اعتمادًا على مصادر متنوعة من الأدلة، يُحدد جاردنر ثمانية محكات يجب أن تنطبق على القدرات المُرشحة لتنضم إلى قائمة الذكاءات، وذلك بدلًا من الاستناد إلى نتائج مدخل قياس نفسي ضيق، وبذا تختلف نظرية جاردنر عما سبقها من نظريات الذكاء في أنها لا تستند إلى محك واحد كما في نظريات التحليل العاملي بل إلى محكات عديدة جاءت من خلال بحث المخ وتطور الإنسان ومقارنات عبر ثقافية وعلم النفس وغيرها، مما يمكن تفصيله في الآتي:

1-العزل المحتمل بسبب تلف المخ

Potential Isolation by Brain Damage

يشير هذا المحك إلى الدرجة التي تكون عندها القدرات منفصلة أو مستقلة عن بعضها بشكل حقيقي. أو على حد تعبير جاردنر (Gardner, 1983, p.62 as cited in Carlson-Pickering, 2001; as cited in Howe, 1997, p.128) أنه يشير إلى الدرجة التي يمكن بها أن تكون قدرة عقلية خاصة مُحطَّمة أو مُحجَّمة نتيجةً لتلف المخ.

ويوضح جاردنر (Gardner, 1999 as cited in Carlson-Pickering, 2001) أن علماء الأعصاب يعتقدون الآن –نتيجة لأبحاث المخ- أن أمخاخنا تُقسم إلى عدد كبير من شبكات من الخلايا العصبية متصلة ببعضها شبه مستقلة تسمى موديولات (وحدات صغيرة). كل موديول يكون متخصصًا في وظيفة معرفية محددة، وتدمج مجموعات من الموديولات أنشطتها لتؤدي وظائف أكثر تعقيدًا.

هذا ويعود الاعتقاد بأن للذكاء أصولًا فسيولوجية، وخاصة في وظائف المخ إلى القرن الخامس قبل الميلاد حينما تناول ألسِن مِن كروتون Alcaen of Croton العلاقة بين المخ والعقل، وأكد أن المخ هو مصدر النشاط العقلي. كما أن هناك مبدأً شهيرًا في علم النيرولوجيا خلاصته أن أي خلل في منطقة محددة من اللحاء المخي يرتبط به في العادة مجموعة من صور الخلل الوظيفي، ومنه الخلل المعرفي (فؤاد أبو حطب، 1996، ص ص 329- 331).

ويشرح جاردنر تصوره لهذا المحك بقوله أنه يعني به هل يوجد تصور دقيق في المخ لتلك القدرة (Gardner, 1997 in Chekley, 1997). أي أنه يعني أن هذا الذكاء المرشح يمكن أن يُفصل عن الذكاءات الأخرى تشريحيًا. وطالما أنك تستطيع أن تفقد قدرة بينما لا تتأثر القدرات الأخرى فأنت لا يمكن أن يكون لديك فقط ذكاء واحد، بل يجب أن يكون لديك ذكاءات عديدة.

ويوضح ماكنزي (McKenzie, 1999a) أنه كما عزلت الدراسات الطبية الوظائف المخية من خلال حالات إصابة المخ، فإننا نستطيع أن نحدد مواقع فسيولوجية حقيقية لوظائف مخية خاصة، فالذكاء الحقيقي يكون له وظيفة محددة بمكان خاص في المخ البشري.

ويجد جاردنر (Gardner, 1999, p.36 as cited in Lynn Gilman, 2001) دعمًا قويًا للذكاءات المتعددة في دراسات الناس العاديين الذين أصبحوا ذوي تلف مخي بسبب سكتة دماغية أو أذى. ويُرى دليل الاستقلال كما يذكر (as cited in Torff and Gardner, 1999, p. 141-151) في ضعف أو انهيار قدرة عقلية بعد تلف المخ مع بقاء بعض أشكال الذكاء الأخرى دون أن تصاب بأذى. على سبيل المثال.. أشارت بعض الدراسات (Hodges, 1996; Sergent, 1993) إلى أن الموسيقيين الذين حدث لهم أذى مخي قد يكون حديثهم ضعيفًا لكن يحتفظون بالقدرة على عزف الموسيقى aphasia without amusia. وفي حالات أخرى تبقى اللغة وتُفقد القدرة الموسيقية. ذاك أن هاتين القدرتين يمكن عزلهما عن بعضهما البعض مما يقترح أن الموسيقى واللغة تكونان مؤسستين على ذكاءين مستقلين نسبيًا، كما يذكر مثالًا آخر هو أن الأفراد قد يفقدون القدرة على التفكير في الرياضيات من خلال تلف المخ لكن تبقى المهارات اللغوية أو العكس. ويكون أرمسترونج (Armstrong, 2003) أكثر دقة حين يضرب أمثلة لتلف بعض مناطق المخ التي يصحبها فقد في إحدى القدرات «الذكاءات» فيذكر أن تلف منطقة بروكا في الفص الجبهي (الأمامي) الأيسر للمخ يمكن أن يدمر قدرة الفرد على الحديث أو القراءة لكنه لن يُفقد الفرد قدرته على الرسم أو دندنة نغمة أو التزلج أو الابتسام لشخص آخر لأن هذه الوظائف تكون مرتبطة بالمناطق غير التالفة في المخ، بينما الشخص الذي لديه تلف في الفص الصدغي الأيمن يمكنه أن يفقد القدرة على أن يؤدي نغمة بينما يحتفظ بالقدرة على الحديث والقراءة والكتابة. ويشير تورف وجاردنر(Torff and Gardner, 1999, p.141) إلى أن الاستقلال إذن لا يكون منبئًا بقوى أو ضعف في ذكاء من قوى وضعف في ذكاء آخر، والنسبية في تلك الذكاءات تصنع استخدامًا لنفس العمليات، على سبيل المثال، الإيقاع الموسيقي تكون له مكونات رياضية وبالتالي فإن الاستقلال التام يكون مضللًا.

بينما يقرر العالم الروسي ليونتيف (1972) (في عبد الوهاب كامل، 1981، ص 142) وجهة نظر مختلفة مفادها أن قدرات الإنسان لا يمكن أن توجد كما هي عليه في تكوينات المخ، وأن المخ لا يحتوي على تلك القدرات النوعية أو غيرها بل يتضمن فقط القدرة على تكوين هذه القدرات. وهي وجهة نظر مشابهة لما طرحه ديفيد وكسلر (Wechsler, 1958 as cited in Kamphaus, 1993, p.26) حين ذكر أن الذكاء لا يتواجد أبدًا في منطقة محددة من المخ. وأرى أن هذا الرأي يبدو متعارضًا للوهلة الأولى مع نظرية جاردنر، لكن إذا أخذنا في الاعتبار أن وكسلر يقصد بالذكاء العامل العام، والذي يتكون من الذكاءين اللغوي والمنطقي/الرياضي فهو بالفعل لا يكون مركزًا في منطقة محددة من المخ، وبذا فإننا لا نرى تضاربًا بين الرأيين حيث لا يدعي جاردنر أن ذكاءاته المتعددة الثمانية توجد جميعها في منطقة واحدة بالمخ بل أن كل منها يوجد في منطقة أو مناطق محددة من المخ.

ونستطيع أن نتبين بوضوح أن هذا المحك قد نشأ من العلوم البيولوجية، حيث جاء من عمل جاردنر في مجال علم النفس العصبي، كما يقرر جاردنر (Gardner, 1997 in Chekley, 1997) أهمية ذلك المحك حين يذكر أن خبراته حول تلف المخ هي التي قادته إلى نظرية الذكاءات المتعددة، كما أن جاردنر (Gardner, 1998) لا زال غير مقتنع بضم الذكاء الوجودي إلى قائمة الذكاءات ليصبح الذكاء التاسع لعدم وجود الدليل البيولوجي الذي يؤيده من دراسات تلف المخ، للدرجة التي اعتبره فيها –على حد تعبيره- نصف ذكاء.

2- الدليل من الأفراد الاستثنائيين

Evidence from Exceptional Individuals

يعطينا جاردنر دليلًا آخر يتخذه من وجود أفراد توجد أو تغيب لديهم قدرات خاصة بشكل ملحوظ، مثل الموهوبين المتخلفين idiot savants والذين يسميهم أحيانًا mentally retarded savants –في موسوعة علم النفس يصف برنارد ريملاند (Rimland, 1987 as cited in Corstini, 1994, p.208) الشخص الموهوب المتخلف بأنه الفرد الذي يمكنه أن يؤدي أعمالًا عقلية فذة متنوعة في مستوى أبعد بكثير عن قدرة أي شخص عادي، لكن مستواه العقلي العام يكون منخفضًا جدًا- والأطفال العباقرة prodigies والأشخاص المصابون بالتوحد autism.

إن هؤلاء الأفراد وغيرهم من الناس غير العاديين other exceptional individuals الذين يحفل بهم السجل البشري هم إشارة لوجود قدرات إنسانية خاصة يمكن أن تظهر نفسها لدرجات عالية في حالات فريدة مما يجعلنا قادرين على تبين الذكاءات بمعزل.

ويُفصِّل جاردنر تصوره لهذا المحك بقوله إنه يعني به وجود قطاع من الناس يكونون أقوياء أو ضعفاء خاصة في أي من هذه الذكاءات (Gardner, 1997 in Chekley, 1997). أي أنه يرى في وجود مثل هؤلاء الأفراد الاستثنائيين دعمًا لنظريته. ويرى جاردنر (Gardner, 1983, p.62-67 as cited in Carlson-Pickering, 2001) أن تلك الحالات يمكن أن تكون مرتبطة بعوامل جينية أو بنطاقات عصبية خاصة.

وتعد ملاحظة وجود فروق داخل الفرد الواحد قديمة في علم النفس المعرفي، فقد لاحظ بينيه وهنري منذ عام 1896 (في فؤاد أبو حطب، 1996، ص 40) أن الطفل الواحد لا تتساوى فيه جميع القدرات مما جعلهما يقترحان فروضًا عن تعدد القدرات، وهذا ما أدى إلى اهتمام علماء النفس الفارق منذ بداياته بالفروق داخل الأفراد بالإضافة إلى الفروق بينهم. ولو أن هذا الاهتمام لم يستمر واُستعيض عنه في ميدان الذكاء باستخدام درجة واحدة كلية. ثم عاد علماء النفس إلى الاهتمام بالفروق داخل الأفراد في السنوات الأخيرة وذلك باللجوء إلى وصف كل مفحوص في ضوء ما يُسمى التخطيط النفسي للقدرات (البروفيل) Profile. وحينما فحصت هذه التخطيطات النفسية لوحظت ظاهرة الفروق داخل الفرد intraindividual differences في مختلف المستويات العقلية وفي مدى يتراوح بين ضعاف العقول والعباقرة.

ويذكر جيلفورد (Guilford, 1967) نتائج البحوث التي قام بها علماء النفس في ميدان الضعف العقلي، والتي تؤكد أن أولئك الذين تحددهم اختبارات الذكاء بأنهم ضعاف العقول قد يظهرون أنماطًا من التوافق الاجتماعي تستثير الدهشة، وهذا يعني أن هذه الاختبارات لا تتضمن فيما تقيسه تلك القدرات العقلية التي ترتبط بهذه الأنماط التوافقية، والتي ربما تنتمي إلى ميدان الذكاء الاجتماعي الذي يتطلب فهم الآخرين والمهارات الخاصة بالتعامل معهم.

كما يذكر رجاء أبو علام ونادية شريف (1983، ص 138) أن الأطفال الموهوبين عقليًا قد لا يكونون متفوقين في كل قدرة، إذ قد يكون الطفل الواحد موهوبًا في ناحية من النواحي وضعيفًا في ناحية أخرى، كما أن بعض المتخلفين عقليًا مثلًا يظهرون موهبة خاصة في ناحية من النواحي.

يوضح تورف وجاردنر (Torff and Gardner, 1999, p.141) أن مظهر قدرات المستوى العالي في الناس العاديين يقترح أن الذكاءات مستقلة نسبيًا، كذلك فإن الأطفال العباقرة هم أفراد يظهرون مستويات عالية من التحصيل في فرع ما –على سبيل المثال: شطرنج أو موسيقى- في عمر مبكر لكنهم يكونون عاديين في نطاقات أخرى، أما المتخلفين الموهوبين فإنهم أفراد تكون لهم مكاسب منخفضة في علم أو فن أو براعة وأحيانًا يصنفون على أنهم متأخرون وفي نفس الوقت يظهرون مهارات مميزة واضحة في واحدة من القدرات، كأن يكون الفرد قادرًا على أن يعزف على البيانو عن طريق السمع أو يقوم بحسابات ذات أرقام كبيرة فورًا أو يرسم بدقة شديدة، مما يظهر انفصال القدرات، ولو أنه جدير بالملاحظة بالرغم من ذلك أن هؤلاء المتخلفين الموهوبين يكونون غالبًا ماهرين في جزء صغير فقط من فروع المعرفة فعلى سبيل المثال هناك أناس لا يستطيعون الجمع لكن يمكنهم حساب أعداد أولية.

ويلفتنا فؤاد أبو حطب (1996، ص 42) إلى أن الميدان الوحيد الذي لا تظهر فيه فئة الموهوبين المتخلفين أي درجة من التفوق هو الميدان اللغوي الذي يتطلب استعدادًا لفظيًا، ويفسر ذلك بأن الذكاء يقترن بالقدرة اللغوية في الحضارة الراهنة، كما أن النجاح المهني والتعليمي يرتبط في الوقت الحاضر بالقدرة اللغوية أكثر من غيرها، بالإضافة إلى أن الشخص الذي يتميز بقدرة لغوية عالية يستطيع أن يستعملها في تعويض بعض نقائصه، ومن هنا يندر أن يصنف في فئات الضعف العقلي المألوفة.

مثال آخر يضربه جاردنر (Gardner, 1999, as cited in Lynn Gilman, 2001) للشخص المصاب بالتوحد –ضعف اجتماعي دال- الذي يتفوق في الحسابات الرقمية أو الأداء الموسيقي، كما يذكر الوقفي (1980، في الذكاء المتعدد واستراتيجيات التعلم، د. ت) ملاحظة جاردنر لطفل بلغت نسبة ذكائه (50) غير أنه كان قادرًا على ذكر تاريخ أي يوم من أيام الأسابيع الواقعة بين السنوات 1880- 1950، كما كان قادرًا على العزف على آلة البيانو بالسماع، وكان هذا الطفل يمتلك غير ذلك من القدرات مثل الغناء بلغات أجنبية لا يتحدثها والتهجئة والحفظ.

إن هؤلاء الأفراد الاستثنائيين يظهرون أنه من الممكن للشخص أن يكون لديه قدرات استثنائية أو مبكرة النضج عقليًا في مجال خاص واحد، بينما لا يكون مستوى نفس الشخص من الأداء في أبعاد أخرى أفضل من المتوسط (Howe, 1997, p. 128).

وكما يبدو واضحًا فإن هذا المعيار نشأ من علم النفس النمائي. حيث يشير جاردنر (Gardner, 1999, as cited in Lynn Gilman, 2001) إلى هؤلاء الأفراد الاستثنائيين باعتبارهم صدفًا طبيعية، والتي تسمح للباحثين أن يلاحظوا طبيعة ذكاء خاص بتناقض كبير مع قدرات متوسطة أو ضعيفة أخرى.

3- عملية رئيسية معروفة أو مجموعة من العمليات

An Identifiable Core Opearation or Set of Operations

هذا المحك متعلق بالتحليل المنطقي. يذكر ماكينزي (Mckenzie, 1999a) أن هناك مجموعة محددة من الإجراءات والممارسات التي تكون فريدة لكل ذكاء حقيقي.

ويوضح تورف وجاردنر (Torff and Gardner, 1999, p.142) أنه يجب أن يكون للذكاء واحدة أو أكثر من عمليات أو ميكانيزمات معالجة المعلومات الأساسية التي تكون قادرة على التعامل مع أنواع مختلفة من المدخلات. ولأن كل ذكاء هو نظام كمبيوتري على أساس عصبي فإنه ينشط عن طريق أنواع معينة من المعلومات المقدمة داخليًا أو خارجيًا. والذكاءات لا تكون نظم إدخال في ذاتها. إنها بالأحرى تكون إمكانيات يسمح وجودها للأفراد أن ينشطوا أشكالًا من التفكير تلائم أشكالًا معينة من المحتوى. ومن ثم فإن نظرية الذكاءات المتعددة لا تكون غير متسقة مع تقدير معالجة المعلومات للمعرفة الإنسانية، في الواقع لكل ذكاء أشكاله المميزة من معالجة المعلومات. ربما يذهب جاردنر (Gardner, 1983, pp. 62-67 as cited in Carlson-Pickering, 2001) حتى إلى حد تعريف الذكاء الإنساني بوصفه آلية عصبية أو نظامًا حسابيًّا؛ الذي يكون مبرمجًا وراثيًا ليكون منشطًا أو منبهًا بأنواع معينة من المعلومات المقدمة داخليًا أو خارجيًا.

ومُقرًا بحقيقة أن ذكاءات محددة تُعالج في سياق البيئة، يذكر جاردنر (Gardner, 1999, p.36 as cited in Lynn Gilman, 2001) أن تحديد القدرات التي تكون مركزية بالنسبة للذكاء المأخوذ في الاعتبار تكون حاسمة، على سبيل المثال، يتكون الذكاء اللغوي من عمليات رئيسية مثل تعرف وتمييز الفونيمات –وحدات الكلام الصغرى التي تساعد على تمييز نطق لفظة ما عن نطق لفظة أخرى في لغة أو لهجة- والتمكن من بناء الجمل والإعراب واكتساب معاني الكلمة. وفي نطاق الذكاء الموسيقي فإن العمليات الرئيسية هي درجة الصوت والإيقاع والجرس والائتلاف. ويضيف هُوار (Hoerr, 2000) لعمليات الذكاء الموسيقي الحساسية للحن والتركيب الموسيقي، بينما يرى الذكاء اللغوي يتركب من الحساسية للتركيب وبناء الجملة والمفردات والإيقاع والأدوات الأدبية كالجِناس.

ويقترح تورف وجاردنر (Torff and Gardner, 1999, p.141) أن العمليات الرئيسية للذكاءات مثل العد في الرياضيات وإدراك النغمة في الموسيقى قد تكون أكثر استقلالية، بينما بعض العمليات الملحقة (المساعدة) مثل تكوين العبارة الموسيقية في الموسيقى تكون أقل استقلالية بعض الشيء.

4- تاريخ نمائي مميز مصحوب بمجموعة معرّفة من الأداءات محددة النهاية

A Distinctive Developmental History along with a Definable Set of End-State Performances

اشتق جاردنر هذا المعيار من علم النفس النمائي، ولأن علماء النفس يستمرون في دراسة المراحل التطورية لنمو وتعلم الإنسان فإن نمطًا واضحًا من التاريخ النمائي لمخ الإنسان يكون مدعمًا بالوثائق، والذكاء الحقيقي كما يرى جاردنر تكون له مجموعة محددة من مراحل النمو مع مستوى متميز يكون كنهاية محددة في تطور الإنسان، ونستطيع أن نرى أمثلة لأشخاص قد وصلوا لمستوى التميز في كل ذكاء (McKenzie, 1999a).

يذكر هاو (Howe, 1997, p. 129) أنه ينبغي أن يكون ممكنًا تحديد مستويات مختلفة من الخبرة يحتاج كل مبتدئ أن يمر بها قبل الوصول لمستويات عالية من الكفاءة في كل ذكاء، كما يذكر لين جيلمان (Lynn Gilman, 2001) أن ذلك يعني وجود مسار نمائي للقدرة الخاصة من مظاهر أساسية وعالمية نحو نقطة منتهية من الخبرة. بعبارة أخرى، لا يعرض الأفراد ذكاءهم في حالته الخام، بل على الأحرى فإنه يتم إعدادهم لاستخدام ذكائهم عن طريق المرور بعملية نمائية (ارتقائية)، لذا فإن الذين يرغبون أن يكونوا علماء رياضيات أو فيزيائيين يقضون سنوات يدرسون ويُرقّون قدراتهم المنطقية/الرياضية من أجل بلوغ هذا المستوى العالي من الكفاءة في تلك القدرة.

ويوضح تورف وجاردنر (Torff and Gardner, 1999, p.155) أن لكل ذكاء تاريخًا نمائيًا منفصلًا إذا لم يكن فريدًا، بالرغم من ذلك قد تكون هناك بعض الصفات المتداخلة بين التواريخ النمائية المتنوعة، ويضرب الباحثان (p. 142) مثالًا لفروق المسارات النمائية بين الذكاءات فبينما تتطور اللغة المنطوقة بسرعة ولمستوى عال من الكفاءة في الناس العاديين، نجد الأمر يختلف في الذكاء المنطقي/الرياضي فرغم أن كل الأفراد العاديين يمكنهم عد أرقام صغيرة فإن القليلين فقط يتقدمون لمستوى أعلى في الرياضيات حتى مع تلقي تعليم نظامي.

ويوضح جابر عبد الحميد (2003، ص ص 13-14) أنه كما أن لكل نشاط يستند إلى ذكاء مساره النمائي، ووقتًا لنشأته في الطفولة المبكرة، ووقتًا لبلوغه الذروة أثناء حياة الفرد، فإن له أيضًا نمطه من حيث سرعة تدهوره أو تدهوره التدريجي مع تقدم الفرد في العمر. على سبيل المثال فإن التأليف الموسيقي يمكن أن ينمو إلى مستوى عال من الكفاءة في سن مبكرة –الرابعة من العمر في حال موزارت- وقد يستمر إلى مراحل متأخرة جدًا من العمر –الثمانينات والتسعينات لدى بعض المؤلفين الموسيقيين-، وبذا فإن الخبرة والكفاءة في التأليف الموسيقي تبقى قوية وصامدة نسبيًا مع التقدم في السن. على الجانب الآخر فإن الخبرة أو الكفاءة العالية في الرياضيات تبلغ الذروة في وقت مبكر نسبيًا من الحياة –المراهقة-، ويذكر أن بلوغ الأربعين من العمر يعني أن الأشخاص قد أصبحوا على القمة بوصفهم علماء رياضيات.

5- تاريخ ارتقائي ومعقولية ارتقائية

An Evolutionary History and Evolutionary Plausibility

نشأ هذا المحك من العلوم البيولوجية، وتحديدًا من علم الأحياء التطوري (الارتقائي).

يشير تورف وجاردنر (Torff and Gardner, 1999, p. 142) إلى أن هذا المحك هو في حقيقته مصدر تفكري أكثر منه دليلًا على نظرية الذكاءات المتعددة؛ حيث يدعي جاردنر (as cited in Howe, 1997, p.129) أن جذور ذكاءات الناس المعاصرة تعود لملايين السنين، ولهذا فإنه يكون من الأفضل أن تُعين الأسلاف التطورية للذكاء المرشح قبل ضمه لقائمة الذكاءات.

ومن خلال مراجعتي للكتابات حول هذا المحك أجد أنها تنقسم إلى شقين: أولهما هو إمكانية رؤية تاريخ تطوري لهذا الذكاء في الحيوانات على نحو مختلف من الإنسان، وثانيهما هو إمكانية أن يكون هذا الذكاء قد لعب دورًا في قدرة النوع الإنساني على التصرف مع البيئة. بالنسبة للشق الأول نجد جاردنر ينظر لأصول الذكاء الإنساني في القدرات العقلية للأنواع التي تسبق الإنسان زمنيًا. على سبيل المثال فإن وجود غناء الطيور يقترح وجود ذكاء موسيقي منفصل، كما تشير الدلائل إلى وجود ذكاء مكاني عال لدى النحل، إضافة إلى وجود متصلات في القدرة المكانية للبشر والرئيسيات الأخرى–رتبة من الثدييات تشمل الإنسان والقردة-، وكذلك تنظيم اجتماعي لدى تلك الحيوانات الرئيسية، ويبدو الذكاء التفاعلي واضحًا في النمل، كذلك فإن كل الحيوانات بحاجة إلى الذكاء الطبيعي لتستمر على قيد الحياة فهي بحاجة لتعرف أنماط الطبيعة من حولها، بينما يوجد ذكاءان آخران –اللغوي والشخصي- قد يكونان مميزين للإنسان (Armstrong, 2003; Gardner, 1983 as cited in Carlson-Pickering, 2001; Gardner, 1997 as cited in Chekley, 1997; Torff and Gardner, 1999, p.142) .

بالنسبة للشق الثاني نجد جاردنر يستخدم الاستدلال للتعرف على الذكاءات التي قد تكون لعبت دورًا في قدرة نوعنا على التصرف مع البيئة، فيذكر (Gardner, 1999, p.36; as cited in Lynn Gilman, 2001) مثلًا أن القدرات المكانية كانت حاسمة في بقاء نوعنا حيث كان على الناس الأوائل أن يكونوا قادرين أن يواجهوا التضاريس المختلفة باستخدام قدرات مكانية، كما يذكر (Gardner, 1997 in Chekley, 1997) أن مما دفعه لاعتبار الذكاء الطبيعي ذكاءً منفصلًا وضمه إلى قائمة الذكاءات ليصبح الذكاء الثامن –إضافة لانطباق باقي المحكات عليه- هو أن هذا الذكاء كان مقدرًا بوضوح في ماضينا باعتبارنا بشرًا.

6- دعم من المهام النفسية التجريبية (علم النفس التجريبي)

Support from Experimental Psychological Tasks

يذكر ماكينزي (McKinzie, 1999a) أن علماء النفس بإمكانهم تحديد مجموعات من المهام لأبعاد مختلفة من السلوك الإنساني، وأن الذكاء الحقيقي يمكن أن يكون محددًا بمهام خاصة يمكن أن تُنفذ وتُلاحظ وتُقاس. يضيف جاردنر (Gardner, 1983, pp. 62-67; as cited in Carlson-Pickering, 2001) وهاو (Howe, 1997, p. 129) أن دراسات المهام التي تتداخل/تفشل أن تتداخل مع بعضها البعض، والمهام التي تُنقل/لا تُنقل عبر السياقات المختلفة، وتعرف أشكال الذاكرة والانتباه أو الفهم التي تكون مميزة لنوع واحد من المدخلات، تلقي الضوء عن المدى الذي به تكون القدرات مستقلة؛ أي من نوع آخر.

بالنسبة لدراسات الانتقال «transfer»؛ حيث يدرس الأفراد مهارة، ويتوقع بعد ذلك أن تنتقل بشكل تلقائي من مجال التعلم الأول لمجال آخر، يوضح أرمسترونج (Armstrong, 2003) أن تلك الدراسات تظهر بوجه عام أن القدرات لا تنتقل من ذكاء لآخر. على سبيل المثال فإن كونك أصبحت قارئًا جيدًا سوف لا يجعلك تلميذًا أفضل في الرياضيات، كما أن تعلم لعب كرة القدم سوف لا يجعلك بالضرورة ترسم صورة أسهل أو تتعامل بشكل جيد مع فرد آخر. هذا النقص العام في الانتقال يقترح الاستقلال النسبي لكل ذكاء من الذكاءات الثمانية.

كما يشير تورف وجاردنر (Torff and Gardner, 1999, pp.141-142) إلى أن دراسات التداخل؛ التي طلب فيها من المفحوصين أن ينفذوا مهمتين متزامنتين، تشير إلى أن بعض القدرات تعالج بشكل مستقل بينما أخرى يبدو أنها تكون مرتبطة عن طريق نفس العمليات العقلية الأساسية، مثل هذه النتائج تقترح أن عمليات معالجة المعلومات الموسيقية واللغوية والمكانية يتم تنفيذها بشكل مستقل. ويوضح جاردنر (Gardner, 1983, 1999 as cited in Lynn Gilman,2001) ذلك بمزيد من التفصيل أنه لتحديد إذا ما كان الذكاء المرشح على قائمة القدرات المحددة التي يسميها الذكاءات المتعددة فإنه يجب أن يكون هناك دعم من علم النفس التجريبي الذي يشير إلى المدى الذي إليه تكون عمليتان متعلقتان أو مختلفتان، فملاحظة الموضوعات التي تطلب أن تنفذ نشاطين في آن واحد يمكن أن تساعد في تحديد إذا كانت تلك الأنشطة تعتمد على نفس القدرات العقلية أو على قدرات مختلفة. على سبيل المثال، الشخص الذي يشارك في عمل الكلمات المتقاطعة يستبعد أن يكون قادرًا على أن يدير محادثة بفاعلية في نفس الوقت؛ لأن كلتا المهمتين تتطلبان انتباه الذكاء اللغوي مما يخلق تداخلًا، بينما غياب هذا النوع من المنافسة يسمح لشخص أن يكون قادرًا على المشي والتحدث في ذات الوقت مقترحًا أن ذكاءين مختلفان يكونان مرتبطين في هذه الحالة.

7- دعم من النتائج السيكومترية (نتائج القياس النفسي)

Support from Psychometric Findings

بالرغم من حقيقة أن جاردنر اقترح نظريته في تعارض مع القياس النفسي، فإنه يعترف بأهمية معرفة البيانات السيكومترية (Lynn Gilman, 2001). فقد اُستخدمت الأدوات السيكومترية مثل اختبارات معامل الذكاء تقليديًا لقياس الذكاء، وكان هذا مثار انتقاد جاردنر لأنه يأخذ عينة ضيقة جدًا من القدرات الإنسانية.

يوضح أرمسترونج (Armstrong, 2003) أن ذلك المحك –كما يرى جاردنر- يشير إلى أنه بالنظر إلى درجات الاختبارات الفرعية من اختبارات الذكاء المعيارية أو إلى القياسات الكمية لاختبارات الاستعداد المنطقي واللغوي والفني والاجتماعي والانفعالي والحركي سنجد دليلًا على نقص عام في الارتباط بين الدرجات في نطاقات الذكاءات المختلفة؛ مما يشير إلى الاستقلال النسبي لكل ذكاء.

ويرى ماكينزي (McKenzie, 1999a) أن وضع النتائج السيكومترية ضمن محكات تقويم الذكاءات في نظرية الذكاءات المتعددة يعني أن النظرية لا ترفض الاختبارات السيكومترية إذا صُممت واستخدمت لتحديد وقياس ذكاءات حقيقية. وإن كان هاو (Howe, 1997, p.129) يرى أن تلك الاختبارات تلعب دورًا أصغر في مدخل جاردنر قياسًا بالمدخل التقليدي للذكاء، حيث إنها فقط تمد بتلميحات تتعلق بالدرجة التي تكون عندها القدرات المختلفة منفصلة ومستقلة عن بعضها البعض، بالرغم من ذلك فإن جاردنر يذكر أن الارتباطات العالية بين درجات الفرد في نطاقات مختلفة من القدرة لا تعني دائمًا أن القدرات ليست مستقلة.

يذكر تورف وجاردنر (Torff and Gardner, 1999, p.142) أن هناك قدرات معينة داخل قطاع من هذه الاختبارات قد أثبتت الاستقلال النسبي، بالرغم من ذلك فالتحليل العاملي يدعم بوجه عام وجود مجموعتين كبيرتين من العوامل اللغوية والمكانية!

8- القابلية للتشفير في نظام رمزي

Susceptibility to Encoding in a Symbol System

هذا المحك الأخير هو محك متعلق بالتحليل المنطقي؛ وهو أن الذكاء يجب أن تكون له قابلية للتشفير في نظام رمزي.

لقد طور الناس أنواعًا عديدة من الأنظمة الرمزية عبر الزمن من أجل فروع معرفية مختلفة. والذكاء الحقيقي على حد وصف ماكينزي (McKenzie, 1999a) له مجموعته الخاصة المستخدمة من النظم الرمزية التي تكون فريدة بذاتها وهامة في إكمال مجموعتها المحددة من المهام. وطِبقًا لجاردنر (Gardner, 1999 as cited in Lynn Gilman, 2001) فإن هدف النظم الرمزية هو نقل المعلومات بدقة وبانتظام، والتي تكون ذات معنى من الناحية الثقافية، ومن أمثلة التشفير: اللغة المكتوبة والمنطوقة والنظم الرياضية والمعادلات المنطقية والخرائط والرسوم البيانية واللوحات.

ويوضح أرمسترونج (Armstrong, 2003) المزيد من أمثلة تلك الرموز فيذكر أن الذكاء اللغوي يتضمن مدى واسعًا من اللغات كالإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية، كذلك يوظف الذكاء المنطقي/الرياضي أنظمة رقمية ولغات كمبيوتر، بينما يعتمد الذكاء التفاعلي على مجموعة متعددة من الإيماءات والتعبيرات الوجهية والأوضاع الجسمية ليمثل الأمزجة والانتباهات والأفكار.

سبق وأن ذكرنا أن لكل ذكاء تاريخًا نمائيًّا، يذكر تورف وجاردنر (Torff and Gardner, 1999, p.149-142-143) أن هذا التاريخ النمائي بعد عام من الحياة يرتبط بنظم رمزية للثقافة المحيطة يبلغ ذروته في فترة المراهقة أو من ذلك الحين فصاعدًا. حيث إننا قد نبدأ الحياة بنزعة لتحليل الأصوات أو لتركيب الجمل بطرق محددة، لكن هذه العمليات تخضع لتغيير وإعادة تنظيم ملحوظ في ضوء الخبرات التي يواجهها الفرد خلال الحياة، ويعتقد جاردنر أن أنواع الأصوات والمناظر التي تُقدم أو تغيب في ثقافة معينة تكون مؤثرة حتى في ملاحظة الفونيمات (وحدات الكلام الصغرى التي تساعد على تمييز نطق لفظ عن لفظ آخر في لغة أو لهجة) أو الحساسية للخداع البصري، كما يؤكد الباحثان أن علاقة الذكاء المرشح بالنظام الرمزي الثقافي ليست مصادفة، فوجود قدرة حسابية يتوقع منها وجود نظام رمزي ثقافي يستغل تلك القدرة.

إلى اللقاء في الحلقة القادمة من السلسلة.

اقرأ أيضًا:

لمحة تاريخية عن تطور مفهوم الذكاء

هل يتوقف نمو الذكاء؟

إنه ليس «إلى أي حد أنت ذكي؟» بل «في أي مجال أنت ذكي؟»‏