“العدالة والتنمية”، في النهاية، حزب سياسي غير مستثنى من قواعد السياسة وقوانينها في المغرب، وأحد هذه القوانين هي القابلية للتراجع، والأحزاب التي تتغذّى بالتصويت السياسي هي الأكثر، فيما بعد، تأثرا بالعقاب السياسي والانتخابي.

لا تبدو دائما الانتخابات الجزئية مغرية للباحثين والمتتبعين، ذلك أن المعطيات المحلية تصبح في حالتها أكثر تأثيرا، كما أن الضعف الطبيعي لمستوى التعبئة السياسية الوطنية الذي يرافقها، يجعل من ترتيب “نتائج وخلاصات عامة” من قراءتها أمرا محفوفا بالمغامرة. لكن تواتر بعض الملاحظات وتكرارها، خلال أكثر من اقتراع جزئي، في التجربة المغربية، وتوالي هذه الانتخابات خلال مدة قصيرة (لا تتعدى السنة)، يجعل من الممكن إثارة بعض عناصر التحليل. وهنا لابد أن نتذكّر السياق الوطني المتميز بالشروط السياسية التالية:
– سيادة خطاب النقد الحاد للأحزاب، خطاب بلغ أوجه مع خطاب العرش، ومع تنامي حراك الريف. الدولة والمجتمع كل من جهته، كل بلغته وكلماته، يبدوان منخرطين في بلاغة مناهضة للتجربة الحزبية.
– المآلات الكارثية لمخرجات اقتراع 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2016، الذي أفضى إلى حكومة جاءت، في تشكيلها وأغلبيتها، لكي تنتقم من الناخبين المغاربة، ولكي تجعل من “الشرعية الشعبية” و”سلطة صناديق الاقتراع” و”احترام الإرادة العامة” مجرد كلمات حالمة معلقة على رغبة السلطة ومزاجها.
– كانت السياسة تعني، في اقتراعي 2015 و2016، العودة إلى الشعب، الأمل والطموح في تملك الناس لشيء من مصيرهم، لكنها تحولت، بعد الانحسار السياسي والأغلبية التي نتجت عنه، إلى ما كانته دائما أو غالبا: التحكم الفوقي في الشأن العام، والتحالف المقدس بين المال والتكنوقراط والعائلات المخملية، برعاية السلطة.
في الخلاصات العامة لهذه الانتخابات الجزئية، يبدو ضعف الإقبال على صناديق الاقتراع،
“أسباب قوة حزب العدالة والتنمية المغربي في الانتخابات العامة متعدّدة”

 موزعا بين محاولتين تفسيريتين، تتعلق الأولى بالتراجع المهول للسياسة، وبالردة الديمقراطية للبلاد، وبأثر رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران (معكوسا هذه المرة). وتتعلق الثانية بالشرط العام للانتخابات الجزئية، ذات الطبيعة الخاصة، على مستوى التعبئة.
لكن الانتباه الى مقارنة نتائجها مع مخرجات اقتراع الانتخابات العامة للسنة الماضية لابد أن يجعلنا نتوقف عند فرضية التراجع الانتخابي لحزب العدالة والتنمية.
مؤشرات التراجع واضحة، ذلك أن الحزب الأكثر قوة في المجال الحضري، والذي كان يحظى، تقريبا وحده داخل خانة الأحزاب الكبيرة، بمنسوب تصويت سياسي واسع، جعله ينتصر في 2015 و2016، على شبكات الأعيان الحضريين، بكل أموالهم وفسادهم وعلاقاتهم، أصبح فجأة عاجزا داخل المدن عن تجاوز نسب التعبئة التي تصل إليها الماكينات الانتخابية المدربة.
ماذا يعني هذا؟ أسباب قوة “العدالة والتنمية” في الانتخابات الأخيرة العامة، منذ العام 2011، متعدّدة، وليس هذا مجال إعادة التذكير بها، لكن المهم أنها جعلته يستقطب انتخابيا فئتين من

“لا أحد يمكنه القول إن مصير حزب العدالة والتنمية قد يكون اقترب من نهاية وشيكة”

الناخبين، الأولى ذات طبيعة إيديولوجية/ تنظيمية، تتكون من ناخبيه التقليديين المرتبطين بعائلته الدعوية والحزبية، متعددة الأذرع، والثانية تتكون من ناخبين ينتمون في “المتوسط التقريبي” للطبقات الوسطى الحضرية، ولا علاقة لهم بالمرجعية الإسلامية لهذا الحزب، ولا بخياراته الإيديولوجية، لكنهم نظروا إليه حزبا منظما ومستقلا، ويقدم عموما نموذجا في نظافة اليد، ويشكل بديلا مقبولا، إذا قورن بالآخرين، حيث حتما هناك سياسيون محترمون. لكن وسط نخب فاسدة كثيرة تملأ المشهد. والأكثر من هذا أنه بدا كما لو أن في وسعه أن يقود مشروعا إصلاحيا وديمقراطيا وتخليقيا، تركته الأحزاب الوطنية في قارعة الطريق.
لن يخالج كثيرين من ناخبي الفئة الثانية الحماسة السابقة نفسها التي دعتهم إلى التصويت على حزبٍ، بدا خائفا من انتصاراته وحجمه، كما لو أصيب على حين غرة برهاب الأماكن المزدحمة، وأصبح يحن إلى ما كانه في البداية، طائفةً أو جماعةً إسلامية، عوض أن يقدم على مغامرة إعادة صياغة بناء مشروع وطني ديمقراطي وإدماجي، وهو ما كان يعني الكثير من التضحية الإيديولوجية.
“العدالة والتنمية”، في النهاية، حزب سياسي غير مستثنى من قواعد السياسة وقوانينها، وأحد هذه القوانين هي القابلية للتراجع، والأحزاب التي تتغذّى بالتصويت السياسي هي الأكثر، فيما بعد، تأثرا بالعقاب السياسي والانتخابي. ولا أحد يمكنه القول إن مصير هذا الحزب قد يكون اقترب من نهاية وشيكة، فهو لا يزال يتوفر على عديد من عناصر القوة السياسية والتنظيمية، مقارنة بأشباه الأحزاب الأخرى. ثم إن القاعدة الأساسية للسياسة في المغرب: أن لا أحد ينتهي تماما، ولا شيء يولد جديدا تماما.
فهذه بلاد يحكمها الموتى من قبورهم، والأشباح هم من يتولى مهمة تحديثها بكل اطمئنان، وجثث الماضي هي من يحرس عبورها المؤجل إلى المستقبل.
هنا، يتغير كل شيء من أجل ألا يتغير أي شيء، كما تقول جملة شهيرة موروثة من أربعة عقود.