ليست لعنة الجغرافيا، ولاالأقدار العمياء هي التي تنكرت للأكراد في هذا المفصل التاريخي الحرج، وناصبتهم العداء في اللحظة الكردية الفارقة التي كانوا فيها أقرب من ذي قبل، وأقدر مما كانوا عليه في أي وقت مضى، من نيل هدفهم القومي العنيد.

لعل المعركة التي لم تقع في كركوك، وفق ما كان مرجحاً من قبل، وفاضت نتائجها على إقليم كردستان وجواره الإقليمي بسرعة البرق، هي النقطة الفاصلة التي سيتم تدوينها في تاريخ الحركة الكردية المتعثرة، أباً عن جد، على أنها المعركة التي فتحت قبراً عميقا آخر، لحلم أمة امتلكت كامل استحقاقات الدولة المستقلة بلا أي نقصان، وسعت نحوه من دون كلل أو ملل، إلا أنها وقعت ضحية أبدية لجغرافيا ثلاث قوميات مفترسة، رأت في هذا المكون القومي المظلوم خطراً مشتركاً لها، ينبغي محاربته كلما رفع رأسه، أو نهض من بين كتب التاريخ مطالباً بحق تقرير المصير، أسوة بغيره من أمم وشعوب هذه المنطقة المسكونة بكل أشكال التعصب، بما في ذلك التعصب العرقي على وجه التحديد.
وفيما يمكن للأكراد تعليل أنفسهم بظلم الأقدار، وسوء الطالع، وعبثية المصادفات التاريخية، في كل مرة فشلت فيها ريحهم في السابق، وتقوّضت معها أعز أمانيهم، وهم على عتبة الاستقلال، إلا أنهم لن يلوموا، هذه المرة، أحداً من الخصوم والأعداء، على تعدّدهم وشدة تعصبهم، بالقدر الذي سيلومون فيه أنفسهم، جراء انقسامهم، وانفراط عقدهم، في اللحظة التي كانوا فيها أشد ما يكون عليه شعب محاصر حاجة إلى إظهار وحدة الصف، واتحاد الكلمة، لا سيما وأن المتربصين بهم في الخارج كانوا أشد وضوحاً مما كانوا عليه في أي وقت مضى، وأكثر استعداداً وتماسكاً، للانقضاض على تطلعات شعب إقليم كردستان، في المرحلة التي بدت فيها كل منجزاتهم ومكاسبهم المتحققة على مدى ربع قرن عرضة للتبدد والانهيار.
وكان يمكن لأكراد كردستان أن يطلقوا صرخة مدوية “يا وحدنا”، عندما تخلى عنهم الحلفاء والأصدقاء، واتضحت لديهم قتامة المشهد الإقليمي المتلاحم ضدهم بلا شرط ولا قيد، على 
“بدت كركوك بمثابة لحد جديد في مقبرة الأحلام الكردية الواسعة”

الرغم من كل ما يكتنفه من تناقضات في المصالح والأهواء، وكان لهم أيضاً أن يعتصموا بالصبر قائلين؛ لا حليف نشد به الأزر غير هذه الجبال التي من بين تضاريسها القاسية ظلوا يربون حلمهم بالاستقلال، ويدفعون به إلى الأمام كلما وفرت التقلبات السياسية لهم فرصة سانحةً للتقدم خطوة واحدة، أو أكثر قليلاً، على هذه الطريق الغاص بالآمال والآلام، لولا أن الطعنة النجلاء أتت، هذه المرة، من داخل البيت الكردي، وانغرزت في الخاصرة الرخوة على يد الشقيق، في مشهدٍ تراجيدي، لا نظير له سوى في الأساطير.
إذن، ليست لعنة الجغرافيا، ولا الأقدار العمياء هي التي تنكرت للأكراد في هذا المفصل التاريخي الحرج، وناصبتهم العداء في اللحظة الكردية الفارقة التي كانوا فيها أقرب من ذي قبل، وأقدر مما كانوا عليه في أي وقت مضى، من نيل هدفهم القومي العنيد. وأيضاً ليس الخذلان وحده من الحليف الأميركي، راعي الإقليم شبه المستقل، هو صاحب القسط الأكبر في تحمل المسؤولية عن هذا الإخفاق، ولا كذلك سوء الخيارات، وهشاشة الرهانات، وضحالة القدرة على قراءة المتغيرات، هي التي تضافرت معاً لتصنع هذا الفشل المدوي على رؤوس الأشهاد، لا سيما وأن الضربة المميتة الغادرة لم تأت بيد عمرو، بل جاءت من حيث لم يتحسّب لها أحد، ووقعت، بيد الكردي نفسه، على مؤخرة الرأس الكردي ذاته من دون سابق إنذار.
ذلك أن واقعة كركوك التي لن تسقط من الذاكرة الكردية المفعمة بالجراح والأحزان، لم تؤد فقط إلى تأخير تحقق الحلم القومي إلى أجل غير معلوم، ولم تضعف المكون المعتد بنفسه وبأسلحته وقوة شكيمته فحسب، إن لم نقل همشته إلى أبعد حد، وإنما ضربت الصورة الكردية في الصميم، وكشفت ضعف بنيتها التكوينية على طول الخط المستقيم، وهي الصورة التي اكتسبت مضاءها في المعركة الطويلة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وبدت كرأس حربة ناجعة ضد الإرهاب، الأمر الذي استحقت عليها ثناء الغرب عموماً، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، وذلك بعد أن انسحبت قوات البشمركة من المدينة المماثلة لعراق صغير، من غير أن تطلق رصاصة واحدة في الهواء.
ولم تتوقف متوالية الخسائر الكردية عند هذا الحد المروع من الانهيار المفاجئ، أو تراوح عند 

“لم تتوقف متوالية الخسائر الكردية عند هذا الحد المروع من الانهيار المفاجئ”

إضاعة فرصة بدت سانحة لتفعيل الاستفتاء، في صورة خطواتٍ صغيرة ومتدرجة على طريق الاستقلال الطويل، وإنما تجلت الخسارة الأكبر في هذا الانقسام المروع على الذات، وفي تبدل التحالفات وتبادل الاتهامات البينية، بما في ذلك تهمة الخيانة العظمى، بين الجناحين المنوط بهما التحليق في أعالي السماء، وتحويل الحلم الكردي العصي إلى واقع ملموس، وهو ما فتح الباب واسعاً أمام احتمالات اندلاع حرب داخلية، قد تكون أشد وطأة مما سبق أن شهده الإقليم ذو الحكم الذاتي في تسعينيات القرن الماضي، حين سالت دماء كردية غزيرة على مذبح المنافسات والاتهامات التي لم تكن بينها تهمة الخيانة العظمى، ثقيلة السمع على العقل والوجدان.
بكلام آخر، بدت كركوك بمثابة لحد جديد في مقبرة الأحلام الكردية الواسعة، حيث تحققت هزيمة ساحقة، وترتبت نتائج وخيمة، إثر معركة لم تخضها القوات التي كانت تقول إن حدود الإقليم تصل إلى المكان الذي تصل إليه أقدام البشمركة، وإن خطوطها النهائية ترسم بالدم، الأمر الذي أوجد مفارقة هائلة بين الأقوال والأفعال لدى قيادة استثمرت جيداً في لحظة ضعف المركز في بغداد، وبالغت كثيراً في إظهار بأسها، الذي لم يختبر في الآونة الأخيرة، إلا بعد أن كانت تطير القاذفات الحربية الأميركية، وتمهد الأرض تماماً، كي يتقدم الأكراد في ظروف معركة مثالية، محققين انتصارات سهلة، على العدو المشترك لكل قوى الأرض، ونعني به تنظيم الدولة الإسلامية.
على الأرجح، لن تتوقف تداعيات هذه الهزيمة المنكرة عند حدود خسارة كركوك “قدس كردستان” والنفط (نصف مليون برميل يومياً) والأرض “المتنازع عليها”، والمنافذ والمعابر الحدودية (مع كل من تركيا وإيران) ناهيك عن ابتعاد الحلم بالاستقلال، والانقسام الداخلي في أكثر أزمنة الكرد استحقاقاً للوحدة في وجه أخطار مصيرية، لا سابق لها بهذه الحدة وهذا الاحتدام، إذ على القيادة السياسية في أربيل أن تدفع ثمن هذه المقاربات الطائشة، قصر الزمن أم طال، وأن تقدم اعتذارها المشفوع بالتنحي عن سدة الحكم المتزعزع بشدة، للذين غرّرت بهم قياماً قعوداً، وأوهمتهم بأنها أحسنت توقيت عملية الاستفتاء، فإذا بها تودي بكل ما تم إنجازه تحت ظلال الحظر الجوي الأميركي عام 1991، وفي خضم غزو العراق عام 2003، ثم إبّان الحرب على الإرهاب بعد العام 2014.