مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

آية الإسلام هنيّة (تونس)

الطبّ مهنة تستحقّ بكلّ المقاييس أن تكون إنسانيّة. ولكن فقط إن تَركناها بسلامٍ تحترفُ الإقترابَ من الإنسان أكثر وكنّا في مستوى الصّدق المطلوب مع أنفسنا ومع متطلّبات مسؤوليّاتنا، الأعظم ممّا نتخيّل، تجاه هذا “الإنسان”.

من حيثُ آتي، الغلبة للكثرة والمجدُ للّون الطّاغي. إذْ يُعدُّ منطقُ الأرقامِ أعلى مرجعٍ للبتّ رسميّا في مآلات الأمور. إنّ نجحتَ في الإتيان بمقال علميّ قامت بتزكيته مُسبَقًا لغةُ الإحصاء، وبالذّات إن كان من تلك المقالات التي تجتمع تحت لوائها مقالاتٌ أخرى صغرى أو ما يُعرفُ بالميتا مقالات إن صحّ التّعبير، فقد أسكتّ بذلك كلّ صوتٍ تسوّلُ لهُ نفسه مُقاطعتك. أنت بذلك تقول لمنظوركَ من دون أن تنطق: هذا ما يقولُ صرحُ العلم و”شامانُه” وكلّ نِقاشٍ مُتمرّدٍ تحت إمرته عبث، وسيسكتُ
لا تقلق، كن متيقّنا أنّه لن ينبِسَ ببنت شفة !
ظاهريّا أو لنقل، في المخيال النّظري المثالي، الطّبّ مهنة إنسانيّة جدّا. تُعنى بالإنسان قبل كلّ شيء؛ ومن جملة متعلّقاته، تهتمّ بآلامه على وجه الخصوص !
حسنا، ماذا إذا وَجَدتْ، في النّهاية، نفسها تحيدُ عن ذلك الإنسان كمرجعيّة؟ إذا ما أصبحتْ تعتبرهُ عُضوا مريضا واختزلته في عضويّته تلك؟ إذا ما حكّمت الأرقام والعقلانيّة الزّائدة لتردّ بها على ضيقه ومعاناته التي تتجاوز بكثيرٍ وحدات القياس العُرفيّة؟ إذا ما جُرِّدت من ذاتها وحُوصِرَتْ حتّى صارت غير قادرة على تطبيب جروحها الخاصّة فما بالك بجراح المُجتمعِ الذي تنتمي إليه، بالتّفاني الذي اتّفقا ضمنيّا عليه في البدء على الأقلّ؟
إن عُدنا إلى المنظور العملي الميداني، في مستوى تطبيق “القوانين” لا مناقشتها، لن نلومَها كثيرا، هي في الأخير سليلةُ العلوم التّجريبيّة؛ والتي ترى أنّ التّجربة مركز البحث العلميّ؛ لا تُعدُّ ظاهرةٌ ما، ذاتَ بالٍ إذا لم يُدعِّمها رصيدها العددي لدى الشّعب. الأمر يشبه إلى حدّ ما منطق الانتخابات الدّيمقراطيّة؛ الأغلبيّة يُسمَعُ صوتها ويُطاعُ بقطع النّظر عن وجاهته من عدمها. والعقل يستقيل بشكل ما عن التحرّك خارج إطار المعيش، بواقع هذا الأخير الذي يسبق ملكاتِ ذاك العقل بمراحلَ ويدفعه للزّاوية الضّيّقة.
ولا يتعلّق الأمر بالمرضى فحسب، بل يمتدّ لكلّ المنتمين للسّلك أو المتعاملين معه، بالذّات حديثا أو على وجه “الخطأ”؛ يجد الجميع نفسه داخل منظومة قائمة على تقديس جفاف “العلم” والاكتفاء بموضوعيّة المحسوس دونا عن غيره. وأخطر من ذلك إذ يُسحبُ هذا السّياق ويتغلغل أكثر، خنقٌ لكلّ إمكانيّة إفلات من القواعد الوضعيّة البالية، التي لا تخدمُ أحدا على المدى البعيد. لا أحد يبدو ناظرا إلى ذاك المدى هذه الأيّام، على أيّ حال؛ ربّما لبُعدِه، بكلّ بساطةٍ ساخرة. لا أحدَ يهتمّ فعلا! فقط قلّة يكادُ يقال عنها “شرذمة” لا زالت تُحاول سبر ما يجري واستباق ما أمكن من كوارث مُحدقة، إذ تُحكّم قلبها وتُقيمُ وزنا لصنع المعنى.
منطق “التّفهّم” الحقيقيّ شبه منعدم، إذا استثنينا بعض المتمكّنين “الكبار”. سياسة “تقدير الإختلاف”، يوتوبيا. ومع هذا، وبالمناسبة نفسها، لدينا نقص هائل في “الإحترام”؛ لا أحد يحترم الإنسان، أو الذّوات، أو الشّباب، أو الحياة في عمقها، أو التّفرّد، أو الكائنات المستقلّة أو مشروعيّة التّطوير.
هذه المنظومة مُرعبة حقّا في زيفها! هي مُشوَّهَةٌ إلى أبعد الحدود؛ وهو أمر يخصّ الميدان، وما جاورهُ، في أنحاء مختلفة من العالم وليس أبدا محلّيّا كما كُنت أظنّ في وقت ما. منظومةٌ أضحت تعيش على الأسطح الجوفاء القشريّة، المُثيرة للضّحك والشّفقة، وليست لها شجاعة النّفاذ إلى الدّاخل المُظلم، في ظلّ تواطؤ عالمٍ تُعادُ صياغةُ أولويّاتِه لصالح المادّة بكلّ تمظهراتها، وتهبّ “النّخب” للانخراط في السّيل كما تعوّدت، لأجل أن تبقى في الكوكبة.
الخلاصة، وحتّى لا أطيل، أنّ الطبّ مهنة تستحقّ بكلّ المقاييس أن تكون إنسانيّة. ولكن فقط إن تَركناها بسلامٍ تحترفُ الإقترابَ من الإنسان أكثر وكنّا في مستوى الصّدق المطلوب مع أنفسنا ومع متطلّبات مسؤوليّاتنا، الأعظم ممّا نتخيّل، تجاه هذا “الإنسان”.

إعجاب تحميل...