تلتهمنا الحياة، تسرقنا كل ساعات يومنا فتؤتيه عن آخره لا نفوز منها إلا بساعات النوم، ثم العودة إلى الطور ذاته، حتى حين نختلس منها بعض الوقت بادعاء أننا بحاجة إلى وقت الفراغ، وقت خالٍ من المهام وأعباء الروتين اليومية، والتحرر قليلًا من قيود العمل وشبكة العلاقات والتزامات الحياة التي تبدو بلا انتهاء. في الغالب احتياجنا إليه أشبه بالهروب من ثقل الحياة ومسئولياتها، لا افتقاد إليه ووعي بجوهريته.

وهذا يبدو طبيعيًّا فجميعنا ينظر إلى وقت الفراغ على أنه مرتبط بالخمول والكسل، وربما الثقب لكل مساوئ الحياة وانحرافات البشرية، وهذا ما يخيفنا بشأنه. وبلا شك، فهو يمثل الفزع الأكبر لدى الوالدين على أبنائهم، فلا زال الكثيرون منهم يحملون وقت الفراغ مسئولية أفعال أبنائهم، وعدم إمساكهم بزمام الأمور فيما يخص العلم أو العمل، وخاصةً في سن المراهقة، ومن ثم ضياع عمرهم بلا جدوى، متغافلين تمامًا عن احتمالية كونهم السبب حيث جهلهم لمفهوم «وقت الفراغ»، وإعطائه ما يستحق وماهيته في التأمل في سلوك أبنائهم واتجاهاتهم منذ نعومة أظافرهم، ووقت بناء قاعدة الشخصية الأساسية.

تنبع إشكاليتنا نحو وقت الفراغ من نظرتنا الطفيفة له، فدائمًا ما كانت نظرتنا إليه نظرة كمية لا كيفية؛ مجرد ساعات نمرر بها أيام عطلتنا أو ما تبقى من يوم من العمل الشاق في انتظار نظيره في اليوم المقبل، وما ينتظرنا من قائمة مهام طويلة. استرخاؤنا خلالها مزيف، مليء بالتوتر والانفعال وانعدام المعنى، كمن يخطف وردة دون الانتباه لجمالها الخلاب والتشبع برائحتها الذكية! وهذا أفقدنا قيمة وقت الفراغ وفرصته الذهبية في بعض التحرر التأمل والتعبير عن النفس بدون قيود، وربما الإبداع وإشباع رغبتنا فيه.

وأدق ما يرشدنا للمعنى الحقيقي لوقت الفراغ، كلمات العبقري عباس العقاد في كتاب سيرته الذاتية «أنا» وهو يحكي كيف تعلم من أوقات فراغه قائلًا: «وليس معنى الفراغ أنه الوقت الذي نستغني عنه ونبدده ونرمي به مع الهباء، ولكن وقت الفراغ هو الوقت الذي بقي لنا لنملكه ونملك أنفسنا فيه بعد أن قضينا وقت العمل مملوكين مسخرين لما نزاوله من شواغل العيش وتكاليف الضرورة».

ثم يعلق على حكاية أسبرطة حين كانوا يضعون أطفالهم في إناء مملوء بالنبيذ فمن بقي مفيقًا بعد هذه التجربة أبقوه واستحق عندهم عناء التربية، ومن ظهر عليه التخدر والسباب نبذوه. قائلًا: «ولو أنني أردت امتحان الأقوياء من الرجال لما تركتهم في آنية النبيذ بل تركتهم فترات في مكان مغلق يقضون فيه ساعات فراغهم فمن صبر على هذه الساعات فهو رجل ملآن بقوة الفكر وقوة الخلق وقوة الاحتمال، ومن لم يصبر عليها فهو الفارغ الذي لا خير فيه»، وهنا نصل إلى مربط الفرس، فكوننا فارغين يشتت الأمر لدينا بين وقت الفراغ وحاجتنا الماسة إليه، وبين مما نعانيه من الفراغ النفسي، وشتان بينهما.

أما الفراغ النفسي فلا علاقة له بوقت الفراغ إنما منشأه الفراغ الفكري، وانعدام الهدف لدى البعض، فلا يدركون قيمة الحياة وما المغزى وراءها، ولا المهمة التي خلقنا الله من أجلها، ولا الرسالة التي لا بد من إدراكها والعمل عليها ما حيينا، فالفزع الحقيقي والأجدر هو ذاك الفراغ النفسي والفكري الذي يملؤنا حتى النخاع.

أتساءل بشأن خليل الله إبراهيم عليه السلام، إنسان وجد نفسه بين قوم عكفوا على آلهة لا تسمن ولا تغني من جوع. ماذا لو لم يمنح لنفسه أوقات فراغ للتأمل والبحث، ماذا لو حقر من الفراغ وترك نفسه لأبيه وقومه وانشغل بأشيائهم، وهو لم يكن يعلم بوجود إله ولا خالق لهذا الوجود، فلا ذنب معه! عمل قومه الوحيد لا يروق له، يتركهم ولا عمل له فما أكثر أوقات الفراغ لديه!

يدرك قيمة ما لديه من وقت للتأمل والبحث في كل شيء والتعمق فيه، يتفكر أمر هذا الكون؛ لا بد له من خالق؛ لا بد للبشر من إله يُعبَد. وتبدأ رحلة البحث عن الإله وعن رسالته في الحياة الدنيا «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ». فمن التأمل في السماء ثم القمر ثم الشمس إلى أن يرزقه الله الهدي ويم عليه بالإيمان فيدرك رسالته. «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ».

وماذا بحديث رسول الله «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس؛ الصحة والفراغ»؟ الغبن هو أن تبيع شيئًا قيم نفيس بثمن بخس، وما أبلغه ليدل على نعمة الفراغ!

وفي شرح الشيخ محمد راتب النابلسي لهذا الحديث يقول: «الذي لا يوجد عنده وقت فراغ ليس من بني البشر، بمعنى لا يعيش لهدف، فالذي عمله استغرق كل وقته هذا أكبر خسارة، لو در لك عملك مئات الملايين، العمل الذي يمتصُّ كل وقتك هذا أكبر خسارة، لأنه ألغى وجودك الإنساني، ألغى هدفك الكبير، ألغى الرسالة التي تحملها، يقول لك: طلعت قبل ما يفيقوا، ورجعت بعدما ناموا، يحسب حاله قاضي غرض، العمل الذي يمتص كل وقتك يعد أكبر خسارة لأنه ألغى لك وجودك، ألغى لك عملك للآخرة، لا بدَّ من وقت فراغ، تجلس مجلس علم، تتنور، تعرف سر وجودك، غاية وجودك، الذي خلقك ماذا يريد منك؟ لماذا أنت على وجه الأرض؟ ماذا ينبغي أن تعمل؟ فدرس العلم يعرفك بذاتك، يعرفك بربك، يعرفك بمنهج الله، يعرفك بأبطال المسلمين، فتعمل موازنة بينك وبينهم، أين أنت منه؟ ماذا فعلت؟ ماذا قَدَّمْتَ للأمة؟».

فاحتياجنا إلى ساعة الفراغ لا يقل عنه إلى ساعات العمل، فلا معنى للحياة وأعمالها بدون ساعة الفراغ وما وراءها، الفراغ الذي قال عنه ابن تيمية حين هددوه بالسجن «وإن سجنوني فسجني عبادة»، الذي أقر به العقاد في كلماته «لا بد من فراغ، ولا بد من فراغ نحفظه، الفراغ الذي نحفظه هو الذي يحفظنا لأننا نستخلص فيه خير ما ندخره من غربلة التجارب والمعارف والعظات».

أرواحنا في افتقار إلى فراغ يصونها من عبث الحياة، فراغ يمنحنا التعرف على ذاتنا بلا قيود، فراغ يأخذنا بعيدًا عن الحياة الدنيا وكبدها إلى حيث تزدهر نفوسنا فتدرك رسالتها في الأرض، والسبيل إلى أدائها بما يوجبه الله علينا.