b19e937e-b14a-41cc-9824-2d105dce977a.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

نجوى بركات

في كتابه “حضارة، كيف أصبحنا أميركيين”، ينعي الفيلسوف الفرنسي، ريجيس دوبريه، الحضارة الأوروبية التي ما عادت تنتج برأيه الكثير، والتي “تأمركت” إلى حد محزن، إذ أفقدت البلدان الأوروبية عامة، وفرنسا تحديدا، الخصوصية التي لطالما تمتعت بها كبلاد وكقارة.

يلقبونها “القارة العجوز”، فتتداعى في البال صورة سيدة نبيلة النسب، انطوت قامتها وتداخلت ملامحها، وقد أخذ منها العمر مأخذا، ولكنها بقيت على أرستقراطيةٍ متداعيةٍ وشيء من أناقةٍ خارجةٍ عن كل سياق. هذا ما كان يخيّل لزائر بلدان أوروبا الشرقية على وجه الخصوص، إذ كان يظهر عليها وهنٌ ما، وكأن الزمن أوقف تقدّمها، وأبقاها على تناقضٍ مع أخواتها الغربية، هناك حيث تتسارع عقارب الوقت قفزا إلى الأمام.
في كتابه الأخير، “حضارة، كيف أصبحنا أميركيين”، ينعي الفيلسوف الفرنسي المعروف ريجيس دوبريه الحضارة الأوروبية التي ما عادت تنتج برأيه الكثير، والتي “تأمركت” إلى حد محزن، إذ أفقدت البلدان الأوروبية عامة، وفرنسا تحديدا، الخصوصية التي لطالما تمتعت بها كبلاد وكقارة. لقد ولد الشعور القومي في أوروبا مع اختراع الطباعة، في حين برزت الولايات المتحدة مع انتشار الصورة الصناعية والسينما، وأصبحت أكبر منتج للصور. بيد أن طبع الصور أسرع بكثير من الكتابة، فلا يحتاج متصفحّها وسيطا أو مترجما.
قبله بنحو مائة عام، رصد الشاعر والكاتب بول فاليري، في كتابه “أزمة العقل” (1919)، أو بالأحرى توقّع احتضارَ الحضارة الأوروبية، وأفولها القريب، حيث كتب: “نحن، الحضارات، نعرف الآن أننا فانون. كنا قد سمعنا عن عوالم اختفت برمتها، عن إمبراطورياتٍ غرقت برجالها وعتادها، نزلت إلى أعماق القرون السحيقة بآلهتها وشرائعها، معاهدها التعليمية وعلومها النظرية والتطبيقية، بقواعدها اللغوية، قواميسها، بحقبها الكلاسيكية والرومنطيقية والرمزية، بنقّادها ونقّاد نقّادها. نحن نعرف جيدا أن اليابسة الظاهرة كلها مصنوعة من الرماد، وأن الرماد يعني شيئا. نحن نلمح عبر سماكة التاريخ أشباح سفنٍ عملاقة كانت محمّلة بالكنوز والأفكار.. عيلام، نينوى، بابل، كانت أسماء جميلة، غامضة. لكنّ الخراب الشامل لتلك العوالم لم يكن ليعني لنا الكثير، ولا وجودها حتى. بيد أن فرنسا، إنكلترا، روسيا.. ستكون هي أيضا أسماء جميلة”…
والأزمة التي يشير إليها فاليري، في كتابه، ثلاثية الأبعاد، فهي عامة، وسوف تؤثر على العالم بأجمعه، وهي متعدّدة لأنها اقتصادية وعسكرية وسياسية و… ثقافية خاصةً، وهي ذاتية لأن الشاعر كان يعيشها بشكل عميق. لقد أقرّ فاليري بأنه يجهل إن كانت في بداياتها أم في لحظة تجلّيها، وقد جعل من هاملت، البطل الشكسبيري، رمزا “للمثقف الأوروبي” الحديث. فأمام مجموعة أدمغة من أمثال ليونار دو فينشي، ليبنيز، كانط، هيغل، ماركس، يشعر المثقف بالارتباك والضياع، “ينوء تحت ثقل المعارف والاكتشافات”، ويتأمّل في “حياة الحقائق وموتها”. لقد كان درس الحرب العالمية الأولى قاسيا جدا، و”قد تكون أوروبا 1914، قد بلغت حدود تلك الحداثة”. الأزمة إذن هي أزمة المثقف بالتحديد، بعد أن كشفت الحرب العالمية الأولى “عجز المعرفة عن إنقاذ أي شيء”. أما سببها، فهو حتما “فوضى أوروبا العقلية”.
وبالعودة إلى ريجيس دوبريه الذي يستشهد، في مطلع كتابه، ببول فاليري، يُشعرنا الفيلسوفُ الفرنسي المعروف بشعور مماثل، حيال أوروبا عامة، وفرنسا خاصة. فثمّة كآبة تهيمن على أجواء كتابه، وهي كآبة، هادئة، رزينة، وساخرة أحيانا، تخوض في أحوال عالمٍ بلغ عتبة النهاية. ولا يكتفي دوبريه بالعام، بل يعطي أمثلةً عديدةً عمّا آلت إليه أحوال الحضارة الأوروبية، التي أخضعتها “روما/ أميركا”، ثقافيا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا، إلى درجة أن الهيمنة البصرية الأميركية أصبحت مثل طبيعة ثانية. لقد رأت الحداثة النورَ في البلدان البروتستانتية التي تحيا اليوم انتصارها، ومن بينها ألمانيا والولايات المتحدة. أميركا هي المدى الفسيح والأحجام الضخمة والحركة والحرية من غير معوقات، وهي حركة متحرّرة من أي قيد، وقد بلغت القمرَ وقريبا المريخ. أخيرا، يرى دوبريه أن الحضارة، حين تكون في أفضل أحوالها، لا تخشى استقبال الأجانب، بل ترحّب بهم وتسِمهم بسمتها. لكن، للأسف، ما عادت أوروبا حضارةً تصدّر قيمها إلى العالم، هي التي بدأت تذوي منذ نحو قرن.

إعجاب تحميل...