قد تكون الدولة التونسية أغرقت نفسها في مديونيةٍ كان يفترض فيها أن تتوجه إلى الإنتاج، بدل صرفها في على أجور الموظفين، ما فاقم هذا العجز المتنامي الذي يهدّد السلم الاجتماعي أصلا.

في انتظار أن تعقد جلسات مجلس الشعب التونسي للنظر في مشروع ميزانية السنة المقبلة (2018)، والمصادقة عليه، خصوصا وقد بانت تفاصيله، بعد أن تم عرضه قبل أيام، على مجلس الوزراء، حيث تم إقراره ونشره في الصحافة الوطنية، حتى بدا وكأنه من قضايا الرأي العام، ضمن منهج غدا سنة حميدة بعد الثورة، تجعل من ميزانية الدولة موضوع جدل عمومي. فقد بدأت تتوالى ردود الأفعال، متجهة عموما إلى إبداء تحفظات وتخوفات عديدة. حصل لدى الرأي العام، في السنوات الأخيرة، ما يشبه القناعة أن الدولة تتجه تدريجيا نحو دولةٍ ضريبيةٍ، وذلك لأسباب عديدة، منها تراجع المداخيل المتأتية من الثروات الطبيعية، ومنها الفوسفات الذي تراجع إنتاجه بشكل كبير، الناجم عن إضرابات جلها وحشية “حتى شلت القطاع سنوات عديدة، في زمن ارتفعت فيه الأسعار على المستوى العالمي، من دون أن ننسى ما أصاب القطاع السياحي من انهيار تحت وطأة الضربات الإرهابية التي طاولته (الهجوم الدامي على متحف باردو ونزل إمبريال في سوسة سنة 2015). يضاف إلى ذلك تراجع الاستثمار الداخلي والخارجي، وقد يكون ذلك منخرطا عن رغبة بعض الأطراف الدولية بتركيع بلادٍ أنجزت ثورة غير مسبوقة، من أجل إفشال انتقالها الديموقراطي، ومنه امتداداته الممكنة.
أدت كل تلك العوامل إلى عجز فادح في تلبية حاجيات البلاد في مجال التنمية وإحداث المشاريع الموجهة، سواء إلى الشباب الذي تفاقمت معاناته بعد الثورة، فقد سحقته البطالة والتهميش أو الجهات الداخلية التي ظلت بدورها محرومةً من الخدمات الاجتماعية والصحية، فضلا على ترهل البنى التحتية، مقارنة مع جهات الشريط الساحلي الذي استأثرت سنوات طويلة بحصة الأسد من ميزانية الدولة، حتى بدت وكأنها تونس أخرى، لا علاقة لها بشطرها الداخلي.
عوّلت الدولة لتعبئة الموارد المالية على مصدرين أساسيين، هما الاقتراض من صناديق هيئات دولية، في ظل شروطٍ يراها بعضهم أنها مسّت من سيادة الدولة، على غرار خصخصةٍ 
“يترقب التونسيون بحذر كثير مآلات مشروع الميزانية لسنة 2018”

للمؤسسات التي لا تزال على ملك الدولة، منها البنوك ومؤسسات يصفها التونسيون بأنها استراتيجية وحتى السيادية ( الماء والكهرباء والنقل.. إلخ). أما المصدر الآخر للتمويل فهو الضرائب التي ارتفعت بشكل كبير، في السنوات الأخيرة، حتى احتلت تونس مرتبة متقدمة بين الدول التي تفرض ضرائب مرتفعة على مواطنيها. يقدم صندوق النقد الدولي، في هذا المجال تحديدا، حزمة من الإصلاحات الموجعة للحكومة التونسية، وهي تقدم على تنفيذها مكرهةً، لأن الخيارات تقلصت أمامها، على الرغم من أنها ترد على منتقديها من المعارضة أن تلك التوصيات ستكون مقترحاتها، حتى ولو لم تلجأ إلى صندوق النقد الدولي.
بدأت الحكومة التونسية تنفيذ تلك التوصيات، وبشكل تدريجي، وسعت إلى رفع نسب الضرائب الموظفة على مواطنيها، مقدمة حججا تراها وجيهة، خصوصا ما تشير إليه التقارير الدولية التي تجعل من التهرب الضريبي سمة واضحة. وبقطع النظر عن مدى دقة الترتيب التي تضعه بعض المنظمات الدولية (المرتبة 106) في مجال التهرب الضريبي، فإن لا أحد يجادل في أن النظام الضريبي يعاني من تشوهات واختلالات عميقة، خصوصا أن القسط الأوفر من المداخيل متأت من مداخيل موظفي القطاع العام الذين تقطع الدولة من أجورهم بشكل مباشر تلك الضرائب. يحتاج هذا النظام الضريبي، والحال كما نرى، مراجعة جذرية من أجل المزيد من العدالة والجدوى والشفافية.
حاولت الحكومة، في ميزانية العام الجاري، أن تبدأ بإصلاحات هذا النظام الضريبي، لكنها اصطدمت بمقاومة أصحاب المهن الحرة، على غرار المحامين والأطباء والصيادلة وأصحاب المشاريع الخاصة، ما جعل جوهر تلك الإصلاحات المزمع إدراجها يسقط، فلهؤلاء ممثلون في مجلس النواب، ينطقون باسم مصالحهم ويذودون عنها.
تواصلت أعباء ميزانية الدولة والاختلالات المجحفة بين الموارد والنفقات، حتى بدت الدولة على قارعة إفلاس نبهت إليه أكثر الدراسات والتقارير واقعية ورصانة، ما جعل الحكومة تصر، مرة أخرى، على إعادة الكرة. لكن لا أحد يضمن أن يمر مشروعها الحالي في مجلس النواب، فضلا عن قبوله شعبيا، خصوصا وأن “الحرب النفسية” قد بدأت بين الأطراف المعنية بالمسألة الضريبية تحديدا. ويمكن إيجاز اعتراضاتٍ يقدمها رافضو هذا المشروع في ثلاثة: أولها التمادي في إثقال الموطنين بالضرائب، في ظل تقديراتٍ دوليةٍ ترتب تونس أيضا من 

“غياب العدالة الاجتماعية في مسألة الضرائب التي زادت الفقراء فقرا والأغنياء غنىً”

ضمن أكثر الدول إثقالا لكاهل مواطنيها بالضرائب (المرتبة 17 دوليا ضمن مؤشر التنافسية الدولية والتشجيع على الاستثمار). وهو ما ينفر أيضا الاستثمار الخارجي، في ظل منافسةٍ من بعض دول الجوار التي تذهب إلى إعفاء المستثمرين الداخليين، أو الأجانب، من الضرائب أصلا، وقد عبرت رئيسة الاتحاد الوطني للصناعة والتجارة عن موقفٍ رافض هذا التمشّي.
أما السبب الثاني فهو غياب العدالة الاجتماعية في مسألة الضرائب التي زادت الفقراء فقرا والأغنياء غنىً، حسب الاتحاد العام التونسي للشغل، أعرق المنظمات النقابية وأكثرها تأثيرا، فالأخير يرى أن أجراء الوظيفة العمومية هم ضحايا هذه السياسة الجبائية غير العادلة، وأنه غير مستعد أن تظل هذه الفئة المصدر الوحيد تقريبا لجلب الموارد الضريبية، بل يتهم الاتحاد الدولة بأنها تحابي بعضهم، وتغض الطرف عن الموارد الحقيقية للجباية، في ما يشبه التواطؤ مع “جنات ضريبية صغرى”، في شكلٍ من الزبونية السياسية بين الحكومة وبعض قطاعات الإنتاج وأصحاب المهن الحرة، وهي، في أحسن الأحوال، خاضعة لضغوط هؤلاء.
الحجة الأخيرة التي يقدّمها هؤلاء المعارضون أن الدولة قد أغرقت نفسها في مديونيةٍ كان يفترض فيها أن تتوجه إلى الإنتاج، بدل صرفها في على أجور الموظفين، ما فاقم هذا العجز المتنامي الذي يهدّد السلم الاجتماعي أصلا، في حين كان الأمر يفترض مقاربة أخرى، تكون أكثر جرأة وشجاعةً أمام تنامي المطالب التي أبدتها التنظيمات النقابية والحركات الاحتجاجية عموما. ولذلك، سيزيد التمادي في هذه السياسة إثقال التونسيين بالضرائب، وهم يترقبون بحذر كثير مآلات مشروع الميزانية لسنة 2018، خصوصا ما حمله من ارتفاع كبير للضرائب المتوقعة، في مناخ من التوترات الاجتماعية المتنامية، على وقع ازدياد الهجرة السرية كثافةً، وارتفاع عدد الضحايا خصوصا. علينا ألا ننسى أن ذاكرة البلاد مع الجباية دامية، فلقد اندلعت أولى الثورات التونسية في عصرنا الحديث سنة، 1864حين قاد الزعيم القبلي، علي بن غداهم، حربا مع سلطة الباي، رفضا للجباية، وقد أحيا بعضهم، قبل أيام، ذكرى وفاته (10 أكتوبر/ تشرين الأول سنة 1867 في سجن الكراكة في ضاحية حلق الوادي).