعد ما فقدوا في الدنيا، ولكن أين الأمل، أين الأولاد.

يذهب الزوجان في تثاقل يظهران عدم الاهتمام للتجهيز لعملية الحقن المجهري، تفكر الزوجة في حجم الألم ووخز الإبر وتضارب الهرمونات ومرارة الانتظار وبعد كل هذا ينتهي الأمر بالفشل، أما الزوج فيفكر في العمل الشاق لمدة عام والذي تذهب نتيجته للعملية الفاشلة، قالتها إحدى الصديقات سأنسى أمر الأولاد ولن أجرب فأخسر مدخرات عمرنا ولا أنجب، وقالت لي صديقة أخرى إنها جربت أربع مرات وتنتظر أن تستقر أوضاعها بالعمل ويصبح لديها الوقت للتجربة مرة أخرى.

كانت الناس تستلهم الأمل من هدوء العيش وبساطة الحياة ورقي المعاملات، وبعد أن أصبحت الحياة قاسية جدًا جافة، تكسو الناس ملامح الكدر، ذهب الشغف وبقي التثاقل، وبقي الصغار فكان بحياة هذا العابث صغير أو صغيرة يحتضنه ويسمع صوت دقات قلبه يعانقه فيرد للأمل بحياته اعتباره، ولكن حتى الصغار ذهبوا من حياة الكثيرين، وكنا حتى عهد قريب نتمسك بالأمل ونقاوم اليأس بالأمور البسيطة الحبيبة كأن تتمشى بشوارعك الحبيبة تذهب إلى الحسين وتتناول ساندوتشات الفول والطعمية أو أن تتجول بالسيدة زينب وتتناول (السوبيا) المميزة أو أن تجلس على ضفاف نهر النيل ثم تعرج إلى أحد محلات عصير القصب، تستمتع بعراقة وسط البلد، تدهش من كثافة أشجار المعادي وفيلاتها العتيقة، تستمتع بالإسكندرية وبحرها الثائر الحنون في الشتاء أكثر من الصيف، تستمتع بالأمطار وتناول المثلجات، كما تستمتع بالنسمات الصيفية، ذهب كل شيء لم يعد لدينا وقت، بقي الحر الشديد وتصبب العرق وضربات الشمس، أو البرد القارص والأمطار التي تغرق البيوت.

ورغم ذلك ما زلنا نكافح حتى لا تغرق أحلامنا، صامدون رغم الألم، نحاول متجاوزين عن المرارة، أعيدوا لمصر الحياة أعيدوا إليها الأمل، فغزة تحت القصف أسعد من مصر تحت الملل، امسحوا عنها دموعها المتحجرة واتركوها تحرر العالم من الألم.

عفوًا هذا ليس كلامًا إنشائيًا إنه الواقع الذي رآه العالم وقت الثورة الينايرية، هذا هو السر الذي أخبئه بقلبي وأذكر به نفسي كلما تجاوز اليأس في حقي، أهتف لقلبي انتظرها، انتظر البهية.