القضية الفلسطينية أم القضايا، ويذهب الكثير من الباحثين لربط باقي القضايا التي برزت على أثرها بأنها نتيجة حتمية لما يجري في فلسطين، وأن بداية الحل يكون من حيث بدأت المشكلة، وهو طرح منطقي نظرًا لتسلسل الازمات التي تجدُ كل يوم في محاولة لوأد القضية الأم.

لماذا لم تتحرر فلسطين إلى اليوم؟

بإيجاز سنذكر الأسباب الموضوعية داخلية وخارجية التي جعلت التحرير يتأخر إلى اليوم:

– الدعم الكبير الذي يقدمه الغرب لكيان الاحتلال إذ تتقاطع مصالحهما معًا.

– ضعف المدد والإسناد العربي وانشغاله بحسابات جانبية على حساب المشكلة الأهم.

– حالة السُبات التي ضربت الفلسطينيين من النكبة إلى الانتفاضة الأولى وانتظارهم الجيوش العربية.

– التعامل مع المقاومة بعقلية رد الفعل لا المبادرة، كلما وقع ظلم خرجت عملية ردًا عليه.

– ضعف الأحزاب الفلسطينية وترهلها وسطوة حركة فتح على منظمة التحرير.

– تهميش اللاجئين وعدم استثمار طاقاتهم للثورة والتعبئة ضد الكيان.

– أزمة القيادة الموحدة ضمن مشروع ورؤية استراتيجية.

غالبا يتفق الجميع على حقيقة هذه الأسباب وموضوعيتها التي باتت درسًا محفوظًا من خلال التجربة المتراكمة بنفس التكرارات السببية في كل يوم، سنناقش اليوم العلة الكبرى لدى الفلسطينيين، العلة القديمة الجديدة التي لا تنتهي فهي قائمة منذ الانتداب البريطاني حتى لحظة كتابة هذا المقال، مشكلة «القيادة الموحدة والمشروع الوطني».

لماذا «أزمة القيادة» الموحدة هي أكثر ما يلحق الأذى بالقضية الفلسطينية؟

يوشك الفلسطينيون اليوم أن يقدموا أكبر خدمة لقضيتهم والتي تتمثل في «الوحدة» (طبعا هذا ما يرجوه الجميع) لكن معطيات الميدان والثابت عبر التجارب السابقة تُفضي إلى خلاصة مفادها أن ما يدور في القاهرة بعيدًا كل البعد عن الوحدة، فالوحدة تقوم على استراتيجية واحدة «مشروع وطني» يجمع الكل دون التفاوض عليه أساسًا، ما يجري أشبه بعملية محاصصة ومناورة من جهة ومحاولة تدجين لحماس من جهة أخرى.

عدم توحيد الجهود في اتجاه واحد من أكبر عوائق التحرير، وبالفرضية الإدراية «فإن غياب قيادة موحدة لشركة أو مؤسسة هو بمثابة أمر كارثي سيقود إلى هلاكها» فكيف إن كانت هذه القيادة تُعنى بمصير شعب بأكمله؟

كيف أثرت أزمة القيادة على هدف التحرير؟
قبل أن نُسهب الحديث عن مجريات تاريخ القيادة الفلسطينية، لك هذه العبارة المكثفة لسلوك القيادة «تاه الفلسطينيون أكثر مما تاه بنو إسرائيل في الصحراء».

الانقسام الأول

قرنٌ على سقوط الخلافة وفلسطين ثم تبعهما «تصريح بلفور». آنذاك كان أول من أسس للعمل المقاوم المنظم في فلسطين الشيخ عز الدين القسام فاتصل بالحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين الأكبر وطلب منه أن يهيئ الثورة في منطقته، فأجابه بأنه يرى أن تُحل القضية بالطرق السلمية عبر «المفاوضات» لأن الشعب الفلسطيني لم يكن جاهزا لمواجهة عسكرية!، خلال تلك الفترة حتى استشهاد القسام بُددت الطاقات ما بين انقسام التوجهات حول كيفية الحل.

الانقسام الثاني

انشقاق منظمة التحرير عن الهئية العربية العليا التي كان يقودها الحسيني، ومن داوعي الانشقاق أن الهئية العربية العليا أضاعت جهاد الفلسطينين قبل 1937 فضاع 65 بالمئة من فلسطين، وتسببت في مقتل من خالفوها التوجه، وهي التي قامت بإنهاء الإضراب الكبير بعد بيان لها ولحقت درب البريطانيين ولجنة بيل وتفاصيل ليس هنا مقامها.

الانقسام الثالث

في فترة بلورة اتفاق أوسلو الذي أبرمته منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة عرفات، حدث تباين واسع في الرؤى حول الحل مع الصهاينة، الأمر الذي مهد الطريق لظهور حماس باعتبارها حركة وازنة لتمسكها بخيار المقاومة، الجدير بالذكر أن اتفاق أوسلو لم يكن بإجماع وطني «حماس والجهاد والقيادة العامة» هم صف المعارضة ولا زالوا.
دون إطناب الحديث، الانقسام القائم اليوم ليس بالجديد إنما تطور ميداني ساهم في تعزيزه الانفصال الجغرافي، وهنا أيضا نعود إلى النقطة ذاتها «مأساة القيادة» وتبديد طاقات وإنجازات الشعب.

اليوم وبعد المئوية الأولى على تصريح بلفور وضياع فلسطين، نخلص إلى كارثية القيادة الفلسطينية، فقد تاه بنو إسرائيل لأربعين عامًا أما الفلسطينيين لا زالت رحلتهم متواصلة في تيهٍ جاوز قرنه الأول، فهم من مئة عام منقسمين ما بين المقاومة والمفاوضات، ولا زالوا إلى اليوم لم يحزموا أمرهم مقاومة أو مفاوضات.