جاء هذا العرض الذى شاهدته على مسرح الطليعة كمفاجأة جميلة، مواهب شابة تمتع الجمهور بأحد أفضل العروض فى موسم 2017، مسرحية «كأنك تراه» من تأليف نسمة سمير، التى أراها اكتشافا مهما، وإخراج المتميز ماهر محمود، عرض ذكى وممتع يقدم تعاليم الرسول فى قلب مواقف حياتية معاصرة، مستلهما طقوس الفرجة الشعبية، ومباهج فن المديح، ومن خلال مجموعة من المواهب العظيمة تمثيلا وغناء.
القاعة صغيرة، ومقاعد الجمهور تحيط بالممثلين، جلسة طقسية حميمة، وديكور مدهش ينقلنا إلى مكان ما فى القاهرة القديمة، مسجد وكنيسة متجاوران، قبل دخول القاعة يستقبلنا مطربو العرض بأغنية مديح للرسول خارج القاعة، ثم يدخلون ليجلسوا على الأرض، حضرة وذكر ومديح، وعسكرى يحرس المسجد والكنيسة، ثم يخرج من وراء الجدار «أويس القرنى»، التابعى الجليل، ذائع الصيت فى كتب السيرة، عاشق الرسول، الذى لم يره ولم يقابله أبدا، رغم أنه كان معاصرا لزمنه، ولكن «أويس» لم يرد أن يترك أمه المريضة التى يرعاها فى اليمن، فذكره الرسول فى أحاديثه، وأثنى عليه.
استدعاء شخصية كهذه إلى زمننا المضطرب يحمل أكثر من معنى: هذا محب للرسول، يفهم جوهر الدين، ويحمل لنا من الماضى رسالته الحقيقية، يقول لشخصيات المسرحية، ولنا: «استحضروا الرسول كأنكم ترونه»، يقدم أويس مفهوما إضافيا للحب باعتباره اتباعا لما جاء به الرسول، والشخصيات تائهة حائرة، لكل منها قصة، ورغم أنها تتغنى بالمديح، ورغم أنها تعرف قدر من تحب، إلا أنها تبحث عن طريق مفقود، وتحتاج إلى بوصلة، وسيكون أويس هو هذه البوصلة.
هنا فكرة لامعة حقا، تذكرنا بأن الدين المعاملة، وتربط حب الرسول الحقيقى بالعودة إلى أخلاقه وتعاليمه وقرآنه، وأويس روحه تسبق كلماته، وهو لا يصمت على خطأ، لا ينفعل ولا يعلو صوته أبدا، وإنما يتحدث حديث الواثق، أما الشخصيات فهى طريفة حقا: العسكرى، ومصور وثائقى مسيحى، وبائعة كتب فقيرة تجرى على أولادها، ورجل أعمال مستغل يريد أن يجبر الناس على بيع بيوتهم لتنفيذ مشروعه.. إلخ. 
وفى قلب الصورة مؤامرة غامضة لتفجير الكنيسة، وصنع الفتنة، أويس القرنى العاشق للرسول، والفاهم لدينه، والمقبل من بيت الله، سينجح فى النهاية فى تغيير العاشقين، وسينجح فى تجميعهم ليواجهوا الإرهابى، صوتهم هو صوت الحق، وأنشودتهم تهز الساحة، الشاب المسيحى وسطهم، وإيمانهم بحضور الرسول فى كلماتهم يفزع الإرهاب الجبان.
أشعر بدهشة حقا أن تقدم كاتبة فى عملها الأول فكرة بارعة على هذا النحو المتماسك، لا ملل ولا استطراد، والشخصيات رسمت بشكل معقول، وبعضها تم تقديمه بلمسات كوميدية مثل عسكرى الشرطة والمصور الوثائقى، والأغنيات تم توظيفها بشكل جيد، كما نجح المخرج ماهر محمود فى استغلال كل جنبات الساحة رغم كثرة الممثلين.
مفاجآت كثيرة جميلة فى العرض، كل الممثلين والمطربين اجتهدوا وتألقوا خصوصا محمد يونس فى دور أويس، وعلاء النقيب فى دور العسكرى، أتوقع له أن يكون ممثلا كوميديا ممتازا، وصاحب الصوت الفريد مصطفى سامى، الذى اكتشفه العرض كممثل جيد فى دور شرير، سيكون له مستقبل كبير إذا اتجه للمسرح الغنائى، وهناك أيضا طفل وطفلة من نجوم العرض غناء وتمثيلا، ولا ننسى ألحان الموسيقار المبدع محمد عزت، الذى أتابع أعماله منذ فرقة البنادرة بأغنياتها الجميلة، وكذلك كلمات الأغنيات العامية للشاعر محمد بهجت، الذى لمس فى أغنية أخيرة جوهر العلاقة بين المسلم والمسيحى.
هذه مسرحية معاصرة تستدعى أحد التابعين ليهدى الحائرين، تقول لنا المسرحية إن حب الرسول ليس بكلمات المديح فحسب، وإنما بأن يغير المسلمون أحوالهم التى لا تسر، وبأن يفهموا معنى وجوهر الدين، وبأن يحضر الرسول فى أعمالنا وضميرنا، فكأننا نراه، كما رآه أويس من اليمن، مع أنه لم يره أبدا فى الواقع.
شكرا لمن أمتعونا فكرا وفنا فى مسرح الطليعة.