لدى تركيا حساب خاص يتعلق بالوضع الكردي، فهي لم تبد إلى اليوم أي تهاون في ما يخص الوضع الجديد الذي فرضه حزب الاتحاد الديموقراطي بوسائل مختلفة، وذلك بالتعاون مع الولايات المتحدة التي اتخذته حليفاً أساسياً في الحرب ضد “داعش”.

خصوصيات الوضعين التركي والسوري وتداخلاتهما كثيرة. بعضها ثابت، والآخر متحول، وهذا أمر يميز، في الشكل والمضمون، انخراط تركيا في الشأن السوري عن أي طرف إقليمي أو دولي آخر. وقبل كل شيء، هي جارة كانت تربطها علاقات جيدة مع نظام بشار الأسد قبل قيام الثورة السورية في مارس/ آذار 2011، ومن ثم تحولت العلاقة الحميمة بين أنقرة ودمشق إلى عداوة حادة خلال فترة قصيرة جداً، بعد أن فشلت كل المساعي التركية في إقناع الرئيس السوري بشار الأسد بسلوك طريق الإصلاح.
ومنذ بداية الثورة السورية، بقيت أمام تركيا أربعة خطوط تتحكم بكل خطوة من خطوات أنقرة. الأول، ضبط الملف الكردي من داخل سورية، بعد أن تبين أن مشروع حزب الاتحاد الديموقراطي هو إقامة كانتون كردي، يشمل الشريط الحدودي السوري التركي الممتد من الحدود مع العراق، وصولاً إلى منطقة عفرين في ريف حلب. والثاني، منع أي تأثيرات للتطورات السورية من الانتقال إلى الأراضي التركية، في ظل موجة الهجرة الكبيرة، سواء التي استقرت وهي قرابة ثلاثة ملايين أو العابرة، وهي تجاوزت مليوناً، وهذه مسألة ترتبت عليها أعباء اقتصادية وأمنية واجتماعية كبيرة. والخط الثالث هو إيجاد حل سياسي، يقوم على أساس رحيل النظام السوري. أما الخط الرابع فيتمثل في مراعاة الموقف الأميركي، وقياس أي موقف أو تحرك على أساس حسابات واشنطن.
بعض هذه الخطوط صمد، وتمرد بعض آخر على الحسابات، ولم يكن في وسع أنقرة التحكم به. وبالتالي، نجحت في إدارة ملف، ولم تحقق حساباتها المنشودة في ملف آخر، والسبب أنها كانت من دون حليف إقليمي، يمكن الركون إليه بقوة، منذ تسلمت السعودية ملف الفصائل السورية المسلحة في صيف عام 2013، في وقت عولت فيه على موقف إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، الذي خذلها هو الآخر، وتركها في مواجهة قوتي إيران وروسيا، ولم يوفر لها أي غطاء عسكري أو دبلوماسي. وكانت أكبر طعنة تلقتها أنقرة من واشنطن تمييع مسألة إقامة منطقة آمنة في سورية، لاستيعاب اللاجئين ووقف نمو الحالة الكردية المتمثلة في حزب الاتحاد الديموقراطي الذي تصنفه أنقرة منظمة إرهابية.
تجد تركيا اليوم نفسها أمام معادلة سورية مختلفة، حيث بات مطلوباً منها أن تنخرط أكثر في الملف السوري، وفق مسار أستانة الذي رسمته مع كل من روسيا وإيران، وشكلُ الانخراط المطلوب هو نشرُ مراقبين من أجل التهدئة في محافظة إدلب، ووضع حد للوضع السائب هناك بسبب سيطرة الفصائل المسلحة، وخصوصاً “هيئة تحرير الشام” التي باتت القوة الأساسية في المحافظة.
تعتمد تركيا في عملية إدلب على قوات درع الفرات الباقية من الجيش الحر، والهدف المشترك بين الطرفين إقامة منطقة خالية من الفصائل المسلحة التي تحولت إلى أمراء حرب، وحماية المدنيين من القصف الروسي والنظام السوري، لكن الهدف التركي الفعلي من العملية هو مواجهة المشروع الكردي في سورية. ولهذا تحضرت أنقرة على مستوى التفاهمات مع موسكو وطهران.
لدى تركيا حساب خاص يتعلق بالوضع الكردي، فهي لم تبد إلى اليوم أي تهاون في ما يخص الوضع الجديد الذي فرضه حزب الاتحاد الديموقراطي بوسائل مختلفة، وذلك بالتعاون مع الولايات المتحدة التي اتخذته حليفاً أساسياً في الحرب ضد “داعش”.
لم تتردد تركيا في إعلان نيتها أنها ستقوم بتدمير الكانتون الذي بناه حزب الاتحاد الديموقراطي، وهذا أمر سوف يزيد من عملية الفرز القائمة على الأرض السورية، ولن يكون سهلاً في كل الأحوال، لا سيما وأن واشنطن لن تقف متفرجة.